بعد أيام من تعيينه ابنه الأصغر صدام نائبًا له، أقدم قائد “الجيش الوطني الليبي”، المشير خليفة حفتر، على تنصيب نجله الآخر، خالد خليفة حفتر، رئيسًا للأركان العامة للقوات المسلحة الليبية. خطوة يُرجَّح أنها تأتي ضمن ترتيبات لزرع أبنائه في المناصب الحسّاسة، تمهيدًا لتوريثهم السلطة وتهيئتهم ليكونوا لاعبين بارزين في الساحة السياسية والعسكرية. وعلى رغم ادعاء أنصاره أن هذه القرارات تهدف إلى تنظيم المؤسسة العسكرية، إلا أن الوقائع على الأرض تُظهر أنها حلقة جديدة في مسار بدأه حفتر منذ سنوات لتوريث أبنائه، ويتم ذلك بمباركة دولية، ولو بشكل غير مباشر.
في جلسة التعيين، لم يواجه القرار أي اعتراض من النواب الحاضرين، حسب وسائل إعلام ليبية. كما صادق مجلس النواب على تعديل القانون رقم 1 لسنة 2015 الخاص بتنظيم صلاحيات القيادة العليا في الجيش، إذ استحدث منصب نائب القائد العام، ومنحَ التعديل القائد العام صلاحيات أوسع في التعيين والتدوير. وهي خطوة مدروسة أتاحت لصدام حفتر مساحة أكبر في الحكم والتصرّف.
وبهذه “المباركة” البرلمانية، نال حفتر غطاءً تشريعيًا لمساعيه في تمكين نجليه داخل المؤسسة العسكرية التي أسّسها خلال الأعوام الماضية، تمهيدًا لمراحل مقبلة يبدو أن حفتر رسم فيها أدوارًا كبيرة لابنيه، ولا سيما صدام.
ولا يبدو توقيت تعيينات حفتر لنجليه اعتباطيًا؛ إذ تزامن مع إعلان المبعوثة الأممية الخاصة إلى ليبيا، هانا تيتيه، ملامح خريطة جديدة للحل السياسي. ما يعني أن حفتر استبق الإعلان ليدفع بنجليه إلى مناصب تؤهلهما ليكونا حاضرَين بقوة ضمن أي مسار تسوية، بخاصة وأن خريطة الطريق المرتقبة يُتوقّع أن تحسم القضايا الخلافية، وفي مقدمها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي عطّلت مسار التسوية لسنوات.
وعلى رغم سعي محيط حفتر إلى تقديم القرارات في إطار “خدمة المؤسسة العسكرية واستقرار البلاد”، برزت أصوات معارضة في ليبيا. إذ أبلغ رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، البعثة الأممية رفضه الإجراءات التي اتخذها مجلس النواب بشأن تعيين نجلي حفتر في مناصب قيادية داخل المؤسسة العسكرية، معتبرًا إياها خرقًا للاتفاق السياسي، وداعيًا مجلس النواب إلى التراجع الفوري عنها.
من هما خالد وصدام؟
ظهر خالد حفتر رسميًا متأخرًا نسبيًا مقارنةً بشقيقه صدام؛ فمع نهاية عام 2021 تولّى قيادة اللواء 128 بعد إعادة تسميته إلى “لواء حمزة بن عبد المطلب”. رُقِّي إلى رتبة فريق في تموز/ يوليو 2023، ثم عُيّن حديثاً رئيسًا لأركان الوحدات الأمنية، ليصبح الرجل الثاني بعد شقيقه الأصغر صدام. وقد تعزّز حضوره الرسمي باستقباله شخصيات عسكرية روسية، منها نائب وزير الدفاع يونس-بيك يفكيروف، خلال زيارته إلى بنغازي، في مؤشر إلى ميله الخاص نحو الروس.
أمّا صدام حفتر، المولود عام 1991، وهو الابن الأصغر لخليفة حفتر (الأب لاثني عشر ابنًا وابنة)، فيرى بعض المقربين أن والده يعتبره امتدادًا لتجربته العسكرية، وأنه اختار له اسمه تيمّنًا بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي كانت تجمعه بحفتر علاقة ودّية. ويبدو أن الأب يتطلّع إلى نجله كنموذج “صدامي” جديد بروحٍ ليبية.
إقرأوا أيضاً:
وبحسب تقارير ليبية، لا يمتلك صدام شهادة ثانوية عامة معروفة، ولم يتلقَّ تعليمًا عسكريًا تقليديًا طويل الأمد. ولتفادي الجدل حول أهليته، تلقّى تدريبًا عسكريًا قصيرًا في الولايات المتحدة والأردن سنة 2016، وحصل في آذار/مارس 2024 على درجة دكتوراه في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية في مصر.
في عام 2016 عُيّن قائدًا للواء طارق بن زياد، وهي وحدة عسكرية قوية اتُّهمت –وفق منظمات دولية مثل “العفو الدولية”– بقمع المعارضة والتورط في جرائم وانتهاكات جسيمة تشمل القتل والتعذيب والإخفاء القسري. وفي 2017 قاد الكتيبة 106 في معركة استعادة بنغازي، ما عزّز مكانته، قبل أن يؤسّس اللواء 106 كقوة مكلّفة بحماية والده. في الخامس من تموز/يوليو 2017، احتفل حفتر بانتصاره الأبرز في السيطرة على الشرق الليبي، وكان فخورًا بنجاح الكتيبة 106 بقيادة نجله في استعادة بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية ومعقلًا استراتيجيًا في الشرق. منذ ذلك الحين، توالت الترقيات التي نالها صدام وتوسّع نفوذه عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وحتى دبلوماسيًا، إلى أن تم تعيينه نائبًا للقائد العام.
مسار التوريث
يروّج مناصرو حفتر لفكرة أن الترقيات والمناصب العليا التي حازها نجلاه تأتي في سياق “الدفع بالكوادر الشابة” وتفعيل “رؤية 2030” لتطوير المؤسسة العسكرية. لكن ما يحصل على الأرض يوحي بأن حفتر الأب يمهّد الطريق لتكريس حضور عائلته في مفاصل النفوذ:
أولًا: قرار إزاحة عبد الرزّاق الناظوري من منصب رئيس الأركان –الذي تقلّده بتكليف من مجلس النواب منذ 2014– وتعيينه مستشارًا للأمن القومي، وإسناد المنصب لخالد حفتر، لا يبدو خطوة لتشبيب المؤسسة كما يُسوَّق؛ بل يأتي في سياق إبعاد كبار الضباط الذين رافقوا حفتر لصالح أفراد العائلة، ضمانًا لعدم بروز اعتراضات داخل المؤسسة العسكرية. فإلى جانب الناظوري، أُقيل العقيد حسن الزادمة، قائد اللواء 128 مطلع العام الجاري، وعُيّن في موقع أدنى تحت إمرة صدام، كما عُيّن اللواء عبد السلام الحاسي نائبًا لصدام في قيادة القوات البرية بعدما كان آمرًا للقوات الخاصة، وأُقيل اللواء محمد المنفور من قيادة القوات الجوية، ونُقل اللواء فوزي المنصوري –أحد قادة حرب طرابلس– إلى مهام أخرى في الجنوب، إلى جانب تغييرات أخرى. حفتر، العارف بطبيعة “خيانات” الجيوش في بلد متعدد الولاءات داخليًا وخارجيًا، يستبق أي حراك مماثل بوضع أبنائه في مواقع قادرة على حماية “عرشه” وضمان استمرارية نفوذهم، لا سيما في الشرق الليبي، وإن كان الحلم يشمل عموم البلاد.
ثانيًا: عندما عيّن حفتر ابنه صدام نائبًا له، كان يجهّزه لقيادة المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة، ليتفرّغ هو للشأن السياسي وخوض الاستحقاق الرئاسي، سواء على مستوى ليبيا كلها –كما يُتوقّع– أو ضمن مناطق نفوذ الجيش في الشرق إذا استمرت سلطات طرابلس في عرقلة الانتخابات. وقد ظهرت بعد تثبيت تعيينات نجليه حملة على “فيسبوك” تفوّض خليفة حفتر لرئاسة ليبيا من دون إعلان واضح لجهة منظّميها، ما يثير الشكوك حول وقوف عائلة حفتر وراءها كبداية لدعاية تُمهّد لترشّحه –سواء عبر الانتخابات أو بفرض الأمر الواقع– بعدما ضمن غطاءً أمنيًا من خلال أبنائه الذين تقلّدوا مناصب دقيقة.
حتى في حال وصوله إلى الرئاسة، يدرك حفتر أن سنّه ووضعه الصحي لا يتيحان حكمًا طويلًا، لذا يسعى الى وضع صدام في الموقع نفسه من النفوذ والمسؤولية الذي تمتع به القائد العام. وليس تعيينه نائبًا سوى ذروة مسار بدأ منذ سنوات: نفوذ داخلي عسكري واقتصادي وبرلماني، إلى جانب “تصنيع” صورة دبلوماسية له؛ إذ مثّل والده في جولات خارجية وعقد اتفاقيات وعلاقات مع عواصم إقليمية ودولية. وكانت آخر جولاته في تموز/ يوليو الماضي إلى باكستان حيث التقى رئيس الوزراء ورئيس الأركان، وفي حزيران/ يونيو إلى روما حيث التقى وزير الدفاع، وقبلها زار الولايات المتحدة (والتقى مسؤولين في وزارة الخارجية)، إضافة إلى روسيا وتركيا ومصر والإمارات والأردن والمغرب والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو. ويُفهم من ذلك أن الابن الأصغر اكتسب ثقة قوى دولية وإقليمية مؤثرة في الملف الليبي، ما قد يفسّر الصمت الدولي حيال قرارات والده الأخيرة.
ثالثًا: لا يقتصر مشروع حفتر على ترسيخ وراثة أبنائه عسكريًا وسياسيًا؛ بل وضع بعض أبنائه الآخرين على رأس مؤسسات ذات طابع اقتصادي واجتماعي لضمان إحكام القبضة على مفاصل الدولة. فابنه الثالث، بلقاسم، يشرف على “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا” –وهو صندوق أنشأه مجلس النواب ويتحكّم به حفتر لتحويل التبرعات وتمويل إعادة إعمار المدن المتضررة كدرنة– فيما أوكل إلى الصدّيق حفتر الملف الاجتماعي المرتبط بالتوازنات القبلية والمناطقية، إلى جانب ملف “المصالحة الوطنية”. كما يرأس “الهيئة الوطنية لمشايخ ليبيا” ولجان المصالحة.
يقول المحلل السياسي محمد محفوظ لـ“درج”: “إن المشير خليفة حفتر يريد إحكام قبضته على مفاصل السلطة من خلال وضع أبنائه وأقاربه في مناصب حسّاسة بدل القيادات القديمة لضمان الولاء المطلق. لكن هذا المسار يرسّخ فكرة أن الدائرة المقرّبة من حفتر وحدها المؤهّلة لإدارة البلاد والتواصل مع الخارج، وهو ما قد تكون له تبعات خطيرة لاحقًا في بلد لا يزال يعاني الانقسام. إنه مشروع توريث حقيقي هدفه تثبيت حكم حفتر وأبنائه على المدى الطويل”.
يحصل هذا كله فيما لا تزال ليبيا منقسمة؛ إذ توجد حكومة غربًا في العاصمة طرابلس، وأخرى شرقًا في بنغازي.
إقرأوا أيضاً:














