كنت في الخامسة أو السادسة من عمري، عندما سمعت للمرة الأولى بكلمة “علوي”، أو على الأقل، كانت هذه المرة الأولى التي علقت فيها تلك الكلمة بذاكرتي، سمعت الكلمة في معرض نقاش حاد يتعلق بعقار مستأجر، يريد مالكه إخلاء المستأجرين منه، بينما كان الأخيرون يعرضون عليه أن يزيدوا من قيمة الإيجار، مقابل إبقائهم في المنزل، تجنباً لعنت الانتقال، ولحاجتهم، لأسباب عدة، الى البقاء في المنطقة السكنية نفسها.
حينها، رفض صاحب العقار، فيما كان المستأجرون محتارين ماذا يفعلون، فعلّق أحدهم: لو كنتُ علوياً، لما تجرأ حتى على التفكير بطلب الإخلاء! وعندما سألت عن معنى كلمة “علوي”، لم يجبني أحد. حصل هذا قبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة، إثر انقلابه التصحيحي. أذكر هذا جيدا، كوني، مع بدء الحقبة الأسدية، كنت وصلت مرحلة من الإدراك، أفهم فيها ما معنى كلمة “علوي”، من دون الحاجة إلى مساعدة من أي من البالغين المحيطين بي.
كان الأمر- معرفة من هو “العلوي”- أشبه بالتعرف على تفاصيل الحياة المحيطة بك، تلك التفاصيل المؤذية بالذات، بطريقة من لن يحتاج الى الإمساك بطرف سلك كهربائي ليدرك أن الأخير سيصعقه. بدا كأن هناك حاجزاً يفصلنا “نحن”… عنهم “هم”. والـ “نحن”، كانت تعني كل من هو ليس علوياً من السوريين. لاحقاً، وبعد انهيار حكم الأسد، فقدت الـ “نحن” هذه أي معنى لها. وكأن النظام الأسدي المنهار كان هو الوحيد الذي استطاع أن يعرّفنا كجماعة، وبصيغة واحدة: أولئك الذين ليسوا علويين.
“نحن” و”همّ”
لم يكن الأمر صنيعة الأسد الأب، فبوادر السطوة الطائفية كانت موجودة، ومعلنة، منذ ما قبل انقلاب التصحيح. ولم يكن السوريون آنذاك بحاجة إلى قراءة “حنا بطاطو” أو “نيكولاس فان دام” أو “باتريك سيل”، ليعرفوا لمن باتت الكلمة الأخيرة بشأن مصير البلاد.
في كل الأحوال، لم تكن أعمال الثلاثة المذكورين أعلاه، وغيرهم كثر، قد ظهرت بعد. تلك الأعمال التي تناولت، في ما تناولت، التيار المقرِّر فعلياً داخل البعث الحاكم، بلجنته العسكرية (بلونها الطائفي الفاقع)، ومفاصل اتخاذ القرار، وتنفيذه فعلياً، على مستوى القوات المسلحة، التي لم يكن الفضل للبعث وحده في تحويلها من وسيلة للدفاع عن البلاد، إلى وسيلة حصرية للحكم.
كان آباؤنا وأمهاتنا قد بدأوا يستشعرون إلى أي اتجاه كانت كفة السلطة تميل، من دون الحاجة إلى قراءة أي من تلك المراجع أعلاه. وبالتالي، فإن كلمة “تصحيح” ربما كانت في مكانها بالقياس إلى ما سبقها. وهذا من جهة كونها تصف واقعاً ما، بقي مضمراً لفترة، مع أن الجميع كان يعرف به، ولم يلبث أن أُعلن عنه بصفته الحد الفاصل بين نوعين من السكان الذين يحتلون المكان نفسه.
ولأن بقاء ذلك “التوازن” بات قضية حياة أو موت، بالنسبة الى المستفيدين منه بهذه الصيغة بالتحديد، فما كان من الممكن أبداً السماح بجعل ذلك الحد الفاصل غائباً، أو حتى منسياً لبعض الوقت. كان لاب د من إبقائه، تحصينه، والتذكير به، دائماً كوسيلة لإفهام الجميع لمن تعود ملكية تلك البلاد. كان يراد أفهامنا جميعاً أن تلك الملكية تعود لـ “هم”… ولكن “هم” هذه ما كانت تعني إلا أمراً واحداً: العائلة الحاكمة حصراً. وهذا بالتحديد ما كان يجب أن يبقى غائماً، غير معلن، أشبه بوجه خفي لكابوس، يراد من وجهه الأكثر وضوحاً، وفجوراً، أن يعني غلبة لفئة كاملة، وليس لعائلة واحدة وبضعة مستفيدين فقط.
بهذا يصبح إمكان التفكير بالتغيير أمراً في غاية التعقيد، وقد يقود إلى دمار البلاد برمتها. وهذا ما حصل فعلاً، ولكن ليس قبل المرور ببضع محطات، امتازت جميعها بأن ذلك الحاجز الفاصل، بقي وما زال حتى يومنا هذا، هو أداة الفصل وتمكين الحكم، بجعله امتيازاً لفئة محددة، في بلاد لن تدار أبداً بقرار من مواطنيها جميعاً، كما كان يجب أن يكون.
أبو فرقد
كثيرة هي “النماذج” التي مرت في حياة أي مواطن سوري، عاش طيلة حقبة الأسد المرعبة. تلك النماذج التي تعامل بصفتها المؤشرات الأكثر بروزاً، الدالة على ذلك الحضور العلوي النافذ في تفاصيل حياة أي شخص قُدِّر له العيش خلال تلك الحقبة السوداء. الأكثر حضوراً بينها هو “أبو فرقد”. موظف، متقاعد أو عامل، في السلك المدني أو العسكري، لا يمتلك أي ميزة على جيرانه، في الحي الدمشقي أو الحمصي أو الحلبي أو…، إلا بكونه علوياً “واصلاً”.
بهذا يصبح الرجل قبلة كل من له حاجة عند “الدولة/العصابة”. سواء تعلق الأمر بمشاكل يعاني منها موظف مع إدارته، نقل إلى مكان آخر، أو تعرض إلى ما يراه تجاوزاً أو ظلماً بحقه؛ مروراً بالبحث عن واسطة لتأمين فرز مجند خلال خدمته في مكان قريب أو مريح؛ وصولاً إلى أم المشاكل في الحقبة الأسدية: ولد، أو زوج، أو أخ اختفى في غياهب السجون.
إقرأوا أيضاً:
لم يكن قاصدو أبا فرقد يملكون ما يمكن أن يطلق عليه حتى صفة “رشوة” كائناً ما كان صغرها. لم يكن الأمر يتعدى، وفي أحسن حالاته، هدية متواضعة، حسب الإمكانات، كنوع من الاعتراف بـ “جميل” أسبغه الرجل على أحد قاصديه، فتواسط له، وأفلحت تلك الواسطة فعلاً. ما كان يجنيه الرجل فعلاً، من محيطه المباشر في الحي، هو تلك الهيبة وهذا الحضور، وهالة السلطة تحيط به أينما حل، الى درجة أنه لو حضر في أية مناسبة، ضمن مناسبات الحي، فإن جميع الأنظار ترنو إليه، وتخف الأصوات، بانتظار ما قد تتفتق عنه عبقرية الضيف الكبير. هذا من دون الحديث، طبعاً، عن الجانب الخشن من هذه الهيبة، أي قدرة الرجل، فيما لو أراد لسبب أو لآخر، أن يرسل من يشاء إلى خلف الشمس، فقط لأن أبا فرقد… علوي له صلات!
أما الجانب المتعلق بـ “الاقتصاد السياسي” لحالة أبي فرقد، فكان يلخص بأن أي فرد من عائلته، التي تكون غالباً كبيرة، كمعظم العائلات السورية، من منبت ريفي، أو مديني من الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطى، أي فرد من تلك العائلة يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ذكراً كان أو أنثى، يحوز فوراً على وظيفة، في أي مكان قد يخطر في البال، حتى ولو كان في إدارة تابعة لمؤسسة المطاحن، في قرية نائية لم يسمع بها أحد، حتى ذلك الذي حظي بفرصة العمل فيها.
كانت الرواتب تصل إلى معظمهم وهم في أمكنتهم المعتادة، بين الحي في المدينة، والقرية في الإجازات الصيفية، من دون أن يحضروا في أي دوام، حتى ولو عيّن أحدهم كمراقب عدادات كهربائية في الحي نفسه الذي تقطنه أسرته. أما فيما ولو قدر لأحد الأولاد السفر في عمل إلى الخارج، الخليج مثلاً، يتطلب منه البقاء هناك لسنوات، فإن ذلك “الراتب” ما كان يتوقف وصاحبه غير موجود في البلاد كلها.
قد أبدو مبالغاً، أو متجنياً بعض الشيء هنا، ولكن الحقيقة، التي يعرفها كل السوريين الذي عاشوا تلك الحقبة، هي أن “حصص” العلويين من مؤسسات الدولة السورية، كانت أمراً محسوماً، والنقاش فقط كان يطاول حجوم تلك “الحصص”، والفوارق هنا كانت فلكية… بين أبي فرقد، الموظف البسيط، وبين سيادة اللواء الركن أبو…. مدير إدارة استخبارات يخشى الجميع حتى مجرد ذكر اسمها.
تتعدد الأسماء، والمواقع، ودرجات النفوذ، وحجم الاستفادة المالية وطريقتها، لكن الجميع يشتركون في تلك الصفة التي اكتسبوها بالولادة: هم علويون… وهذه البلاد لـ”هم”.
ياسر
على الطرف الآخر، وعلى رغم ندرته، إلا أن كثراً من السوريين عرفوه، أو على الأقل سمعوا به. ياسر، الشاب العلوي المعارض للنظام، والذي دفع بدوره، وبسبب معارضته تلك، أثماناً توازي، وقد تفوق في بعض الحالات، ما دفعه أقرانه من المعارضين لنظام الأسد من بقية الطوائف. قد يكون ياسر أحد أبناء أبي فرقد نفسه… أو ابن أخيه… أو، وهذا المرجح، ابن عائلة قريبة تنحدر من الضيعة نفسها.
غالباً ما يكون الفتى، أو الصبية، متفوقاً دراسياً، أو لديه هذا الحس الخاص (الألمعية) الذي يجعله قادراً على التمييز أفضل وأسرع من كثير من أقرانه. هذه، للمناسبة، سمة تجمع الغالبية الكاسحة من معارضي آل الأسد، من أية طائفة كانوا- هذا كان خلال فترة حكم الأسد بالذات، من تلا من “أضراب المعارضين” لحكم آل الأسد، المدعين المعارضة بعد هروب الأسد الصغير، لا شأن لهم بهذا.
لا أعرف مردّ هذه السمة للحقيقة، ولكن جميع أولئك المعارضين، من أية طائفة أو عرق كانوا، كانوا يتسمون بذلك الذكاء، الفطري في أحيان كثيرة، ما يجعلهم رافضين، ولو لشبهة إهانة لذلك الذكاء بالذات. خصوصاً إن أتت تلك الإهانة من ديكتاتور، أبرز صفة يتمتع بها، ليمارس كل هذا القهر على الناس، هي أنه كائن في غاية الغباء، المصادفة وحدها مكّنته، فتمسك بها كما يتمسك كلب مسعور بعظمة.
لم تكن تلك المعارضة تقتصر على ياسر وحده بالتأكيد، ولكن الأخير كان استثناء لا بد من أن يلفت الانتباه، ليس إلى ولد مدلل تنازل عن امتيازه ليكون بين صفوف الناس البسطاء، بل إلى من بدأ بخدش ذلك الحاجز الذي يفصلـ… “هم”… عنا.. “نحن”. ربما لهذا السبب كان الانتقام منه هو بالذات أشد شراسة من غيره.
ما الذي دفع ياسر الى التمرد على وضعية هي في النهاية لصالحه؟! هل هو نبي مثلًا؟! أو شخص غريب الأطوار؟! بالنسبة الى من عرفوا ياسر، وعايشوه طيلة فترة نشوئه في الحي الذي لا يعرف لنفسه مكاناً طبيعياً للعيش فيه سواه، فإن وجود ياسر لا يطرح عليهم أياً من تلك الأسئلة أعلاه… إنه ببساطة واحد منهم، خصوصاً إن بدأت العلاقة بينهم منذ كانوا أطفالاً يلعبون في الشارع نفسه.
نعم، تلك العلاقة، قد لا تنجو من تحديات سيفرضها المحيط على جميع أطرافها. تحديات، في حالة سوريا الأسد، من النوع المدمر، للعلاقة ولأطرافها معاً، لا سيما إن كان أحد الأطراف هو ذلك “العلوي” الذي يجب أن يبقى مرهوب الجانب. ولكن مع ياسر، وغيره كثر، كان لا بد من تجاوز تلك “التحديات” باتجاه فهم أعمق لطبيعة التربية التي تلقاها في المنزل، وعلى يدي أبيه… أبو فرقد؟!
لكن، ليس بإمكان شخص خرج من ذلك البيت إلا أن يكون إما انتهازياً، مستفيداً من سطوة نظام، لرصيد شخصي ومالي له، كائناً ما كان حجمه، لصالحه وصالح أفراد أسرته؛ أو وحشاً كاسراً، يمتهن نهب أرواح البشر، وممتلكاتهم، وبشكل في غاية التوحش، وبصفته جزءاً من الماكينة الأمنية العسكرية للنظام… لمَ، من بين كل هذه الاحتمالات، نجد أنفسنا أمام الاحتمال الغريب كلياً الذي يطرحه ياسر أمام الجميع؟!
هنا، ولنفهم حقيقة ما حدث مع ياسر، لا بد أن نعترف بأن أبا فرقد لم يكن شخصاً واحداً، كان أشخاصاً عدة. ما عرفنا، أو ما تمكنا من رؤية، سوى نسخة واحدة منه، وسط الحصار الذي فرضه علينا آل الأسد وكلابهم المسعورة. هي تلك النسخة، شديدة التهريج، والأذى في آن، التي كانت مفروضة على رؤوسنا جميعاً.
أما نسخة الأب، كبقية الآباء، الحريص على تربية أولاده بأفضل ما يمكنه، فتلك كان يجب ألا تسود، أو لا ترى حتى، وهذا لكي يستمر الديكتاتور بسحق أرواحنا جميعاً.
وحيد نوعه على سطح الكوكب!
قد يقول البعض، لكن ما نسبة “ياسر” بالمقارنة مع كل القساة من أتباع النظام من الطائفة العلوية الذين جلدوا أرواحنا حتى آخر قطرة فيها؟ هنا، ومن خلال الاستناد إلى النسبة، يكون مقتل الجميع، “أقليات” و “أكثريات”. وهنا أيضاً مقتل سوريا كوطن لا يمكن أن يكون لجميع مواطنيه أبداً. إذ عليك أن تحدد “نسبتك” أولاً، لنعرف ما هي حصتك من الوطن… إنه المنطق الأسدي نفسه.
ومع ذلك، التدقيق قليلاً في تلك “النسبة” التي تخص ياسر، يضعنا أمام سؤال آخر: هل كان أبو فرقد، كما عرفناه في أحيائنا، هو العلوي الوحيد على سطح الكوكب؟! إن كان الأمر كذلك، فـ “أبو عمشة” بدوره هو السني الوحيد، و “سيادة العميد الركن عصام زهر الدين” الدرزي الوحيد.. و… يمكن أن تعدد أسماء مشابهة، على كامل طوائف سوريا ودياناتها وأعراقها… وما بعد، بعد، سوريا.. لنصل إلى نتيجة مفادها أنه إن كان أولئك المذكورون أعلاه هم الوحيدين من بين طوائفهم، قبائلهم، قومياتهم، أعراقهم، على سطح الكوكب؛ لما بقي هناك كوكب من أصله. كان اختفى، حتى كصخرة جرداء وسط الفضاء، من الوجود كله، بسبب تلك النوعية من “السكان” بالتحديد.
هناك أربعة وخمسون عاماً من الوخم الأسدي المتواصل من دون لحظة رحمة، نعم. ولكن في المقابل، كان البشر يجدون طريقة ليتواصلوا في ما بينهم كبشر. كنا دائماً نستطيع عبور الحواجز الفاصلة لنسرق… لحظة صدق مع صديق، جار، زميل، ودود… مساعدة، من جهة الطرفين، في أمر قد يكون في غاية البساطة، ولكنه في النهاية ينقل رسالة لا غنى عنها لمن يريد ألا يعيش معزولاً كوحش… تحية صباحية مفعمة بالود، اطمئنان صادق بعد مرض أو عثرة… أو حتى قبلة… كل هذا كان يحصل، وكان يرينا وجوهاً نعرفها، نألفها، نحبها، ونرتبط بأصحابها أيضاً.
ومع ذلك، كان حضور نظام الأسد طاغياً، حتى في هذه التفاصيل، وكانت هناك تلك اللحظة التي يتراجع فيها كل شيء: العشرة، الجيرة، الحب، التجربة المشتركة، لصالح أمر واحد… الخوف. وهذا الخوف هو من جعل من أبي فرقد، بتوصيفه أعلاه، هو العلوي الوحيد على سطح كوكبنا. تماماً كبقية أقرانه من بقية الطوائف، بالذات القرين السني “الشيخ أبو…”. وهذا بالضبط ما يريد النظام الجديد في دمشق تكريسه، عبر استخدام “الحاجز” نفسه أعلاه: “نحن”، و “هم”… ولو عبر المذبحة. هكذا نوع من الحواجز، في كل الأحوال، لا يعيش بدون مذبحة.
المحير، في أمر “المالكين” الجدد لـ “العقار” السوري، أن انتظارهم “ثمرات” ملكيتهم الجديدة، لن يطول فحسب، بل إنه لن يحصل أبداً. حتى ولو كان على شاكلة وظيفة وهمية براتب منتظم، مهما قل مقداره.
ليس فقط لأن “نسبة” السنة أعلى من تلك “العلوية” بين تعداد السكان، وبتالي فالـ “ثمرات” بحاجة إلى دولة، أثرى من الدولة السورية، وفي ذروة أدائها، بأضعاف مضاعفة. بل أيضاً لأن “الاستثمار” الأسدي لـ “العقار” السوري لم يكن يتم بإباحة الملكية العلوية لكامل مفاصل العقار، وبالتحديد ذلك الجانب المتعلق بمؤسسات الدولة، التي تم تحويلها، أمام أنظارنا على الأقل، إلى “حق طبيعي” لأبناء طائفة الحكم.
هذا “الحق الطبيعي” كان بدوره يقتصر على فئات محددة مسبقاً، وضمن ترتيب يخدم سلطة العائلة بالدرجة الأولى، ويعمق ذلك الشرخ، موحياً للجميع بأن “الملاك” محددون وحصريون ومعروفون، وهذا لم يكن صحيحاً إطلاقاً. يكفي فقط زيارة إلى قرية علوية، في أعالي الجبل، خلال حكم الأسد، ليدرك الزائر أن الأمر لم يكن كذلك أبداً، وطيلة تلك السنوات السوداء. هذا ما لم يفعله غالبية السوريين بالتأكيد، وهذا ما مكنت المصادفة وحدها عدداً قليلاً جداً، من بينهم كاتب هذه السطور، أن يفعلوه، لينفتح المشهد أمامهم، عن بؤس معمم، لا يختلف في أية تفصيلة من تفاصيله، عن ذلك الرازح على صدور الجميع في كل أرجاء سوريا.
كنت أزور المكان بانتظام لعمل سابق في توزيع الكتب، معظم عقد التسعينات من القرن الماضي. أي أن الزيارة لم تكن لمرة واحدة، وبمحض المصادفة وحدها. وهناك رأيت وعرفت الكثير مما هو مألوف بالنسبة إلي في حارتي القديمة في دمشق. الخوف نفسه، وتجاه… أبو فرقد نفسه. وهو ما أراه يتكرر الآن، وفي حيّ القديم نفسه، مع إذكاء الخوف نفسه تجاه… أبو فرقد، أيضاً وأيضاً!
“العلوي الخالد”
قد يبدو ما ذكرته أعلاه، مغلفاً برومانسية مبالغ فيها، للرغبة في مزيد من الإقناع… ربما. خصوصاً وأن كثراً سيسألون: وماذا عن آلاف، عشرات، أو حتى مئات الآلاف، من عقود التوظيف لأبناء تلك الطائفة خلال كامل تلك الحقبة؟ الحق، أننا لا نعرف أرقامًا دقيقة حتى اللحظة. لا نعرف حتى أرقاماً تقديرية.
تماماً كما لا نعرف شيئاً مطلقاً، حتى هذه اللحظة أيضاً، وبعد عام كامل على هروب الأسد الصغير، عن مصير أبسط حقوقنا كأولياء للضحايا: العدالة الانتقالية (بعض “نجوم” المذابح بحق أولادنا، يعملون مع النظام الجديد الآن). كما لا نعرف متى، وأين، وكيف، سنخرج من تلك المرحلة المسماة “انتقالية” بدورها، ويصبح لنا دستور واضح، مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، واضحة وبصلاحيات محددة، كبقية خلق الله في بلادهم.
كل شيء غائم، عائم، غير واضح، ومحاط بالكثير من الكلام الكبير عن مؤامرات. وبالذات تلك التي يحوكها أبو فرقد في… كهف ما مخفي في جبال العلويين. فيه غرفة عمليات معقدة متصلة بموسكو مباشرة، أو ربما تل أبيب (المكان يحدد حسب الترند على السوشال ميديا السورية). ومستودعات أسلحة لم تمس بعد، وآلاف العناصر المدربة الجاهزة للتدخل بإشارة منه. ولديه شاشات تطل على كامل تفاصيل حياتنا، ويقوم بالتدخل باللحظة المناسبة لإعاقة أي مشروع إصلاح، أو بث إشاعة مغرضة، تحضيراً لتمرد مسلح جديد، لتدمير حياتنا، وإعادة حكم المعتوه بشار فوق رقابنا!
حتى بعد إزاحته.. ما زال أبو فرقد هو سيد الرعب في حياتنا. وعندما يحضر، أو يتم استحضاره من النظام الجديد وماكينته الإعلامية، يصمت الجميع توجساً ورهبة. كل هذا للوصول إلى النتيجة نفسها التي أراد نظام الأسد الوصول إليها: ابق هذا الحد الفاصل قائماً، وقسمهم على طرفي هذا الحد، أحياء وأموات. هذه ليست لعبة، إنها قضية حياة أو موت بالنسبة الى كل نظام يريد تأبيد حكمه لهذه البلاد، ولو انتهى الأمر، بعد بضعة عقود، بهروبه ودمارها من جديد.
إقرأوا أيضاً:












