عظام مكسوّة بالجلد، وحفرة تستخدمها لقضاء حاجتها؛ هذا كل ما تبقّى من الفتاة سارة حمدي، ابنة قرية خزام في محافظة قنا في صعيد مصر، بعدما ظلّت لأكثر من عام تعاني من تجويع متعمّد من الأب الذي قرّر الانتقام منها ومن والدتها حتى ماتت جوعاً.
بحسب أقوال الأمّ وأسرتها، انفصلت الأمّ خلعاً عن الأب، الذي كان دائم التعدّي عليها طوال عشر سنوات، عاشت خلالها سارة ما بين والدتها وجدتّها لأمّها، قبل أن يحصل الأب على حضانتها، لتظلّ تحت رحمته منذ كانت في الصف السادس الابتدائي، حيث بدأت فصول المأساة مع منعها من الدراسة بعد عامين فقط، حين كانت في الصف الثاني الإعدادي.
مأساة سارة مع والدها الذي كان دائم التعدّي عليها مريرة، حيث استطاعت الهرب منذ أربع سنوات بعد أن حبسها في غرفة وقيّدها بالسلاسل، وحرّرت محضراً ضدّه، إلا أنها اضطرّت للتنازل عنه وسط ضغط العائلة والمجتمع، ووصمة أنها حبست أباها. وتمّ تحرير محضر بعدم التعرّض لها فقط، لتعود سارة مرّة أخرى إلى الأب الذي عذّبها. ولم يكتفِ الأب بذلك، بل وجّه لها تهماً؛ بحسب خالها، بأنها سرقته، وأنها قامت بتسميم البهائم، كما شكّك في عذريتها.
على مدار 13 شهراً، حُبست سارة في غرفة وهي مقيّدة، ممنوعة من الخروج وحتى من الاستحمام، وحفر لها الأب حفرة في الأرض تقضي فيها حاجتها، مع تقليل كميّات الطعام، قبل أن يمنع عنها الطعام تماماً في الشهر الأخير، ما قضى عليها.
الفصل الأخير من قصّة سارة كان في الوحدة الصحّية في قريتها، حيث حمل الأب جثّتها إلى الوحدة للمطالبة باستخراج تصريح دفن. إلا أن طبيب الوحدة شكّ في وجود شبهة جنائية، لكنّه لم يمتلك الجرأة الكافية للإبلاغ، إنما وجّه الأب القاتل إلى مستشفى قوص، وهناك اشتبه الطبيب في شبهة جنائية بسبب حالة الجثّة، وأقوال الأب إن الفتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، رغم أن مظهرها كان أقرب إلى المسنّين بسبب حالة الهزال الشديدة.
كشف الطبّ الشرعي عن وجود عفونة في البطن نتيجة الجوع الشديد، وكذلك في الرأس، وعلامات هزال وجفاف شديدين، ما أكّد وجود شبهة جنائية.
سارة واحدة من العديد من النساء والفتيات اللواتي يستنجدن بالشرطة في بلاغات ضدّ أسرهن، لكنّهن لا يجدن أيّ متابعة لهذه البلاغات بعد التنازل عنها بفعل الضغط المجتمعي، وتكتفي السلطات بمحضر إداري بعدم التعرّض يُحفظ في اليوم التالي، لتظلّ الضحايا في قبضة الجناة يفعلون بهن ما يشاءون دون حماية.
قبل سبع سنوات، واجهت ملك أبو علي وضعاً مماثلاً بعد أن قرّرت خلع الحجاب الذي أُجبرت عليه منذ كانت طفلة، ورغم أنها كانت في العشرين من عمرها، لم تستطع حماية نفسها من اعتداءات أخيها المتكرّرة.
تقول ملك إنها أُجبرت على الحجاب منذ كانت طفلة، حيث فرضه أخوها الأكبر عليها في الصفّ الأول الإعدادي، لأن والدتها، كما تقول، اعتبرت أني بلغت شرعاً ببلوغي الحيض للمرّة الأولى، وبذلك تُحاسَب على ترك الحجاب، ويُحاسَب أخوها أيضاً باعتباره وليّ أمرها بعد وفاة والدها.
كطفلة، فرحت ملك بالحجاب باعتباره ميزة إضافية لها، كما أنها حصلت بسببه على ثياب جديدة، لكن مع الوقت شعرت بأنها مقيّدة، وأن قرار الحجاب لم ينبع من داخلها. حاولت خلعه بعد عام، لكنّها تعرّضت للضرب من أخيها الذي هدّدها بحرمانها من الدراسة، واستمرّت حتى وصلت إلى الفرقة الأخيرة في الجامعة، وبدأت التدريب في إحدى الشركات، وحينها قرّرت خلع الحجاب باعتبارها راشدة ومسؤولة عن قراراتها.
في اليوم الذي قرّرت فيه ملك الخروج من دون حجاب، لم تستطع أمّها منعها، لكنّها حين عادت إلى البيت، تعرّضت للضرب على يد أخيها الأكبر، ما أحدث إصابات في وجهها وكسراً في ذراعها الأيسر، وتمّت مصادرة كتبها وهاتفها المحمول والكمبيوتر، وحُبست في غرفة صغيرة داخل المنزل تُستخدم لحفظ الأثاث غير المستعمل، وكان مسموحاً لها بالذهاب إلى الحمّام مرّتين في اليوم، وحتى الطعام كانت تحصل عليه داخل الغرفة.
تقول ملك: “كنت أسمع العائلة كلّها تضحك وتعيش حياتها بصورة عادية؛ شقيقي وزوجته التي تعيش في المنزل نفسه ولكن في شقّة منفصلة، وشقيقي الأصغر وأمّي، وكأنني غير موجودة، أو مجرّد قطعة أثاث ضمن القطع غير المستخدمة في الغرفة المحبوسة فيها”.
بعد ثلاثة أيّام، استطاعت ملك استغلال خلوّ المنزل إلا من أمّها التي فتحت لها للذهاب إلى الحمّام، فدفعتها واندفعت إلى الشارع، وحرّرت محضراً ضدّ الأخ تتّهمه فيه بالضرب واحتجازها، في المقابل، حرّرت أمّها ضدّها محضراً بالاعتداء عليها بالضرب.
تحت ضغط ضبّاط القسم، الذين رأوا فيها فتاة مارقة وعاقّة، والتهديد بالاحتجاز بناءً على محضر الأمّ، ووعود من الأقارب والأخ بعدم الاعتداء عليها مرّة أخرى، اضطرّت ملك للتنازل، والعودة إلى المنزل بعد تحرير الأخ تعهّداً بعدم التعرّض لها.
تقول ملك: “كلّ هذه الوعود تبخّرت بمجرّد العودة إلى المنزل، حيث ضربني أخي الأكبر مرّة أخرى، وشارك الأخ الأصغر في ضربي باعتباري جلبت العار للأسرة، بينما نبذتني أمّي تماماً، وتمّ احتجازي مرّة أخرى ولكن في غرفتي، مع توعّد الأخ بتزويجي لأوّل شخص يطلبني دون موافقتي، مع التشكيك في أن لا أحد يرغب في الزواج من فاسقة مثلي”.
إقرأوا أيضاً:
لم تجد ملك حلاً لأزمتها سوى التظاهر بالندم على فعلها وارتداء الحجاب مرّة أخرى لإرضاء الأسرة، وبعد الاعتذار لوالدتها وأخيها، سُمح لها بالعودة إلى الدراسة دون تدريب، وبعد التخرّج، استطاعت الحصول على موافقة الأخ على العمل ولكن بالحجاب، وبمواعيد لا تتجاوز الخامسة مساءً، قبل أن يتقدّم لها زميلها في الدراسة، الذي كان يعرف قصّتها بالكامل، وبعد الزواج، خلعت ملك الحجاب في حماية زوجها، الذي منع شقيقها من الاعتداء عليها بالضرب، إلا أن علاقتها بأسرتها انقطعت تماماً منذ ذلك الحين.
بحسب ملك، لم يحاول القسم التحقّق مرّة أخرى من تنفيذ الأخ لوعوده أو تعهّده بعدم التعرّض لها، وسلّمتها الشرطة لأهلها رغم معرفتهم بما يمكن أن يجري لها، بل إن بعض الضبّاط ورجال الأمن كانوا ينظرون إليها باعتبارها فاسقة ومخطئة تستحقّ تأديب أخيها لها.
“كجمعيات أهلية ليس لنا أي سلطة قانونية، والقرار الأقرب لدى النيابة العامّة هو حفظ البلاغات ما دامت الجريمة أقلّ من القتل”، بهذه العبارة بدأت الحقوقية لمياء لطفي مديرة البرامج في مؤسّسة “المرأة الجديدة” ومنسّقة “مبادرة المرأة الريفية”، حديثها مع “درج”.
تقول لطفي: “حتى الآن لا يوجد قانون موحّد للعنف، وبالتالي فكلّ البلاغات تحتكم إلى قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية، ورغم أنه على المستوى التشريعي تمّ تغليظ العقوبات فيما يخصّ التلويح بالعنف وغيرها، على أرض الواقع فإن أيّ جريمة أقلّ من القتل وإزهاق الروح، سواء ضدّ النساء أو الرجال، يتمّ التعامل معها بعدم اكتراث، حيث إن القرار الأقرب إلى هذا النوع من المحاضر هو الحفظ”.
واستدلّت لطفي بواقعة اعتداء جرت معها شخصياً، للاستيلاء على أرض تخصّ مبادرتها “المرأة الريفية”، حيث فوجئت بحفظ البلاغ رغم وجود شهود وفيديوهات للواقعة وتقرير تحرّيات في صالحها، واضطرّت لخوض معركة قانونية لإعادته من الحفظ، وحين سألت لماذا القرار الأقرب هو الحفظ، قيل لها: “لو تمّ التحقيق في كلّ بلاغ من مواطن ضدّ آخر سنحتاج إلى وزارة عدل أخرى”.
في حالة سارة، هناك ثلاث جهات مسؤولة عن متابعة البلاغ: وحدة العنف ضدّ المرأة في وزارة الداخلية، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، لكن أياً من هذه الجهات لا يوجد بينها تنسيق مع وزارة الداخلية أو النيابة العامّة، كما تقول لطفي.
حالة أخرى ترويها لطفي عن فتاة استغاثت بالمؤسّسة مهدّدة بالانتحار لرغبة والدها في تزويجها وهي قاصر، وأُرسل بلاغ إلى النيابة العامّة عبر خدمة “واتساب”، ما عزّز موقف المؤسّسة في التواصل مع المجلس القومي للمرأة والنيابة العامّة، لكن ما جرى هو أن المجلس القومي استطاع الوصول إلى الفتاة، وأجبر والدها على تحرير تعهّد بعدم التعرّض لها أو تزويجها، وبعد هذه الواقعة اختفت الفتاة تماماً.
ذكاء الفتاة أنقذها للمرّة الثانية، إذ تركت مع صديقة لها أرقام التواصل مع المؤسّسة، واستطاعت الصديقة التواصل لإبلاغهم بأن الفتاة محتجزة. حاولت المؤسّسة تحرير بلاغ باحتجازها دون رغبتها، إلا أن المحامي فوجئ برفض تحرير المحضر باعتبار أنه لا يحمل توكيلاً من الفتاة، وتمّ التلميح له بإمكانية اتّهامه بتحريض الفتاة على الهروب من أهلها لأسباب غير أخلاقية، ما اضطرّه للانسحاب.
تحاول لطفي الاتّصال برقم الفتاة، فتفاجأ بالأمّ تسبّها في الهاتف، وحين قرّرت الذهاب إلى منزل الفتاة، تمّ تحذيرها من المحيطين بها من إمكانية اتّهامها بتحريض الفتاة على الفجور، لكن في النهاية، استطاعوا عبر المجلس القومي للمرأة، استناداً إلى بلاغ الفتاة السابق، الوصول إليها وإنقاذها، لكن ليست كلّ الحالات تحظى بهذه الفرصة.
تضيف لطفي: “للأسف لا يتمّ تصديق الناجيات سواء في أقسام الشرطة أو في المؤسّسات التي من المفترض أن تقدّم لهن الدعم. ففي إحدى الحالات حيث دخلت إلى أحد بيوت المعنّفات، كنت أتابع الحالة، وحين أخبرت القائمين على البيت أنها تعرّضت للاحتجاز مرّتين، الأولى في منزل أهلها، والثانية في مصحّة عقلية، طلبوا أوراقاً تثبت الاحتجاز في المصحّة، وحين أخبرتهم بعدم القدرة على الحصول على هذه الأوراق، تمّ الردّ بأن كلام الفتاة مرسل لا يُعوّل عليه”.
وتوضح أن هذا يحدث أيضاً في أقسام الشرطة، لا سيّما في المناطق الريفية البعيدة عن القاهرة، حيث يُنظر إلى الفتاة باعتبارها مارقة، وكلامها غير مُصدّق.
المحاضر التي تمّ التنازل عنها أو التصالح فيها تُعدّ محاضر مسدّدة لدى الشرطة والنيابة، ولا ضرورة لإعادة فتحها مرّة أخرى، لأنهم، بالتعبير الدارج “ما صدقوا اتقفلت”، وبالتالي فإن متابعتها أمر مستبعد، وحتى محاضر عدم التعرّض يتمّ حفظها إدارياً في اليوم التالي دون أي متابعة، كما تقول لطفي.
وترى لطفي أن الحلّ يكمن في إصدار قانون العنف الموحّد، الذي يضمّ أولاً حماية للمبلّغات والشهود، ويتضمّن أيضاً وجود وحدة للعنف ضدّ المرأة أو العنف الأسري في كلّ قسم ومركز، وليس فقط في المديرية، تتولّى هذه البلاغات، وبذلك يصبح التنسيق بين الجهات المختلفة ومتابعة البلاغات أسهل.
تتفق نسمة الخطيب مؤسِّسة مبادرة “سند” لتقديم الدعم القانوني للنساء، مع لمياء لطفي في أن قضايا العنف الأسري أو العنف ضدّ النساء يتمّ التعامل معها وفق قانون العقوبات، وحتى الآن لا يمكن حصر عدد قضايا العنف ضدّ المرأة لعدم وجود تصنيف، إذ تُدرج ضمن البلاغات التي تضمّ الاتّهام نفسه، مثل الحجز التعسّفي أو جنحة الضرب وغيرها، وبالتالي لا توجد آليّة للمتابعة، سواء من المؤسّسات الوطنية كالمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة، أو من الجمعيّات الأهلية، لغياب آليّة المتابعة.
وتشير الخطيب إلى أن “قانون العنف الموحّد لا يتضمّن آليّة للمتابعة لأنه نصّ تشريعي، وهذه الآليّات يُفترض النصّ عليها في اللائحة التنفيذية للقانون، لا في النصّ التشريعي نفسه”.
لا يمكن الجزم بعدد من يشبهن سارة ممّن استنجدن بالسلطات لحمايتهن، ليجدن أنفسهن مرّة أخرى بين يدي الجلاد. لكن ما يمكن تأكيده هو أنه ما لم يصدر قانون للعنف الموحّد، ولم توجد آليّة لمتابعة أوضاع المبلّغات والعمل بجدّية على تعديل القوانين وثقافة التمييز، ستبقى النساء والفتيات تحت رحمة جلاديهن، ولن تكون سارة هي الأخيرة.
إقرأوا أيضاً:












