في مدينة سورية تُثقلها الأزمات، أقف أمام رفّ صغير في صيدلية، أتردّد للحظة قبل أن أختار كريماً للعناية بالبشرة أو مرطّب شفاه بلون دافئ. أفكّر بأن هذا ليس شراء عابراً، ولا ترفاً فائضاً عن الحاجة، بل فعل صغير يبدو كأنه يرمّم شيئاً غير مرئي في داخلي، كتعب متراكم أو قلق يرافق شعوراً بأن الأشياء تفلت من سيطرتي.
في الأزمات الاقتصادية وسياقات الانهيار، يفترض المنطق الاقتصادي أن ينكمش الاستهلاك إلى حدّه الأدنى. لكن ما يحدث غالباً هو العكس، حيث تزداد الرغبة في اقتناء أشياء بعينها، صغيرة، وشخصية، ومحمّلة بدلالات تتجاوز قيمتها المادّية.
أتساءل وأنا أقف أمام واجهة محلّ يبيع حقائب صغيرة جدّاً تتماشى مع الموضة الرائجة حالياً: لماذا نشتري أكثر حين نفقد أكثر؟ ولماذا تبدو هذه المشتريات تحديداً كأنها تمنحنا شيئاً يشبه النجاة؟
ربما لا يتعلّق الأمر بما نشتريه بقدر ما يتعلّق بما نحاول ترميمه عبر هذا الشراء. ففي عالم يضيق بالخيارات ويُفرّغ الأفعال من معناها، تصبح الأشياء الصغيرة كمستحضرات العناية بالبشرة، أو العطورات، أو أحمر الشفاه، وسائل حميمة لمقاومة شعور أعمق بالعجز.
ليست هذه الأفعال بريئة تماماً، ولا هي سطحية كما تبدو، بل تقع في منطقة رمادية بين الحاجة والوهم، بين محاولة الإمساك بالحياة والانخراط في نظام لا يترك للفرد سوى هامش ضيّق ليشعر بأنه ما زال قادراً على الاختيار.
“أثر أحمر الشفاه” في زمن السوشال ميديا
في هذه المساحة الضيّقة بين الحاجة والوهم، يتغيّر معنى الاستهلاك نفسه، ويتحوّل من فعل يومي عادي إلى استجابة معقّدة لواقع مضطرب. فالحاجة لشراء أشياء شخصية وغير ضرورية في الأزمات الاقتصادية ليست ظاهرة جديدة، فبعد أزمات كبرى مثل الحرب العالمية الثانية، لوحظ ازدهار مبيعات مستحضرات التجميل، في وقت كانت فيه الموارد شحيحة والحياة اليومية مثقلة بالخسارات.
عُرفت هذه الظاهرة باسم “أثر أحمر الشفاه”، حيث يلجأ البعض إلى شراء سلع صغيرة تمنح شعوراً سريعاً بالتحسّن، حتى في أكثر اللحظات قسوة. لم يكن الأمر مجرّد اهتمام بالمظهر، بل محاولة لاستعادة إحساس بالقيمة والذات في عالم فقد توازنه.
اليوم، لم يعد هذا النمط من الاستهلاك ينشأ فقط كاستجابة فردية للأزمات التي تحيط بمنطقتنا العربية، بل يُعاد إنتاجه وتكثيفه عبر خطاب يومي تقوده وسائل التواصل الاجتماعي، ويستهدف النساء بشكل خاصّ.
في قلب هذا الخطاب، تقف حسابات “الإنفلونسرز” التي لا تكتفي بعرض المنتجات وتسويقها، بل تعيد تعريف ما يُعتبر ضرورياً في حياة النساء مثلاً. في سياقات الحرب أو الانهيار الاقتصادي، لا يختفي هذا الخطاب، بل يتكيّف معها عن طريق الترويج لروتينات عناية “رغم كلّ شيء”، نصائح للحفاظ على “الإشراقة” وسط الدمار، وتأكيد مستمرّ أن العناية بالذات ليست رفاهية بل واجب شخصي.
لكنّ هذا الخطاب، الذي يبدو في ظاهره داعماً أو حتى تمكينياً، يحمل في داخله إشكالية أعمق. فهو لا يكتفي بالاستجابة لحاجة موجودة، بل يساهم في إنتاجها، عبر إعادة توجيه القلق نحو الجسد والمظهر بدلاً من أسبابه البنيوية.
هكذا، تُعاد صياغة الأزمة بلغة فردية، فبدلاً من أن تكون مسألة عنف، أو إقصاء، أو فقدان سيطرة، تصبح مسألة “كيف تعتنين بنفسك رغم كلّ شيء”. في هذه العمليّة، لا يُلغى الألم، بل يُعاد تغليفه وتسويقه، ويُدفع بالأفراد—خصوصاً النساء—نحو استهلاك يبدو وكأنه خيار، بينما هو في كثير من الأحيان استجابة مُدارة ضمن منظومة أوسع تعيد إنتاج نفس القيود، التي تحاول التخفيف منها.
من الاغتراب إلى الاستهلاك
يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال مفهوم الاغتراب، لكن خارج سياقه الكلاسيكي المرتبط بالعمل فقط. فالاغتراب هنا لا يقتصر على انفصال الإنسان عن نتاج عمله، بل يمتدّ ليشمل انفصاله عن قدرته على الفعل والتأثير في واقعه.
في لحظات الاستعصاء، حين يُغلق الأفق السياسي وتُستنزف الطاقة النفسية، يتحوّل هذا الاغتراب إلى حالة يومية مقترنة بشعور بأن ما يحدث أكبر من القدرة على التدخّل، وأن الفرد محكوم بقوى لا يملك إزاءها سوى التكيّف. في هذا السياق، يصبح الاستهلاك أكثر من مجرّد سلوك، بل شكلاً بديلاً للفعل؛ طريقة لإنتاج إحساس محدود بالسيطرة، حين تصبح السيطرة الفعلية مستحيلة. كأن الاستهلاك هنا، يحلّ محلّ القدرة على التغيير، ويقدّم وهماً صغيراً بالفعل في عالم سُحبت منه إمكانية الفعل الحقيقي.
في أغلب الأحيان، لا يكون الاستهلاك في زمن الأزمات مجرّد تفصيل هامشي أو سلوك عابر، بل كعرض مستمرّ لحالة اغتراب أعمق تتجدّد بأشكال مختلفة.
من “أثر أحمر الشفاه” بعد الحروب، إلى خطابات العناية بالذات التي تملأ شاشات هواتفنا اليوم، يتكرّر النمط نفسه متجلّياً بتحويل القلق إلى حاجة، والحاجة إلى منتج، والمنتج إلى وهم مؤقّت بالسيطرة. هنا، لا تعمل وسائل التواصل الاجتماعي فقط كمرآة تعكس هذه الديناميكيات، بل كأداة فاعلة في إعادة إنتاجها، عبر تقديم الاستهلاك بوصفه استجابة طبيعية وضرورية لعالم يضيق باستمرار.
بهذا المعنى، لا ينفصل ما يفعله “الإنفلونسرز” عن منطق الاغتراب بل يشكّل امتداده المعاصر، حيث لا يُفصل الإنسان فقط عن عمله أو واقعه، بل أيضاً عن إدراكه لما يحتاجه فعلاً. في هذا الفراغ، تستمرّ الرغبات في التدفّق، لكن دون أن تفتح أفقاً حقيقياً للفعل أو التغيير. وبينما تبدو هذه الأفعال الصغيرة كشراء منتج، أو اتّباع روتين معيّن للعناية بالبشرة كأنها محاولات فردية للتماسك، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن حدود هذا التماسك، وعن عالم يُعاد فيه إنتاج العجز، لا رغم هذه الأفعال، بل من خلالها أحياناً.
الاستهلاك كأداة ضبط للنساء في سوريا
في السياق السوري، لا يمكن فصل هذه العادات الاستهلاكية عن الطريقة التي يُعاد فيها تنظيم المجال الاجتماعي. فحين تتقلّص إمكانيات المشاركة السياسية، وخاصّة بالنسبة إلى النساء، ويُعاد تعريف أدوارهن ضمن حدود أكثر ضيقاً، لا يُقصى حضورهن فقط من المجال العامّ، بل يُعاد توجيهه نحو مساحات بديلة تُقدَّم بوصفها طبيعية أو حتى مرغوبة. هنا، لا يظهر الاستهلاك كخيار فردي بقدر ما يصبح جزءاً من هذا التنظيم، حيث يُعاد تشكيل حضور النساء ضمن ما هو قابل للمراقبة، كالجسد، والمظهر، والتفاصيل اليومية.
في هذا الإطار، لا يقتصر الأمر على إعادة توجيه النساء نحو الاستهلاك، بل يتعدّاه إلى تنظيم هذا الاستهلاك نفسه عبر قوانين مباشرة، كمنع الموظّفات في الدوائر الرسمية في مدينة اللاذقية من وضع المكياج، أو عبر أنماط أكثر نعومة تتسلّل إلى الحياة اليومية وتعيد تشكيل ما يبدو عادياً.
فنرى مثلاً ظهور دوريات رقابية نسائية تستهدف المحلّات التي تقدّم منتجات موجّهة للنساء في دمشق، تحت عناوين مثل “حماية المستهلك” أو “ضبط الأسواق”، ما يكشف عن مستوى آخر من التدخّل في تفاصيل الحياة اليومية. هنا، لا يعود الجسد فقط مساحة يُعاد توجيه النساء إليها، بل يصبح أيضاً موضوعاً للمراقبة والتنظيم، من حيث ما يُعرض له، وما يُسمح باستهلاكه، وكيفية تقديمه في الفضاء العامّ.
بهذا المعنى، يتجاوز الاستهلاك في السياق السوري كونه استجابة لرغبة أو حتى تعويضاً عن العجز، ليصبح جزءاً من آليّات أوسع. فبين الدفع نحو أنماط محدّدة من الظهور، والتدخّل في ما يُعرض ويُستهلك داخل المساحات “المخصّصة” للنساء، أي ترسيخ الفصل بين الجنسين حتى على مستوى الرقابة على الأسعار، ومن يقوم بالبيع، إذ سبق أن صدر تعميم في مدينة التلّ يشير إلى وجود امرأة تبيع في الأماكن النسائية لا رجل!
أما أنا، فحين أعود إلى تلك اللحظة أمام رفوف الصيدلية، لا يبدو كلّ هذا التحليل حاضراً. ما يبقى هو ذلك التردّد والحاجة إلى اختيار شيء صغير يمكن الإمساك به وسط واقع يتسلّل من بين يديّ باستمرار. أمدّ يديّ، أختار، وأدفع، كأنني أستعيد، ولو بشكل عابر، إحساساً محدوداً بأنني ما زلت قادرة على اتّخاذ قرار في حياة تُضبط تفاصيلها أكثر فأكثر.
في سياق تُعاد فيه صياغة أدوار النساء وحدود حضورهنّ يومياً، لا يعود هذا الفعل معزولاً كما يبدو. فبين ما يُمنع وما يُتاح، وبين ما يُقصى وما يُعاد توجيهه، تتشكّل اختياراتنا داخل هامش ضيّق لا نراه دائماً بوضوح. هنا، لا يكون السؤال فقط عمّا نشتريه، بل عمّا بقي لنا لنختاره أصلاً.
إقرأوا أيضاً:










