ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أجساد النساء في سوريا: “هندسة المجتمع” تعميماً بعد تعميم!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هندسة المجتمع لا تبدأ بتغيير الدستور أو إصدار قانون شامل، بل بتعميم صغير، أو تعريف إداري لكلمة «الاحتشام»، أو بحدود جديدة ترسم تدريجياً بين المقبول والمرفوض، ثم يطلب من الجميع أن يعتادوا عليها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في كل مرّة يصدر فيها تعميم أو قرار عن إحدى الدوائر في سوريا لتقييد حرّية النساء، أو تحديد كيف يلبسن أو كيف يظهرن في المجال العامّ، يخرج من يقول: ليست هذه أولوياتنا، هناك قضايا أكبر، البلد أمام تحدّيات أخطر، ولا داعي لتضخيم الأمور!

من المؤسف أن هذا الكلام، يتردّد على ألسنة كثيرين بوصفه “منطقياً” في بلد كسوريا، خرج من حرب مدمّرة مثقلاً بالفقر والانقسام والدمار وتحدّيات بناء الدولة، التي يتحكّم بالقرار فيها سلطة تاريخها في التعامل مع النساء واضح لا لبس فيه، لكنّ الإشكاليّ في هكذا خطاب، هو فصل قضايا النساء عن القضايا الأخرى وكأنها غير مهمّة أو هامشية، فصل تتبنّاه أحياناً نساء أو جماعات ترى أن الوجود ضمن السلطة أهمّ من التفاوض معها أو مواجهتها .

والمشكلة الأخرى، هي التعامل مع الحرّيات بوصفها قرارات رسمية أو “مكرمة” من السلطة، في تجاهل بأن الهيمنة والضبط المجتمعي يبدآن بخطوات صغيرة، تبدو كل واحدة منها، منفردة، غير جديرة بمعركة كبرى، ثم تتراكم “التعميمات”، ويتحوّل ما كان استثناء إلى قاعدة، وما كان مرفوضاً إلى أمر اعتيادي.

من يحدد لباس النساء؟

من هنا يستحقّ التعميم الأخير الصادر عن الهيئة العامّة للثروة السمكية والأحياء المائية أكثر من مجرّد سجال حول لباس الموظّفات، فالتعميم، الذي أكّدت وزارة الزراعة صحّته لاحقاً، طالب العاملات الدائمات والمؤقّتات والموسميات بالالتزام بما سماّه «اللباس المحتشم والرسمي واللائق بالوظيفة العامّة».

 لكن الأمر لم يتوقّف عند هذا الوصف العامّ، إذ حدّد التعميم معنى اللباس المحتشم بأنه اللباس الذي يستر جميع أجزاء الجسم، بحيث لا يظهر منه سوى الوجه والكفّين، كما كلّف المسؤولين بمتابعة التنفيذ، وأوكل إلى الرقابة الداخلية مراقبة الالتزام وتنظيم التقارير بحقّ المخالفات. 

وبعد الجدل الذي أثاره، أعلنت الوزارة إحالته إلى الجهات القانونية والإدارية لمراجعته والتحقّق من توافقه مع القوانين وحقوق العاملين وكرامتهم.

الإشكالية ليست في كلمة «الاحتشام»، ولا في الحجاب بحدّ ذاته؛ فالحجاب حقّ للمرأة التي تؤمن به وتختاره، كما أن عدم ارتدائه حقّ للمرأة التي لا تختاره. ولا معنى للدفاع عن حرّية النساء إذا كان المقصود استبدال وصاية بوصاية أخرى.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل المسألة من الاختيار الشخصي إلى الإلزام المؤسّسي، وعندما تمنح جهة حكومية نفسها حقّ تحديد أيّ أجزاء من جسد المرأة يجوز أن تظهر وأيها يجب أن يغطّى، ثم تضع جهازاً إدارياً لمراقبة الالتزام بذلك.

هنا نغادر النقاش حول اللباس وندخل مباشرة في الأيديولوجيا والسياسة لنطرح سؤالاً: من يملك حقّ تقرير كيف تعيش النساء والرجال، وكيف يلبسون، وكيف يظهرون في المجال العامّ؟ وأين تنتهي صلاحية الدولة وتبدأ الحرّية الشخصية؟

هذا السؤال يصبح أكثر أهمّية في سوريا اليوم، لأن البلاد لا تعيش مجرّد انتقال من حكومة إلى أخرى، بل لحظة يعاد فيها تعريف سلطة الدولة والعلاقة المجتمع بعد أكثر من نصف قرن من حكم الأسد. وفي مثل هذه المراحل لا يعاد تشكيل المؤسّسات السياسية فقط، بل تبدأ معركة أعمق حول شكل المجتمع نفسه: ما المقبول وما المرفوض؟ من يحدّد الأخلاق العامّة؟ وأيّ نمط من الحياة سيعتبر طبيعياً وأيّ نمط سيعامل باعتباره انحرافاً عنه؟وغالباً ما تكون النساء أوّل ساحة تظهر عليها هذه التحوّلات.

فالمرأة أكثر من غيرها تتحوّل في المشاريع الأيديولوجية إلى محطّ صراع سياسي وأحياناً عنف السلطة نفسها، لباسها يصبح دليلاً على أخلاق المجتمع، شعرها علامة على هوّيته، صورتها في المجال العامّ موضوعاً للنقاش، واختلاطها بالرجال أو طريقة حضورها في العمل والتعليم والفنّ شأناً عامّاً يعتقد الآخرون والسلطة أن لهم حقّ تنظيمه، فـ”ضبط” جسد المرأة ليس دائماً مسألة دينية أو أخلاقية بل يمكن أن أداة لإعادة تعريف المجتمع نفسه.

منذ أيّام، مثلاً، أثار إعلان لمؤتمر حول تطوير طبّ حديثي الولادة في مدينة حماة جدلاً بعدما ظهرت الطبيبات المشاركات برسوم كرتونية بدلاً من صورهن الحقيقية، سرعان ما ظهرت مخاوف من أن يكون الأمر تعبيراً عن توجّه لإخفاء صور النساء. لكنّ مصدراً في نقابة أطبّاء حماة أوضح أن استخدام الرسوم جاء بناء على طلب الطبيبات أنفسهن، وأن النقابة احترمت رغبتهن.

وهذا “التوضيح” يجب أن يؤخذ بجدّية،  فإذا كان الدفاع عن الحرّية مبدأ، فإن حقّ الطبيبة في ألا تنشر صورتها لا يقلّ عن حقّ طبيبة أخرى في نشر صورتها. ولا يجوز تحويل اختيار شخصي إلى دليل على سياسة رسمية من دون بيّنة.

لكنّ الواقعة، مع ذلك، تكشف حساسية اللحظة السورية الراهنة. مجرّد ظهور إعلان كهذا كان كافياً لإثارة المخاوف والتساؤلات. وهذا لا يثبت وجود سياسة حكومية لإخفاء النساء، لكنّه مؤشّر يضاف إلى سلسلة التعميمات السابقة، ويكشف وجود قلق اجتماعي حقيقي من الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه العلاقة بين السلطة والدين والحرّيات الشخصية، ناهيك بأنه يعكس الغبن الذي تشعر به الكثير من النساء، وحصر ظهورهم ضمن منطق “التمثيل” المحدود، لا الفاعلية السياسية، والذي اتّضح في وقفة في حلب قامت بها نساء احتجاجاً على ضعف تمثيل النساء في مجلس الشعب المُعيّن من قِبل السلطة.

هندسة المجتمع عبر أجساد النساء

وهنا يجب أن نكون دقيقين؛ ليس لدينا ما يكفي للقول إن هناك غرفة مغلقة وضعت خطّة مركزية بعنوان «إعادة هندسة المجتمع السوري»، كما أن كل ممارسة اجتماعية محافظة لا يمكن نسبها تلقائياً إلى السلطة. والمجتمع السوري كان، قبل السلطة الحالية بوقت طويل، مجتمعاً متعدّد الاتجاهات، فيه المحافظ والمتديّن والعلماني، وفيه المحجّبة وغير المحجّبة، ولا يمكن اختزال كل تحوّل اجتماعي في قرار سياسي صادر من الأعلى. لكنّ إعادة هندسة المجتمعات لا تحتاج دائماً إلى قرار مركزي.

لكنّ هذه “الهندسة” تحدّث بطريقة أكثر تعقيداً: مسؤول محلّي يصدر تعميماً لأنه يعتقد أن هذا ما يناسب «المرحلة الجديدة»، ومدير مؤسّسة يفرض تصوره الخاصّ للاحتشام، وداعية يطلق حملة مليونية لتوزيع «اللباس الشرعي»، ومجموعة اجتماعية تمارس ضغطاً على النساء، ثم تأتي أصوات تبرّر كل واقعة منفردة باعتبارها حادثة صغيرة لا تستحقّ الاعتراض.

الجانب الآخر لهذه “الهندسة” هو تصدير نساء بوصفهن ممثّلات عن مكوّنات بكاملها، كنماذج لـ”إشراك” النساء في السياسة العامّة، مفهوم “النموذج” يكرّس أن التمثيل يتمّ  بصورة  فردية، لا يمسّ “كلّ” النساء، بل يختزلهن بامرأة واحدة تتحوّل إلى شكل من أشكال الاستعراض لا الفاعلية ضمن مؤسّسات الدولة نفسها.

لا تكمن الخطورة هنا بالضرورة في وجود أمر مركزي، بل في نشوء مناخ يسمح بتحويل تصور أيديولوجي واحد للمجتمع إلى معيار عامّ. وهذا ربما أخطر من القرار نفسه، لأن القرار يمكن إلغاؤه، كما يمكن مراجعة التعميم أو تعديله. لكن حين تتغيّر الحدود الاجتماعية لما يعتبر مقبولاً، يصبح التراجع أصعب. يبدأ الناس بمراقبة بعضهم بعضاً، ويتحوّل الضغط من سلطة الدولة وحدها إلى سلطة المجتمع، ويصبح المختلف مطالباً في كل مرّة بأن يبرّر اختلافه. 

ولهذا فإن قضيّة حقوق النساء ليست قضيّة هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار. فطريقة تعامل أيّ سلطة مع النساء هي أحد الاختبارات المبكرة لطبيعة تصوّرها للمواطنة، هل المواطن فرد يمتلك حقوقاً وحرّيات أصلية لا تمنحها له الدولة، أم أنه موضوع ينبغي على السلطة أن تعيد تشكيله وفقاً لتصوّرها عن المجتمع الصالح؟

هذا السؤال لا يخصّ النساء وحدهن. فالسلطة التي تعتبر من حقّها تحديد مقدار ما يجوز أن يظهر من جسد موظّفة، يمكنها، بالمنطق نفسه، أن تحدّد شكل شعر الرجل ولحيته، وما يجوز للفنّان أن يعرضه، وما يستطيع الكاتب أن يكتبه، وكيف يحتفل الناس، وماذا يدرسون، وما الذي يعتبر «لائقاً» أو «غير لائق» في حياتهم الخاصّة والعامّة، الوصاية لا تتوقّف عادة عند الفئة التي بدأت بها.

الدفاع عن حقّ المرأة في اختيار لباسها ليس معركة ضدّ الحجاب، كما يحاول البعض تصويرها. على العكس تماماً: إنه دفاع عن المحجّبة وغير المحجّبة معاً. عن حقّ الأولى في ألّا يجبرها أحد على خلعه، وحقّ الثانية في ألّا تُجبر على ارتدائه. إنه دفاع عن مبدأ بسيط: الدولة ليست وصيّاً أخلاقياً على أجساد مواطنيها.

هل نستبدل وصاية بأخرى ؟

سوريا التي خرجت من نظام استبدادي حكم تفاصيل السياسة والمجتمع لعقود، ليست بحاجة إلى استبدال شكل من الوصاية بشكل آخر، إذ رفضت قوى اسلامية وعلمانية ممارسات النظام السابق عندما كان يُخلع حجاب فتيات المدارس عنوة، والعدالة والمنطق تقتضيان رفض تحجيب المرأة أيضاً عنوة في ظلّ النظام الجديد لأن كليهما في هذه الحالة ينتهك حقّ المرأة في تقرير شكل جسدها وسيادتها عليه.

 سقوط الأسد لا ينبغي أن يعني فقط تغيير أسماء الحكام والشعارات، بل إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والفرد، بحيث تصبح الدولة حامية للتعدّد لا أداة لفرض نموذج واحد للحياة. ومن هنا لا ينبغي التعامل مع تعميم لباس العاملات باعتباره حادثة صغيرة، ولا ينبغي في المقابل تضخيم كل واقعة أو إشاعة وتحويلها إلى دليل على مشروع لا نملك أدلّة كافية على وجوده.

المطلوب أصعب من ذلك: أن نراقب الاتجاه، أن نسأل عند كل قرار: هل يوسّع مساحة الحرّية أم يضيّقها؟ هل يحمي الاختلاف أم يفرض نموذجاً واحداً؟ هل يعامل السوريين بوصفهم مواطنين أحراراً، أم أفراداً يحتاجون إلى من يقرّر نيابة عنهم كيف ينبغي أن يعيشوا؟

هندسة المجتمع لا تبدأ بتغيير الدستور أو إصدار قانون شامل، بل بتعميم صغير، أو تعريف إداري لكلمة «الاحتشام»، أو بحدود جديدة ترسم تدريجياً بين المقبول والمرفوض، ثم يطلب من الجميع أن يعتادوا عليها.

في كل مرّة يصدر فيها تعميم أو قرار عن إحدى الدوائر في سوريا لتقييد حرّية النساء، أو تحديد كيف يلبسن أو كيف يظهرن في المجال العامّ، يخرج من يقول: ليست هذه أولوياتنا، هناك قضايا أكبر، البلد أمام تحدّيات أخطر، ولا داعي لتضخيم الأمور!

من المؤسف أن هذا الكلام، يتردّد على ألسنة كثيرين بوصفه “منطقياً” في بلد كسوريا، خرج من حرب مدمّرة مثقلاً بالفقر والانقسام والدمار وتحدّيات بناء الدولة، التي يتحكّم بالقرار فيها سلطة تاريخها في التعامل مع النساء واضح لا لبس فيه، لكنّ الإشكاليّ في هكذا خطاب، هو فصل قضايا النساء عن القضايا الأخرى وكأنها غير مهمّة أو هامشية، فصل تتبنّاه أحياناً نساء أو جماعات ترى أن الوجود ضمن السلطة أهمّ من التفاوض معها أو مواجهتها .

والمشكلة الأخرى، هي التعامل مع الحرّيات بوصفها قرارات رسمية أو “مكرمة” من السلطة، في تجاهل بأن الهيمنة والضبط المجتمعي يبدآن بخطوات صغيرة، تبدو كل واحدة منها، منفردة، غير جديرة بمعركة كبرى، ثم تتراكم “التعميمات”، ويتحوّل ما كان استثناء إلى قاعدة، وما كان مرفوضاً إلى أمر اعتيادي.

من يحدد لباس النساء؟

من هنا يستحقّ التعميم الأخير الصادر عن الهيئة العامّة للثروة السمكية والأحياء المائية أكثر من مجرّد سجال حول لباس الموظّفات، فالتعميم، الذي أكّدت وزارة الزراعة صحّته لاحقاً، طالب العاملات الدائمات والمؤقّتات والموسميات بالالتزام بما سماّه «اللباس المحتشم والرسمي واللائق بالوظيفة العامّة».

 لكن الأمر لم يتوقّف عند هذا الوصف العامّ، إذ حدّد التعميم معنى اللباس المحتشم بأنه اللباس الذي يستر جميع أجزاء الجسم، بحيث لا يظهر منه سوى الوجه والكفّين، كما كلّف المسؤولين بمتابعة التنفيذ، وأوكل إلى الرقابة الداخلية مراقبة الالتزام وتنظيم التقارير بحقّ المخالفات. 

وبعد الجدل الذي أثاره، أعلنت الوزارة إحالته إلى الجهات القانونية والإدارية لمراجعته والتحقّق من توافقه مع القوانين وحقوق العاملين وكرامتهم.

الإشكالية ليست في كلمة «الاحتشام»، ولا في الحجاب بحدّ ذاته؛ فالحجاب حقّ للمرأة التي تؤمن به وتختاره، كما أن عدم ارتدائه حقّ للمرأة التي لا تختاره. ولا معنى للدفاع عن حرّية النساء إذا كان المقصود استبدال وصاية بوصاية أخرى.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل المسألة من الاختيار الشخصي إلى الإلزام المؤسّسي، وعندما تمنح جهة حكومية نفسها حقّ تحديد أيّ أجزاء من جسد المرأة يجوز أن تظهر وأيها يجب أن يغطّى، ثم تضع جهازاً إدارياً لمراقبة الالتزام بذلك.

هنا نغادر النقاش حول اللباس وندخل مباشرة في الأيديولوجيا والسياسة لنطرح سؤالاً: من يملك حقّ تقرير كيف تعيش النساء والرجال، وكيف يلبسون، وكيف يظهرون في المجال العامّ؟ وأين تنتهي صلاحية الدولة وتبدأ الحرّية الشخصية؟

هذا السؤال يصبح أكثر أهمّية في سوريا اليوم، لأن البلاد لا تعيش مجرّد انتقال من حكومة إلى أخرى، بل لحظة يعاد فيها تعريف سلطة الدولة والعلاقة المجتمع بعد أكثر من نصف قرن من حكم الأسد. وفي مثل هذه المراحل لا يعاد تشكيل المؤسّسات السياسية فقط، بل تبدأ معركة أعمق حول شكل المجتمع نفسه: ما المقبول وما المرفوض؟ من يحدّد الأخلاق العامّة؟ وأيّ نمط من الحياة سيعتبر طبيعياً وأيّ نمط سيعامل باعتباره انحرافاً عنه؟وغالباً ما تكون النساء أوّل ساحة تظهر عليها هذه التحوّلات.

فالمرأة أكثر من غيرها تتحوّل في المشاريع الأيديولوجية إلى محطّ صراع سياسي وأحياناً عنف السلطة نفسها، لباسها يصبح دليلاً على أخلاق المجتمع، شعرها علامة على هوّيته، صورتها في المجال العامّ موضوعاً للنقاش، واختلاطها بالرجال أو طريقة حضورها في العمل والتعليم والفنّ شأناً عامّاً يعتقد الآخرون والسلطة أن لهم حقّ تنظيمه، فـ”ضبط” جسد المرأة ليس دائماً مسألة دينية أو أخلاقية بل يمكن أن أداة لإعادة تعريف المجتمع نفسه.

منذ أيّام، مثلاً، أثار إعلان لمؤتمر حول تطوير طبّ حديثي الولادة في مدينة حماة جدلاً بعدما ظهرت الطبيبات المشاركات برسوم كرتونية بدلاً من صورهن الحقيقية، سرعان ما ظهرت مخاوف من أن يكون الأمر تعبيراً عن توجّه لإخفاء صور النساء. لكنّ مصدراً في نقابة أطبّاء حماة أوضح أن استخدام الرسوم جاء بناء على طلب الطبيبات أنفسهن، وأن النقابة احترمت رغبتهن.

وهذا “التوضيح” يجب أن يؤخذ بجدّية،  فإذا كان الدفاع عن الحرّية مبدأ، فإن حقّ الطبيبة في ألا تنشر صورتها لا يقلّ عن حقّ طبيبة أخرى في نشر صورتها. ولا يجوز تحويل اختيار شخصي إلى دليل على سياسة رسمية من دون بيّنة.

لكنّ الواقعة، مع ذلك، تكشف حساسية اللحظة السورية الراهنة. مجرّد ظهور إعلان كهذا كان كافياً لإثارة المخاوف والتساؤلات. وهذا لا يثبت وجود سياسة حكومية لإخفاء النساء، لكنّه مؤشّر يضاف إلى سلسلة التعميمات السابقة، ويكشف وجود قلق اجتماعي حقيقي من الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه العلاقة بين السلطة والدين والحرّيات الشخصية، ناهيك بأنه يعكس الغبن الذي تشعر به الكثير من النساء، وحصر ظهورهم ضمن منطق “التمثيل” المحدود، لا الفاعلية السياسية، والذي اتّضح في وقفة في حلب قامت بها نساء احتجاجاً على ضعف تمثيل النساء في مجلس الشعب المُعيّن من قِبل السلطة.

هندسة المجتمع عبر أجساد النساء

وهنا يجب أن نكون دقيقين؛ ليس لدينا ما يكفي للقول إن هناك غرفة مغلقة وضعت خطّة مركزية بعنوان «إعادة هندسة المجتمع السوري»، كما أن كل ممارسة اجتماعية محافظة لا يمكن نسبها تلقائياً إلى السلطة. والمجتمع السوري كان، قبل السلطة الحالية بوقت طويل، مجتمعاً متعدّد الاتجاهات، فيه المحافظ والمتديّن والعلماني، وفيه المحجّبة وغير المحجّبة، ولا يمكن اختزال كل تحوّل اجتماعي في قرار سياسي صادر من الأعلى. لكنّ إعادة هندسة المجتمعات لا تحتاج دائماً إلى قرار مركزي.

لكنّ هذه “الهندسة” تحدّث بطريقة أكثر تعقيداً: مسؤول محلّي يصدر تعميماً لأنه يعتقد أن هذا ما يناسب «المرحلة الجديدة»، ومدير مؤسّسة يفرض تصوره الخاصّ للاحتشام، وداعية يطلق حملة مليونية لتوزيع «اللباس الشرعي»، ومجموعة اجتماعية تمارس ضغطاً على النساء، ثم تأتي أصوات تبرّر كل واقعة منفردة باعتبارها حادثة صغيرة لا تستحقّ الاعتراض.

الجانب الآخر لهذه “الهندسة” هو تصدير نساء بوصفهن ممثّلات عن مكوّنات بكاملها، كنماذج لـ”إشراك” النساء في السياسة العامّة، مفهوم “النموذج” يكرّس أن التمثيل يتمّ  بصورة  فردية، لا يمسّ “كلّ” النساء، بل يختزلهن بامرأة واحدة تتحوّل إلى شكل من أشكال الاستعراض لا الفاعلية ضمن مؤسّسات الدولة نفسها.

لا تكمن الخطورة هنا بالضرورة في وجود أمر مركزي، بل في نشوء مناخ يسمح بتحويل تصور أيديولوجي واحد للمجتمع إلى معيار عامّ. وهذا ربما أخطر من القرار نفسه، لأن القرار يمكن إلغاؤه، كما يمكن مراجعة التعميم أو تعديله. لكن حين تتغيّر الحدود الاجتماعية لما يعتبر مقبولاً، يصبح التراجع أصعب. يبدأ الناس بمراقبة بعضهم بعضاً، ويتحوّل الضغط من سلطة الدولة وحدها إلى سلطة المجتمع، ويصبح المختلف مطالباً في كل مرّة بأن يبرّر اختلافه. 

ولهذا فإن قضيّة حقوق النساء ليست قضيّة هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار. فطريقة تعامل أيّ سلطة مع النساء هي أحد الاختبارات المبكرة لطبيعة تصوّرها للمواطنة، هل المواطن فرد يمتلك حقوقاً وحرّيات أصلية لا تمنحها له الدولة، أم أنه موضوع ينبغي على السلطة أن تعيد تشكيله وفقاً لتصوّرها عن المجتمع الصالح؟

هذا السؤال لا يخصّ النساء وحدهن. فالسلطة التي تعتبر من حقّها تحديد مقدار ما يجوز أن يظهر من جسد موظّفة، يمكنها، بالمنطق نفسه، أن تحدّد شكل شعر الرجل ولحيته، وما يجوز للفنّان أن يعرضه، وما يستطيع الكاتب أن يكتبه، وكيف يحتفل الناس، وماذا يدرسون، وما الذي يعتبر «لائقاً» أو «غير لائق» في حياتهم الخاصّة والعامّة، الوصاية لا تتوقّف عادة عند الفئة التي بدأت بها.

الدفاع عن حقّ المرأة في اختيار لباسها ليس معركة ضدّ الحجاب، كما يحاول البعض تصويرها. على العكس تماماً: إنه دفاع عن المحجّبة وغير المحجّبة معاً. عن حقّ الأولى في ألّا يجبرها أحد على خلعه، وحقّ الثانية في ألّا تُجبر على ارتدائه. إنه دفاع عن مبدأ بسيط: الدولة ليست وصيّاً أخلاقياً على أجساد مواطنيها.

هل نستبدل وصاية بأخرى ؟

سوريا التي خرجت من نظام استبدادي حكم تفاصيل السياسة والمجتمع لعقود، ليست بحاجة إلى استبدال شكل من الوصاية بشكل آخر، إذ رفضت قوى اسلامية وعلمانية ممارسات النظام السابق عندما كان يُخلع حجاب فتيات المدارس عنوة، والعدالة والمنطق تقتضيان رفض تحجيب المرأة أيضاً عنوة في ظلّ النظام الجديد لأن كليهما في هذه الحالة ينتهك حقّ المرأة في تقرير شكل جسدها وسيادتها عليه.

 سقوط الأسد لا ينبغي أن يعني فقط تغيير أسماء الحكام والشعارات، بل إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والفرد، بحيث تصبح الدولة حامية للتعدّد لا أداة لفرض نموذج واحد للحياة. ومن هنا لا ينبغي التعامل مع تعميم لباس العاملات باعتباره حادثة صغيرة، ولا ينبغي في المقابل تضخيم كل واقعة أو إشاعة وتحويلها إلى دليل على مشروع لا نملك أدلّة كافية على وجوده.

المطلوب أصعب من ذلك: أن نراقب الاتجاه، أن نسأل عند كل قرار: هل يوسّع مساحة الحرّية أم يضيّقها؟ هل يحمي الاختلاف أم يفرض نموذجاً واحداً؟ هل يعامل السوريين بوصفهم مواطنين أحراراً، أم أفراداً يحتاجون إلى من يقرّر نيابة عنهم كيف ينبغي أن يعيشوا؟