لم تكن موجة الاستنكار التي واجهت مقاطع “الشاب السوري المغترب” وهو يشتم النساء عموماً والعلويات خصوصاً؛ دفاعاً عن كرامتهن، بل كانت أشبه بصفقة مقايضة في سوق وهمي: إهانة مقابل إهانة، وعرض مقابل عرض.
رداً على الشتيمة، هبّ “مدافعون عن الشرف” شاتمين نساء عائلة الشاب المذكور، وكأنهم يقدمون عرضاً بديلاً في السوق نفسها. وبعد اعتذار أهله وتراجع المهاجمين، لم تُلغَ الصفقة، بل أُنهيت جولة “البازار” الأولى، فاللافت لم يكن البذاءة بل آلية الرد، إذ تحوّل “الدفاع عن الشرف” إلى تجارة أعراض وشتائم، والمرأة عملة في “سوق الشرف ” هذا!
طبقات الشرف
المشهد السابق يشير بوضوح إلى حضور “الشرف” في أنماط شائعة من تعامل المجتمع مع المرأة، إذ لا يعامل كقيمة ثابتة، بل حساسية انتقائية، لا تستيقظ إلا عند التعدي على حدود الجسد الأنثوي، أو تداول سمعته في العلن. نظام الرجولة المفرطة، يرفع من شأن “العذرية” كأغلى عملة، بينما يُهمّش حقوقاً أساسية كالميراث والتعليم ومنح الجنسية والولاية على الأبناء والقرار الشخصي إلى درجة الابتذال.
المرأة تُحرم أحياناً من ميراثها القانوني، ويُمنع عنها الحق في منح الجنسية لأولادها، وتُسلب قدرتها على اتخاذ القرارات حول أمومتها من دون ضجيج، بينما يثار الغضب على مجرد إشاعة عن جسدها.
هذا “الشرف” عملة رمزية تُتداول في سوق “تجارة الجسد الأنثوي”، سوق تُغلق أبوابها بإحكام أمام انتهاك الكرامة الإنسانية اليومي، وتُفتح على مصاريعها لأي صفعة توجه لسمعة المرأة أو “شرفها”، في حين أن الصمت غالباً ما يكون مطبقاً على من تُحرم من حقوقها، لأن هذا الحرمان نفسه، جزء من “الوضع القائم” والأعراف التي تحكم أجساد النساء.
الدولة تضارب في “سوق الشرف”!
لا تبقى أعراف “سوق الشرف” حبيسة الشارع وردود الفعل الغوغائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل تجد طريقها أحياناً إلى سياسات رسمية، توظف أيضاً رأس مال شرف النساء، “عملة” يجب تنظيمها وأسلوب تبادلها واستعراضها، وظهر ذلك جلياً في قرارين يبدوان “إداريين”؛ منع المكياج في الدوائر الحكومية باللاذقية، ومنع الرجال من العمل في محلات الملابس النسائية في التل( ريف دمشق)، التحليل السطحي يسميهما “حماية”، لكن منطق السوق يكشف حقيقتهما.
القرار الأول لا يحمي المرأة من التحرش، بل يُخفي “السلعة” عن الأنظار العامّة، كتاجر يخبئ بضاعته الثمينة خوفاً من اللصوص، خصوصاً أن هذه “السلعة” تسبب “الفتنة” حسب رأي البعض، أو تلفت النظر، لكن، هل يهدد المكياج (مهما كان شكله) المهارة والقدرة على أداء الوظيفة؟ ولمَ التركيز على اللاذقية فقط؟
الكياسة والأناقة والاحتراف كلها أمور مطلوبة في مؤسسات الدولة، أي دولة كانت، وهنا المفارقة، عوضاً عن نشر تعميم عن مهام الموظف وأخلاقياته، استُهدف وجه المرأة وشكله في محافظة واحدة فقط!
القرار الثاني لا يحمي المرأة من التحرش، بل يعتبر الرجل كوحش لا يمكن الثقة به، لا تصدر قوانين لترويضه أو ردعه، بل عزله خارجاً بعيداً ، والأهم تأكيد مفهوم “التستر”، علماً أن باعة الثياب الداخلية النسائية في أشهر أسواق دمشق (سوق تفضّلي) غالبيتهم من الرجال!
كلا القرارين لا يصدران عن رغبة في العدالة، بل عن إدارة للخوف، خوف يبدو أنه يحضر في مناطق ويختفي في أخرى، خوف من الجسد الأنثوي، وخوف من الرغبة الذكورية المفترضة. وهكذا تتحول مؤسسات رسمية، في بعض السياقات، إلى ناظم لهذه السوق السوداء، فبدلاً من محاربة منطق المقايضة بالإهانة، تقننه وتعمقه، معززةً عزلة الجنسين ورفعاً للقيمة الوهمية لتلك “العملة” التي لا تُصرف إلا في سوق واحدة.
المشاركة كشرط للنجاة!
في هذه السوق الوهمية حول “الشرف”، لا منتصرون سوى “الرجال”، أما النساء فضحايا، يُختزلن إلى “عملة” أو “سلعة”، وأيضاً يُجبرن غالباً على المشاركة في اللعبة نفسها كشرط للبقاء. فالتي قد تُحرم من ميراثها بالقانون، أو وُصِم وجهها في الدوائر الحكومية، تتعلم أن القيمة الاجتماعية الوحيدة المتبقية لها ولبناتها مرتبطة بذلك “العرض”، فتدرّبهن على أن جسد الفتاة سلعة يجب حراستها، ويكرّرن المنطق نفسه الذي سجنهن، ليس اختياراً بل نجاة في نظام اجتماعي معتّل يعتاش على أجسادهن.
إقرأوا أيضاً:
كثيرات من النساء لا يعدن إنتاج القمع لأنهن يؤمنَّ به، بل لأن النظام الاجتماعي يجعل من إعادة إنتاجه وسيلتها الوحيدة للنجاة الفردية، حلقة مفرغة من المعاناة المُعاد تدويرها، حلقة أحياناً تدفع الكثيرات الى التمسك بالوضع القائم، وأحياناً الدفاع عنه!
أما “الرجل” في هذا السوق، فيُختزل إلى دورين: إما حارس يراقب أجساد الآخرين، أو سجينٌ لشهوة مفترضة كما في قرار منع الرجال من بيع الملابس النسائية. يُطلب من الرجل، ضمن هذا المنطق السائد، حراسة “شرف” وهمي، وإثبات “رجولة” عبر الانتقام بأدوات أبرزها “الطعن بشرف” نساء أخريات!
هكذا تُسلب المرأة إنسانيتها لتصبح جسداً، والرجل حارساً أو مصدراً للتهديد. فهل هذا تهرّب من المسؤولية الأخلاقية أم تواطؤ ذكوري؟ أم خوف من العار؟
هرمية “شرف المرأة”
يتجلى التلاعب في “سعر صرف” هذا “الشرف” والمدافعين عنه، عندما تُنتهك كرامة المرأة في أماكن لا تحرك فيها الإهانة “فزعةً”؛ في قاعات المحاكم حيث تُحرم من ميراثها، أو في قوانين الجنسية التي تنكر أمومتها، أو في البيوت حين يصبح العنف “شأناً خاصاً”. إنه “شرفٌ” انتقائي بامتياز: ينتفض عنيفاً عند الحديث عن الحرية الجسدية، وينام نوماً عميقاً أمام انتهاك الحقوق.
وهذا يقود إلى سؤال: من المستفيد؟ الإجابة: المنظومة الذكورية نفسها، التي توظف “شرفاً مُزيفاً” في حالات التباهي والتفاخر الرجولي، وفي معارك تدفعُ ثمنها النساء بدرجات متفاوتة ضمن منظومة تعيد تدوير القهر تحت أسماء برّاقة.
إقرأوا أيضاً:












