ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أحكام رجم في السودان: إحياء إرث النظام القديم عبر أجساد النساء في ظل الحرب

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أعاد صدور حكمين بالإعدام رجماً بحق امرأتين في السودان خلال الأشهر الماضية، النقاش إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ البلاد القانوني: علاقة القضاء بإرث القوانين التي أقرّها نظام الإسلاميين خلال حكم عمر البشير. ففي بلد يعيش حرباً مدمّرة وانهياراً مؤسسياً واسعاً، أعادت هذه الأحكام طرح أسئلة عميقة حول استقلال القضاء، وحدود تدخل السياسة فيه، وموقع النساء داخل منظومة العدالة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

القضيتان، اللتان صدرتا في الخرطوم وولاية النيل الأزرق، أثارتا موجة استنكار واسعة محلياً ودولياً، ليس فقط بسبب قسوة العقوبة، بل أيضاً بسبب الظروف القانونية والإنسانية التي أحاطت بالمحاكمتين، وما كشفتاه من خلل عميق في النظام القضائي في بلد تمزّقه الحرب.

قضيتان أعادتا الجدل

في كانون الأول/ ديسمبر 2025، أصدرت المحكمة الجنائية في الحاج يوسف بمحلية شرق النيل في ولاية الخرطوم، حكماً بالإعدام رجماً بحق امرأة بعد إدانتها بتهمة الزنا وفق المادة 146 من القانون الجنائي لسنة 1991. هذا القانون أُقرّ في عهد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، ويُعدّ أحد أبرز ملامح المنظومة التشريعية التي صاغتها الحركة الإسلامية خلال ثلاثة عقود من الحكم.

تشير تقارير حقوقية إلى أن المحكمة استندت في إدانة المتهمة، إلى اعتراف قالت لاحقاً إنه انتُزع منها تحت ضغط شديد، من دون أن تُبلّغ بحقوقها القانونية أو تحصل على تمثيل قانوني كافٍ.

أما القضية الثانية، فصدرت في محكمة الروصيرص بولاية النيل الأزرق، حيث حُكم على امرأة أخرى بالإعدام رجماً بالتهمة نفسها. ووفق مصادر محلية، جاءت الدعوى بناءً على بلاغ تقدّم به زوجها الذي كان منفصلاً عنها منذ سنوات، فيما تجاهلت المحكمة الظروف الاجتماعية للمتهمة، بما في ذلك كونها أماً لطفلة صغيرة.

في المقابل، حُكم على الرجل المتهم في كلٍّ من القضيتين بعقوبة أخف بكثير، إذ اكتفت المحكمة بجلده مئة جلدة قبل إطلاق سراحه، ما أثار انتقادات تتعلق بعدم المساواة في تطبيق القانون.

القانون وإرث الإسلاميين

تنص المادة 146 من القانون الجنائي السوداني لعام 1991 على عقوبة الإعدام رجماً للمحصن إذا ثبت ارتكابه جريمة الزنا، بينما يُجلد غير المحصن مئة جلدة. وقد شكّل هذا القانون إحدى أهم أدوات النظام السابق في إعادة تشكيل المجال العام وفق رؤية أيديولوجية محافظة.

وعلى الرغم من أن تنفيذ عقوبة الرجم كان نادراً في السودان، فإن وجودها في النص القانوني ظلّ يثير جدلاً واسعاً، خصوصاً لدى المنظمات الحقوقية التي اعتبرت هذه المواد تمييزية ضد النساء.

بعد سقوط نظام البشير في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2019، طرحت الحكومة الانتقالية بقيادة عبدالله حمدوك، سلسلة إصلاحات قانونية، شملت مراجعة بعض القوانين المرتبطة بالنظام العام. غير أن انقلاب الجيش في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 أوقف كثيراً من تلك الإصلاحات، وأعاد البلاد إلى مسار سياسي وقانوني مختلف.

انتقادات حقوقية واسعة

أثارت أحكام الرجم انتقادات واسعة من منظمات حقوقية محلية ودولية. فقد عبّر المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام عن قلقه من أن هذه القضايا تكشف عن خلل بنيوي في النظام القضائي السوداني، مشيراً إلى محاكمات موجزة، واعترافات منتزعة تحت الإكراه، وغياب ضمانات المحاكمة العادلة.

كما انتقدت شبكة “صيحة” النسوية الأحكام بشدة، معتبرة أنها تأتي فيما تواجه النساء السودانيات واقعاً قاسياً بسبب الحرب والنزوح وانهيار مؤسسات الدولة. ورأت الشبكة أن اللجوء إلى عقوبات قاسية مثل الرجم لا يؤدي إلا إلى تعميق معاناة النساء والفتيات.

في هذا السياق، أطلقت منظمات حقوقية، بينها منظمة “آفاز”، حملة دولية تطالب بإلغاء الأحكام الصادرة بحق المرأتين، والإفراج عنهما فوراً، وإجراء مراجعة شاملة للقانون الجنائي السوداني بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

قلق دولي

لم يقتصر الاستنكار على المنظمات الحقوقية. فقد وصف رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان، السفير وولفرام فيتر، أحكام الرجم بأنها “صادمة”، محذّراً من أن تنفيذها سيشكّل انتكاسة خطيرة لالتزامات السودان الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وقال فيتر إن مثل هذه الأحكام قد يعني عودة التشدد إلى المؤسسات العدلية، ويثير تساؤلات حول قدرة النظام القانوني السوداني على حماية النساء والفتيات.

القضاء والسياسة

يرى كثر من المراقبين أن القضية تتجاوز بعدها القانوني لتكشف عن صراع أعمق داخل مؤسسات الدولة السودانية. تقول الناشطة النسوية هيفاء فاروق إن أحكام الرجم ليست سوى “قمة جبل الجليد”، مشيرة إلى أن بقايا النظام السابق لا تزال حاضرة داخل مؤسسات القضاء، وتستخدم نصوص القانون الجنائي لسنة 1991 لإعادة فرض رؤيتها الاجتماعية.

وترى أن صدور مثل هذه الأحكام في ظل الفوضى التي تعيشها البلاد يعكس محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم عبر مؤسسات الدولة، فيما تعاني النساء أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة بسبب الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي.

جدل حول تدخّل السلطة

بعد انتشار خبر الأحكام وتصاعد الانتقادات الدولية، تحدثت وسائل إعلام مقرّبة من الجيش عن توجيه من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بمراجعة الأحكام.

غير أن هذه الخطوة أثارت جدلاً جديداً حول استقلال القضاء. فقد اعتبرت المحامية والناشطة الحقوقية نون كشكوش أن تدخل السلطة التنفيذية في القضاء يعكس، في حد ذاته، أزمة عميقة في منظومة العدالة في السودان.

وتقول إن آلاف الأشخاص يُحاكمون بموجب مواد قد تصل عقوبتها إلى الإعدام من دون الالتزام الكامل بمعايير المحاكمة العادلة، وهو ما يطرح أسئلة حول استقلالية القضاء وقدرته على العمل بعيداً من الضغوط السياسية.

خلاف حتى داخل التيار الإسلامي

المفارقة أن الانتقادات لم تأتِ فقط من الحقوقيين، بل أيضاً من بعض الشخصيات الإسلامية. فقد اعتبر القيادي الإسلامي عبد الحي يوسف أن إلغاء حكم قضائي بقرار سياسي يمثّل تجاوزاً لصلاحيات القضاء، مؤكداً أن الأحكام لا تُلغى إلا عبر المسار القضائي نفسه.

كما أشار القيادي الإسلامي أمين حسن عمر إلى أن شروط إثبات الزنا في الفقه الإسلامي تجعل تطبيق عقوبة الرجم أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتطلب شهادة أربعة شهود على الواقعة نفسها أو اعترافاً صريحاً من المتهم.

رسالة سياسية

يرى بعض المحللين أن صدور هذه الأحكام في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية تتجاوز النص القانوني. فالمحلل المتخصص في الجماعات الإسلامية صلاح حسن جمعة يرى أن القضية تمثل رسالة سياسية بقدر ما هي حكم قضائي. فإحياء عقوبات مثل الرجم قد يُستخدم لإظهار امتلاك “الشرعية الدينية والقانونية” في لحظة فراغ سياسي عميق تعيشه البلاد. ويضيف أن مثل هذه الرسائل غالباً ما يُستخدم في سياقات الصراع على السلطة، إذ تسعى بعض القوى إلى تقديم نفسها باعتبارها الحارس الحقيقي للشريعة والنظام الاجتماعي.

النساء في قلب المأساة

تأتي هذه الأحكام في سياق إنساني كارثي تعيشه النساء في السودان منذ اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.

فبحسب تقارير الأمم المتحدة، تحوّلت أجساد النساء إلى ساحة للصراع، مع تسجيل مئات حالات العنف الجنسي، بينها اغتصاب جماعي وتعذيب جنسي واستعباد.

وقد وثّق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أكثر من 500 حالة عنف جنسي خلال عام 2025 وحده، مع تقديرات بأن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب الوصمة الاجتماعية وانهيار النظام القضائي.

وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، إن “أجساد النساء والفتيات في السودان تُستخدم كسلاح لترويع المجتمعات”.

نزوح وانهيار الخدمات

تعيش ملايين النساء السودانيات اليوم في ظروف إنسانية قاسية. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، هناك نحو خمسة ملايين امرأة نازحة داخلياً، كثيرات منهن يعشن في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. كما أدى انهيار النظام الصحي إلى حرمان النساء الحوامل من الرعاية الطبية الأساسية، فيما حُرمت آلاف الفتيات من التعليم بعد إغلاق أكثر من عشرة آلاف مدرسة.

وأشارت تقارير “اليونيسف” إلى أن الحرب أدت إلى تدمير أجزاء كبيرة من البنية التعليمية، ما يهدد جيلاً كاملاً من الأطفال، خصوصاً الفتيات.

اقتصاد الحرب

الحرب لم تدمّر المؤسسات فقط، بل قلبت أيضاً الأدوار الاقتصادية والاجتماعية. فقد فقدت آلاف النساء مصادر دخلهن بعد انهيار الأسواق واحتراق المزارع وتدمير البنية الإنتاجية. وفي المناطق الريفية، كانت النساء يشكّلن ركناً أساسياً في الاقتصاد المحلي عبر الزراعة وتربية المواشي، لكن القتال والغارات الجوية أدّيا إلى تدمير هذه الأنشطة. كما دفعت الأزمة الاقتصادية كثيراً من الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة كوسيلة للتخفيف من أعباء الفقر أو لحمايتهن من خطر العنف الجنسي.

مفارقة العدالة

تكشف قضية أحكام الرجم عن مفارقة قاسية في السودان اليوم: ففيما تتصاعد الجرائم المرتبطة بالحرب، بما في ذلك القتل والاغتصاب والتعذيب، تجد بعض المحاكم نفسها منشغلة بمحاكمة النساء في قضايا تتعلق بالحياة الخاصة.

وترى ناشطات أن هذا التناقض يعكس خللاً عميقاً في منظومة العدالة، حيث يُستخدم القانون أحياناً كأداة للرقابة الأخلاقية على النساء، بينما يعجز عن محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى المرتبطة بالحرب.

ما بعد الأحكام

تحت ضغط الحملات الحقوقية والانتقادات الدولية، ألغت محكمة الاستئناف في ولاية النيل الأزرق أحد أحكام الرجم، وأعادت القضية إلى المحاكمة مجدداً، بينما لا تزال القضية الأخرى قيد النظر.

لكن الجدل الذي أثارته القضيتان لن ينتهي سريعاً، إذ أعادتا إلى الواجهة أسئلة أعمق حول مستقبل النظام القانوني في السودان ودور القضاء في مرحلة ما بعد الحرب. ففي بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تبدو أجساد النساء مرة أخرى في قلب الصراع بين السياسة والقانون والدين. وبينما تستمر الحرب في تمزيق البلاد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السودان بناء نظام عدالة يحمي النساء بدلاً من معاقبتهن؟

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
23.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes

أعاد صدور حكمين بالإعدام رجماً بحق امرأتين في السودان خلال الأشهر الماضية، النقاش إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ البلاد القانوني: علاقة القضاء بإرث القوانين التي أقرّها نظام الإسلاميين خلال حكم عمر البشير. ففي بلد يعيش حرباً مدمّرة وانهياراً مؤسسياً واسعاً، أعادت هذه الأحكام طرح أسئلة عميقة حول استقلال القضاء، وحدود تدخل السياسة فيه، وموقع النساء داخل منظومة العدالة.

القضيتان، اللتان صدرتا في الخرطوم وولاية النيل الأزرق، أثارتا موجة استنكار واسعة محلياً ودولياً، ليس فقط بسبب قسوة العقوبة، بل أيضاً بسبب الظروف القانونية والإنسانية التي أحاطت بالمحاكمتين، وما كشفتاه من خلل عميق في النظام القضائي في بلد تمزّقه الحرب.

قضيتان أعادتا الجدل

في كانون الأول/ ديسمبر 2025، أصدرت المحكمة الجنائية في الحاج يوسف بمحلية شرق النيل في ولاية الخرطوم، حكماً بالإعدام رجماً بحق امرأة بعد إدانتها بتهمة الزنا وفق المادة 146 من القانون الجنائي لسنة 1991. هذا القانون أُقرّ في عهد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، ويُعدّ أحد أبرز ملامح المنظومة التشريعية التي صاغتها الحركة الإسلامية خلال ثلاثة عقود من الحكم.

تشير تقارير حقوقية إلى أن المحكمة استندت في إدانة المتهمة، إلى اعتراف قالت لاحقاً إنه انتُزع منها تحت ضغط شديد، من دون أن تُبلّغ بحقوقها القانونية أو تحصل على تمثيل قانوني كافٍ.

أما القضية الثانية، فصدرت في محكمة الروصيرص بولاية النيل الأزرق، حيث حُكم على امرأة أخرى بالإعدام رجماً بالتهمة نفسها. ووفق مصادر محلية، جاءت الدعوى بناءً على بلاغ تقدّم به زوجها الذي كان منفصلاً عنها منذ سنوات، فيما تجاهلت المحكمة الظروف الاجتماعية للمتهمة، بما في ذلك كونها أماً لطفلة صغيرة.

في المقابل، حُكم على الرجل المتهم في كلٍّ من القضيتين بعقوبة أخف بكثير، إذ اكتفت المحكمة بجلده مئة جلدة قبل إطلاق سراحه، ما أثار انتقادات تتعلق بعدم المساواة في تطبيق القانون.

القانون وإرث الإسلاميين

تنص المادة 146 من القانون الجنائي السوداني لعام 1991 على عقوبة الإعدام رجماً للمحصن إذا ثبت ارتكابه جريمة الزنا، بينما يُجلد غير المحصن مئة جلدة. وقد شكّل هذا القانون إحدى أهم أدوات النظام السابق في إعادة تشكيل المجال العام وفق رؤية أيديولوجية محافظة.

وعلى الرغم من أن تنفيذ عقوبة الرجم كان نادراً في السودان، فإن وجودها في النص القانوني ظلّ يثير جدلاً واسعاً، خصوصاً لدى المنظمات الحقوقية التي اعتبرت هذه المواد تمييزية ضد النساء.

بعد سقوط نظام البشير في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2019، طرحت الحكومة الانتقالية بقيادة عبدالله حمدوك، سلسلة إصلاحات قانونية، شملت مراجعة بعض القوانين المرتبطة بالنظام العام. غير أن انقلاب الجيش في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021 أوقف كثيراً من تلك الإصلاحات، وأعاد البلاد إلى مسار سياسي وقانوني مختلف.

انتقادات حقوقية واسعة

أثارت أحكام الرجم انتقادات واسعة من منظمات حقوقية محلية ودولية. فقد عبّر المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام عن قلقه من أن هذه القضايا تكشف عن خلل بنيوي في النظام القضائي السوداني، مشيراً إلى محاكمات موجزة، واعترافات منتزعة تحت الإكراه، وغياب ضمانات المحاكمة العادلة.

كما انتقدت شبكة “صيحة” النسوية الأحكام بشدة، معتبرة أنها تأتي فيما تواجه النساء السودانيات واقعاً قاسياً بسبب الحرب والنزوح وانهيار مؤسسات الدولة. ورأت الشبكة أن اللجوء إلى عقوبات قاسية مثل الرجم لا يؤدي إلا إلى تعميق معاناة النساء والفتيات.

في هذا السياق، أطلقت منظمات حقوقية، بينها منظمة “آفاز”، حملة دولية تطالب بإلغاء الأحكام الصادرة بحق المرأتين، والإفراج عنهما فوراً، وإجراء مراجعة شاملة للقانون الجنائي السوداني بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

قلق دولي

لم يقتصر الاستنكار على المنظمات الحقوقية. فقد وصف رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان، السفير وولفرام فيتر، أحكام الرجم بأنها “صادمة”، محذّراً من أن تنفيذها سيشكّل انتكاسة خطيرة لالتزامات السودان الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وقال فيتر إن مثل هذه الأحكام قد يعني عودة التشدد إلى المؤسسات العدلية، ويثير تساؤلات حول قدرة النظام القانوني السوداني على حماية النساء والفتيات.

القضاء والسياسة

يرى كثر من المراقبين أن القضية تتجاوز بعدها القانوني لتكشف عن صراع أعمق داخل مؤسسات الدولة السودانية. تقول الناشطة النسوية هيفاء فاروق إن أحكام الرجم ليست سوى “قمة جبل الجليد”، مشيرة إلى أن بقايا النظام السابق لا تزال حاضرة داخل مؤسسات القضاء، وتستخدم نصوص القانون الجنائي لسنة 1991 لإعادة فرض رؤيتها الاجتماعية.

وترى أن صدور مثل هذه الأحكام في ظل الفوضى التي تعيشها البلاد يعكس محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم عبر مؤسسات الدولة، فيما تعاني النساء أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة بسبب الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي.

جدل حول تدخّل السلطة

بعد انتشار خبر الأحكام وتصاعد الانتقادات الدولية، تحدثت وسائل إعلام مقرّبة من الجيش عن توجيه من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بمراجعة الأحكام.

غير أن هذه الخطوة أثارت جدلاً جديداً حول استقلال القضاء. فقد اعتبرت المحامية والناشطة الحقوقية نون كشكوش أن تدخل السلطة التنفيذية في القضاء يعكس، في حد ذاته، أزمة عميقة في منظومة العدالة في السودان.

وتقول إن آلاف الأشخاص يُحاكمون بموجب مواد قد تصل عقوبتها إلى الإعدام من دون الالتزام الكامل بمعايير المحاكمة العادلة، وهو ما يطرح أسئلة حول استقلالية القضاء وقدرته على العمل بعيداً من الضغوط السياسية.

خلاف حتى داخل التيار الإسلامي

المفارقة أن الانتقادات لم تأتِ فقط من الحقوقيين، بل أيضاً من بعض الشخصيات الإسلامية. فقد اعتبر القيادي الإسلامي عبد الحي يوسف أن إلغاء حكم قضائي بقرار سياسي يمثّل تجاوزاً لصلاحيات القضاء، مؤكداً أن الأحكام لا تُلغى إلا عبر المسار القضائي نفسه.

كما أشار القيادي الإسلامي أمين حسن عمر إلى أن شروط إثبات الزنا في الفقه الإسلامي تجعل تطبيق عقوبة الرجم أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتطلب شهادة أربعة شهود على الواقعة نفسها أو اعترافاً صريحاً من المتهم.

رسالة سياسية

يرى بعض المحللين أن صدور هذه الأحكام في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية تتجاوز النص القانوني. فالمحلل المتخصص في الجماعات الإسلامية صلاح حسن جمعة يرى أن القضية تمثل رسالة سياسية بقدر ما هي حكم قضائي. فإحياء عقوبات مثل الرجم قد يُستخدم لإظهار امتلاك “الشرعية الدينية والقانونية” في لحظة فراغ سياسي عميق تعيشه البلاد. ويضيف أن مثل هذه الرسائل غالباً ما يُستخدم في سياقات الصراع على السلطة، إذ تسعى بعض القوى إلى تقديم نفسها باعتبارها الحارس الحقيقي للشريعة والنظام الاجتماعي.

النساء في قلب المأساة

تأتي هذه الأحكام في سياق إنساني كارثي تعيشه النساء في السودان منذ اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.

فبحسب تقارير الأمم المتحدة، تحوّلت أجساد النساء إلى ساحة للصراع، مع تسجيل مئات حالات العنف الجنسي، بينها اغتصاب جماعي وتعذيب جنسي واستعباد.

وقد وثّق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أكثر من 500 حالة عنف جنسي خلال عام 2025 وحده، مع تقديرات بأن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب الوصمة الاجتماعية وانهيار النظام القضائي.

وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، إن “أجساد النساء والفتيات في السودان تُستخدم كسلاح لترويع المجتمعات”.

نزوح وانهيار الخدمات

تعيش ملايين النساء السودانيات اليوم في ظروف إنسانية قاسية. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، هناك نحو خمسة ملايين امرأة نازحة داخلياً، كثيرات منهن يعشن في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. كما أدى انهيار النظام الصحي إلى حرمان النساء الحوامل من الرعاية الطبية الأساسية، فيما حُرمت آلاف الفتيات من التعليم بعد إغلاق أكثر من عشرة آلاف مدرسة.

وأشارت تقارير “اليونيسف” إلى أن الحرب أدت إلى تدمير أجزاء كبيرة من البنية التعليمية، ما يهدد جيلاً كاملاً من الأطفال، خصوصاً الفتيات.

اقتصاد الحرب

الحرب لم تدمّر المؤسسات فقط، بل قلبت أيضاً الأدوار الاقتصادية والاجتماعية. فقد فقدت آلاف النساء مصادر دخلهن بعد انهيار الأسواق واحتراق المزارع وتدمير البنية الإنتاجية. وفي المناطق الريفية، كانت النساء يشكّلن ركناً أساسياً في الاقتصاد المحلي عبر الزراعة وتربية المواشي، لكن القتال والغارات الجوية أدّيا إلى تدمير هذه الأنشطة. كما دفعت الأزمة الاقتصادية كثيراً من الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة كوسيلة للتخفيف من أعباء الفقر أو لحمايتهن من خطر العنف الجنسي.

مفارقة العدالة

تكشف قضية أحكام الرجم عن مفارقة قاسية في السودان اليوم: ففيما تتصاعد الجرائم المرتبطة بالحرب، بما في ذلك القتل والاغتصاب والتعذيب، تجد بعض المحاكم نفسها منشغلة بمحاكمة النساء في قضايا تتعلق بالحياة الخاصة.

وترى ناشطات أن هذا التناقض يعكس خللاً عميقاً في منظومة العدالة، حيث يُستخدم القانون أحياناً كأداة للرقابة الأخلاقية على النساء، بينما يعجز عن محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى المرتبطة بالحرب.

ما بعد الأحكام

تحت ضغط الحملات الحقوقية والانتقادات الدولية، ألغت محكمة الاستئناف في ولاية النيل الأزرق أحد أحكام الرجم، وأعادت القضية إلى المحاكمة مجدداً، بينما لا تزال القضية الأخرى قيد النظر.

لكن الجدل الذي أثارته القضيتان لن ينتهي سريعاً، إذ أعادتا إلى الواجهة أسئلة أعمق حول مستقبل النظام القانوني في السودان ودور القضاء في مرحلة ما بعد الحرب. ففي بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تبدو أجساد النساء مرة أخرى في قلب الصراع بين السياسة والقانون والدين. وبينما تستمر الحرب في تمزيق البلاد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السودان بناء نظام عدالة يحمي النساء بدلاً من معاقبتهن؟

23.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية