دمشق، في 15 حزيران/ يونيو 2012:
عند الساعة العاشرة مساء، أخرج من مقهى “بيجز”، مقر عملي، محمّلةً بضحكات الزبائن وأنغام الموسيقى التي تصدح في المكان، لتنقضّ عليّ دورية أمنية مؤلفة من أربعة عناصر، تحاصرني من كل الجهات، وكأني مجرمة هاربة!
– “إنتِ عفراء؟”
– أجيب: “نعم.”
يسحبونني إلى “الميكرو الأبيض” المركون في الزاوية المقابلة للمقهى.
على الطريق، يعلّق أحد العناصر، وتفوح من فمه رائحة الكحول: “راسك لتحت”.
أنظر بطرف عيني إلى أضواء المدينة… تبدو دمشق رائعة الجمال.
أتراني سأراها مجدداً؟ أسأل نفسي.
يعلّق عنصر آخر: “عفراء، شو عاملة؟ إنتو الحلبية حبابين، بدك توطي راس الحلبية؟”.
أصمت، وعيناي معلقتان على حذائي، الذي أرغب في ركل رجليهما به والفرار.
يقتادونني لاحقًا، وصديقي، إلى فرع الأربعين “40”، حيث يبدأون بشتمي وضرب صديقي.
بعد التحقيق، نُحوَّل إلى فرع الخطيب، زنزانة رقم 27.
يفتح السجّان الباب، تنظر إليّ النساء، يبدأن في ضمّي، وتهمس إحداهن في أذني:
“لا تخافي… هون بس بيهددوا، ما هيعملولك شي”.
برلين، في 24 شباط/ فبراير 2022:
يُعلن بوتين حربه على أوكرانيا، يهتز العالم، ويجتاحني شبح الحرب… من جديد.
أهرع إلى الشارع وأردد: “حرب جديدة! أين سَأهرب هذه المرة؟”.
أتجول في حيي شبه الفارغ، أحدق في المارّة، فأرى رجلاً في الخمسين من عمره، يرتشف قهوته ويحدّق في الفراغ بكل استرخاء.
أردد داخلي: “عليكِ أن تتماسكي. لا هروب في هذه المرة”.
أدخل متجرًا يبيع قطعًا منزلية رخيصة، فألتقط لوحة طبيعة ومسامير.
أعود إلى منزلي، أشغّل أغنية “الدنيا ريشة في هوا” لمحمد منير بصوت عالٍ، وأثبت المسمار على الحائط معلنةً توقفي عن الهروب.
فليسقط الصاروخ فوق منزلي، لن أُغادر.
دمشق، في 20 حزيران/ يونيو 2012:
فرع الخطيب.
لم أكن أعلم أنني محتجزة فيه، ولا حتى أعلم بوجوده، على رغم أنه يبعد خمس دقائق فقط عن منزل صديقي، الذي كنت أمضي فيه الكثير من الوقت، أضحك، أرقص، وأغني.
بعد ستة أيام من الاعتقال من دون تحقيق، يناديني السجّان، يعصب عينيّ ويقودني إلى مكان ما.
أشعر أني في غرفة، صوت المحقق يأتي من إحدى الزوايا:
– “شو عاملة يا عفراء؟”.
أجيبه ببراءة: “شو عاملة؟”.
وفي داخلي، أصلّي ألا يكون قد علم أني أغني للثورة سرًّا، أو أني أُخفي أصدقائي الفارين من النظام في منزلي.
بعد نصف ساعة، يطلب مني نزع العصبة عن عينيّ.
أجد نفسي واقفة وحدي في غرفة تحقيق باهتة الألوان، ظهري ملتصق بالحائط، وأمامي، عن بعد، رجل أمن يتصدر الطرف المقابل للغرفة، يحدق بي بحزم.
ينتابني شعور شديد بالسخرية، وأبدأ في الضحك اللاإرادي من مشهد رجل يحاول جاهداً جعلي آخذه على محمل الجد، لكنني أتدارك الموقف سريعًا.
أرى الخوف في عينيه، أكثر مني، لكنه يخفيه بنظرات العنف التي يوجهها إليَّ.
– أسأله: متى سأخرج؟
– يجيب: لماذا؟
– أقول: قطتي تقطن وحيدة في المنزل الآن، إذا لم أخرج ستموت.
يعيدني إلى الزنزانة من دون إجابة.
بيروت، ربيع 2015:
أقف عند الكورنيش، أشاهد أمواج البحر ترتطم بالصخور، بينما تعج المدينة برائحة النفايات المكدسة على الأرصفة، وبلد بلا رئيس منذ مدة طويلة.
يراقبني أحد الباعة المتجولين بفضول، ثم يبدأ حديث الشكوى من البلاد.
يلاحظ لهجتي السورية، فتتغير تعابيره للحظة، ويسألني:
“إنتِ من المعارضة أو من الموالاة؟”.
أتردد، ثم أقرر أن أعلن معارضتي للنظام، حتى لو كلفني ذلك حياتي.
يرد: “كانت سوريا حلوة، وكل شي رخيص فيها… ليش هيك خربتوها؟”.
ألتفت إلى البحر مجددًا، وأسرح في خيالي بينما يواصل الحديث.
أردد في داخلي: “كانت حلوة؟! كيف لشعب عانى الأمرّين من نظام الأسد أن يكون مؤيدًا له ومترحمًا على أيامه؟ لماذا نحب جلادنا؟ كل شيء كان رخيصًا في سوريا… حتى البشر”.
برلين، في 15 آذار/ مارس 2024:
أدور في منزلي من غرفتي الوحيدة إلى الحمام، ومن الحمام إلى المطبخ، ذهابًا وإيابًا… من دون أي هدف يُذكر.
ما الذي يحدث؟
لم أخف من الاعتقال، ولا من القصف، ولا أرهقتني معاملات الإقامة الصارمة في بيروت.
على مدى 14 عامًا، خضتُ حروبًا من دون خوف.
أستمر ذهابًا… إيابًا.
من أين يأتي هذا الخوف؟ أهذا صوتي، أم صوت من مرّوا؟
أستحم بماء بارد، ثم ساخن… أكرر الكرة، لكن جسدي يفقد الإحساس بأي شيء.
عالقة في رأسي، أحوم في منزلي الصغير الذي بنيتُ كل زاوية فيه بكل حذر وحب.
هنا، علّقتُ أول مسمار، معلنةً رغبتي في الاستقرار… والتوقف عن الهروب من بلد إلى آخر.
ألمانيا، في 25 آذار/ مارس 2024:
مضت أربع ليالٍ لم أغمض فيها عيني، لم آكل، لم أشرب، أدور حول نفسي، أقضم أظافري، لا أشعر بشيء.
أستسلم وأطلب نقلي إلى المصحّ.
في الطريق، أتشبث بيد أخي وأقول له: “أنا خائفة جدًا”.
أخطو خطواتي داخل المصح كمن أصابه مسّ.
تنقلني المسعفة إلى غرفة منفردة، ويبدأ “التحقيق”:
أربعة موظفين يحيطون بي:
– من أنت؟
– هل ترين وتسمعين أشياء غير موجودة؟
– لماذا تخافين؟
– هل أنت متزوجة؟
– هل لديكِ خطة لإيذاء نفسك؟
أجيب كالرجل الآلي.
روحي غادرت جسدي، وعقلي لم يعد قادرًا على المقاومة.
أين أنا؟
أستيقظ صباحًا لممارسة الروتين اليومي في المصح:
جلسة ضوء صناعي بدلًا من الشمس، فحوصات دم، فحوصات كورونا، ضغط الدم، قياس الوزن، طعام، جلسات فردية وجماعية.
أحوم تائهة في ممرات المصح البيضاء المقرفة، محاطة بآلامي وآلام الآخرين.
تغزو جسدي إبر… لا نهائية.
أرى دمي يعبر جلدي إلى الحقنة، أحدّق في كل برود، أحاول الاعتياد على الألم.
تبدأ الأدوية تجول في جسدي وتبعدني يومًا بعد يوم عن روحي.
أصبحت بلا مشاعر، بلا هدف.
تحول جسدي الهزيل إلى حقل تجارب.
يقول الأطباء: “عليكِ أن تصحي، لا بد أن تصحي. نحن نمارس المهنة منذ عقود”.
تجتاح رأسي صور عنيفة لم أشهدها من قبل، على رغم أني غادرت سوريا في 2012، ولم أتعرض لمشاهد عنف مباشر.
يسألني الطبيب:
– ما مصدر هذه الصور؟
– لا أعلم. ربما الضغوط في بلد اللجوء، أو التشرد، الذي لم أشهد مثله في سوريا أو لبنان.
يمتعض الطبيب.
بالنسبة إليه، لا بد أن مشكلتي إما من الأسرة أو من الحرب.
فـ”هذا المكان الجميل لا يمكن أن يخلق صورًا عنيفة”.
ألمانيا، في 15 حزيران/ يونيو 2018:
في مكتب بلدية نورنبرغ، يجلس أمامي موظف ستيني، يسلّمني تصديق شهادتي الجامعية السورية.
يلتفت إلى خريطة العالم خلفه، ويسألني:
“أنتِ من سوريا؟”.
أجيب: “نعم”.
يثبت دبوسًا على الخريطة ويعلّق:
“أنتم تستخدمون الكثير من البلاستيك، وهذا يؤذي الأرض”.
أقول له: “نحن في سوريا نُدوّر الأشياء أكثر بمليون مرة من هنا. لا طعام معلب كثير، لا مولات، لا معاملات بورق ومصنفات لا تنتهي. من أين لكَ هذه المعلومة؟”.
يصمت، ثم يلتفت إليّ ويقول: “لا تنسي أن تعيشي الحياة”.
أما أنا، وبعد صراع مع مكتب العمل والهجرة، أتمكن من الالتحاق بجامعة السينما، على رغم محاولاتهم إقناعي بأنني لن أحصل على الفرصة.
أبدأ العمل على فيلمي الثاني، أروي فيه قصة نساء سوريات قدِمن إلى أوروبا بطرق مختلفة، وتجمعهنّ رحلة الطريق.
ألتقي شركة مهتمّة بالإنتاج، وهنا تبدأ رحلتي مع “الرجل الأبيض النرجسي”، ابن الأنظمة الأبوية.
لا يصفعني، لأعرف شكل العنف، لكن سلطته أكثر فتكًا وأقل عرضة للكشف.
فجأة، أصبحت امرأة تتعرض للعنف يوميًا، والمجتمع يطلب منها الصبر.
“الفيلم ولدك، والمنتج زوجك، وقّعتِ صك الزواج منه بكامل وعيك”، يقول لي أحد المحامين.
ألجأ الى الأصدقاء، فيتهمونني بالوهم: “منتج يؤذي فيلمه؟ مستحيل!”.
لكن النرجسي على استعداد لتدمير عائلته إذا لم تُطع رغبته.
في بلادنا، من السهل رصد المُعنِّف.
أما هنا، فالمعنِّف أنيق، لبق، يملك سلطة.
الديكتاتور يقتل بوحشية، أما الديمقراطي… فيقتل بكامل أناقته.
2025، هنا والآن:
أرى النور يتسلل عبر جسدي بصعوبة، بعدما كان يخترقه بكامل انسيابية.
لا تزال السلطة الأبوية تفرض ظلّها الثقيل على أرواحنا وأجسادنا، تُحلل وتُحرّم كما تشاء، ولا يسعنا إلا مواجهتها بالنور الذي تسطع به أرواحنا، النور الذي أرضعتنا إياه أمهاتنا وجداتنا.
أحلم بالبحر، فتحضرني أرواح من قضوا في المتوسط.
أحلم بالجبال، فتحضرني أقدام من قطعوا حدودًا ووديانًا حفاة للنجاة من الموت.
أحلم بالسماء، فتحضرني عيون من حدّقوا عاليًا في براميل النظام.
أحلم بالحرية، فتحضرني… سوريا هنا والآن.









