ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أحمد دوغان: عندليب المصيطبة الأشقر الذي انتُخب مختاراً!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

اختفى أحمد دوغان في عزّ شهرته، لأسباب غير معلنة، لكنّها كانت قاهرة، لتخلو الساحة الغنائية لمطربين أقلّ منه موهبة، وحين نال المخترة، احتفل جمهوره الواسع بخبر فوزه، على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت عبارة “أهلاً بالمختار”، ترحيباً بتغيير المطرب الرومنسي موقعه، وانتقاله من الفنّ إلى السياسة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يحظَ ترشّح المطرب اللبناني أحمد دوغان إلى منصب مختار منطقة المصيطبة البيروتية بالقدر اللازم من المتابعة والاهتمام، وحين أعلن فوزه، وأهدى ناخبيه أغنية “مبروك يا مصيطبة” التي بدت أنها مشغولة على السريع، تفاجأ الجمهور بأنه عاد إلى دائرة الضوء من نافذة الانتخابات الاختيارية هذه المرّة، لكنّهم ما لبثوا أن رحبّوا به بلقبه الجديد “المختار”، الذي حلّ سريعاً مكان “العندليب الأشقر”.

تعرّفنا على أحمد دوغان في بداية التسعينيات، كانت الحرب الأهلية على وشك أن تضع أوزارها، ويدخل البلد في مرحلة إعادة الإعمار، فانتعشت كلّ المجالات ومنها الساحة الفنّية، وظهر الشابّ الأشقر الأنيق، بأدائه الحسّاس وصوته الرومنسي، ولكثرة ما أدّى أغاني “العندليب الأسمر” عبد الحليم حافظ أخذ منه لقبه، ثم اختفى في عزّ شهرته، لأسباب غير معلنة، لكنّها كانت قاهرة، لتخلو الساحة الغنائية لمطربين أقلّ منه موهبة.

عاد أحمد دوغان في الشهر الماضي ليشارك في الانتخابات الاختيارية، ويخرق الدوائر الحزبية والسياسية المغلقة، ويحقّق فوزاً ساحقاً على منافسيه. علماً أن معركة بيروت الانتخابية كانت حامية الوطيس، واعتصمت فيها أحزاب السلطة بحبل الطائفية لتفرقة قوى التغيير، ربما لأن مهنة المختار تستوجب تماساً مباشراً مع الناس ومتابعة يومية لشؤونهم، وهذا ما يُجيده دوغان، فيما الأحزاب الطائفية ليست أكثر من تمظهرات برجوازية، غايتها السيطرة على الناس وليس خدمتهم.

ليلة فوزه، وجّه دوغان رسالة شكر إلى ناخبيه من كلّ الطوائف، وأهداهم الأغنية التي وعد فيها بالتغيير، رغم أن أبناء مدينته أسقطوا لائحة التغيير البلدية، ويبدو أنهم يعدّون العدّة للتغلب عليه (التغيير) مرّة ثانية، والتمسّك ب”الاستقرار” في الانتخابات النيابية المقبلة.

واحتفل جمهور دوغان الواسع بخبر فوزه، على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت عبارة “أهلاً بالمختار” بكثافة، ترحيباً بتغيير المطرب الرومنسي موقعه، وانتقاله من الفنّ إلى السياسة.

“أهلاً بالمختار” يجب أن تُقرأ بصوت مسرحي، مع ومضة خيال تسترجع شخصيّة المختار في مسرحيّات الرحابنة، التي برع في تقديمها نصري شمس الدين بصوته الشجيّ، زميل دوغان في الفنّ واقعاً، وفي المخترة افتراضاً.

ورغم أن تحوّل مطرب مشهور إلى مختار سابقة لم يشهدها لبنان، اللافت أن الجمهور ربط على الفور بين المختار دوغان وشخصيّة المختار في المسرح الرحباني، والسبب هو الصوت الجميل المقرون بقيم الصلحة.

ففي مسرحيّة “ميس الريم” أصلح المختار بصوته الجميل بين نعمان وشهيدة، وفي مسرحيّة “جسر القمر” أنهى المختار الصراع على ترسيم حدود الأراضي بين أهل الضيعة بصوته الجميل أيضاً، وفي مسرحيّة “بيّاع الخواتم” اعتذر المختار بصوته الجميل من جمهوره، وقدّم ابنة أخته تكفيراً عن الكذبة التي اخترعها ليسلّي بها الناس في السهرات… ولعلّ أكثر ما يحتاجه اللبنانيون اليوم هو أصوات الصلحة الجميلة، بدل نعيق غربان الفتنة في خرابات البلد، وسماع مسؤول واحد يعترف بخطئه ويقدّم لهم اعتذاراً، ولعلّ استحضار شخصيّة المختار المسرحيّة، قد يضع على كاهل دوغان مهمّة استعادة روحيّة الصلحة الأهلية وعلاقات المونة والألفة، وتسيير شؤون الناس وتيسيرها، باستخدام الكلمة الحلوة، والشكل الحلو، والعضلات المفتولة، والصوت الحلو.

من الفنّ إلى السياسة

هناك زملاء كثيرون لدوغان حول العالم، ممن انتقلوا من عالم الفنّ إلى عالم السياسة، أشهرهم رونالد ريغان، الممثل الهوليوودي والرئيس الأميركي الشهير، كما أن هناك تشابهاً بين اسمي عائلتيهما لفظاً دوغان/ ريغان، وبعض التشابه في صعودهما!

يأتي أحمد دوغان إلى المخترة من خلفيّة عائلية، وهو يعرف ما هو دوره ووظيفته، كونه ورث والده وشقيقه، اللذين احتكرا المنصب بالتناوب ردحاً.

في حين وصل رونالد ريغان إلى حاكمية ولاية كاليفورنيا الولاية الذهبية الأكثر تنوعاً في أميركا، ولم يكن يعلم أو يفهم ما هو دوره، ولم يسبق له أن عمل في السياسة من قبل.

دوغان هو ابن العائلة التركية التي جاءت إلى بلاد الشام مع الجيوش العثمانية، واستقرّت فيها، وما زالت لها فروع في تركيا والبلقان. هناك سياسي بلغاري مشهور من أصول تركية اسمه أحمد دوغان! دوغان البلغاري هو رئيس “حركة الحقوق والحرّيات”، التي تأسّست في تسعينيات القرن الماضي في بلغاريا، لتمثيل الأقلّية التركية المسلمة في الحياة السياسية.  

وريغان من عائلات البيض “اليانكيز”، ذوي الأصول الإيرلندية الذين أتوا مع المستكشفين الأوائل إلى بلاد الهنود الحمر، أما اسمه رونالد فهو الاسم الذي اختارته شقيقته للمولود الجديد في اللحظة الأخيرة بديلاً عن دونالد، لكنّ رونالد ظلّ طوال حياته غير متصالح مع اسمه، ولو أن عائلته بقيت على دونالد، لصار لأميركا دونالدين جمهوريين اثنين، وربما لتصالح رونالد مع اسمه البديل نفوراً من دونالد الثاني.

عاش ريغان في  زمن المدّ المكارثي لليسار الأميركي، ليصبح بعدها رئيساً غير اعتيادي لأميركا، حيث أسّس الأرضية لسقوط جدار برلين وحكم البلاشفة، وفرض سلاماً أميركياً جبرياً على الاتّحاد السوفياتي أنهى الصراع بين العملاقين، ليظهر بعد انهيار الأخير نظام عالمي أحادي القطب.

وعاش دوغان المدّ الكارثي للأحزاب الطائفية، ورأى اليوم الذي لم تعد فيه “بيروت للبيارتة”، وكيف ضاقت بهم واتّسعت لغيرهم، وطردتهم من داخل السور وخارجه نحو بشامون وعرمون وصوفر والدبية.

السياسة والفنّ مهنتان متشابهتان من حيث قدرتهما على طيّ المسافات، وتملكان من المرونة أو المراوغة ما يجعل الشخص مقنعاً في السياسة كما في الفنّ وبالعكس.

وتحفل سجلّاتهما بأسماء شخصيّات عديدة جمعت بينهما، مثل ونستون تشرشل الحاصل على نوبل للآداب، وبابلو نيرودا الشاعر والمناضل والثوري الذي ترشّح إلى رئاسة التشيلي، والشاعرين السوريين نزار قباني وعمر أبو ريشة اللذين عملا في مناصب دبلوماسية، وأندريه مالرو الكاتب الفرنسي الذي كان وزيراً للثقافة، والكاتب والروائي الفرنسي ريجيس دوبريه الذي ربطته علاقة صداقة مع تشي جيفارا وسلفادور ألليندي ثم عمل مستشاراً للرئيس فرنسوا ميتران.

كما أن أودولف هتلر كان رساماً تشكيلياً، والزعيم الصيني ماو تسي تونغ كان شاعراً رقيقاً، والزعيم الليبي معمّر القذافي ترك مجموعة من المؤلّفات أشهرها “الكتاب الأخضر”، وتُنسب إلى صدام حسين أربع روايات منها “زبيبة والملك”، حتى دونالد ترامب نفسه لديه كتاب عنوانه “فنّ الصفقة”، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل أن يقارع العملاقين الشرقي والغربي كان ممثلاً مسرحياً كوميدياً.

في عالم الفنّ، أمّ كلثوم لم تتسلّم أي منصب سياسي، لكنّها كانت لا تقلّ تأثيراً في وجدان الجمهور عن أيّ زعيم سياسي، بعد النكسة حين غنّت في باريس قالت عبد الناصر استقال أما أنا فلن أستقيل، أغاني بوب ديلان احتوت أفكاراً ثورية تحرّض المهمّشين والمضطهدين والعمّال في أميركا على الاحتجاج، نينا سيمون المغنّية الأميركية السمراء استخدمت صوتها كسلاح بوجه التمييز العنصري.

يقول أحدهم إن “الشعراء هم المشرّعون غير المعترف بهم في السياسة”، ولو أن الفنّانين يحكمون العالم لكنّا ننام ونصحو كلّ يوم على تداول للسلطة بسبب تقلّباتهم المزاجية. 

أخيراً، دوغان اسم تطرب لسماعه الآذان، ومختار من الناس، يُعيد للمنصب قيمته الاجتماعية، بعد أن تحوّل المختار إلى مقاتل أو جاسوس تابع لحزب، أو مرتشٍ ضمن شبكة مصالح طائفية تنهب الناس، أو ذراع طويلة للفساد داخل المجتمع والدولة معاً.

وهو فنّان آخر ينتقل إلى السياسة، فالمخترة سياسة برغم كونها منصباً اجتماعياً شديد المحلّية، بل هي عين السياسة، فلا معنى للسياسة سوى حسن إدارة شؤون الناس، قبل أن نتلاعب به ونحوّله إلى رديف للزبائنية، فالسياسة من “ساس” بمعنى “تدبّر” كما ورد في لسان العرب، والمختار مفردة تصف الأنبياء أيضاً، ولا نبوّة في المخترة، لكنّ يمكن التنبّؤ بمزاج الناس من أسماء مخاتيرهم.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
31.05.2025
زمن القراءة: 5 minutes

اختفى أحمد دوغان في عزّ شهرته، لأسباب غير معلنة، لكنّها كانت قاهرة، لتخلو الساحة الغنائية لمطربين أقلّ منه موهبة، وحين نال المخترة، احتفل جمهوره الواسع بخبر فوزه، على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت عبارة “أهلاً بالمختار”، ترحيباً بتغيير المطرب الرومنسي موقعه، وانتقاله من الفنّ إلى السياسة.

لم يحظَ ترشّح المطرب اللبناني أحمد دوغان إلى منصب مختار منطقة المصيطبة البيروتية بالقدر اللازم من المتابعة والاهتمام، وحين أعلن فوزه، وأهدى ناخبيه أغنية “مبروك يا مصيطبة” التي بدت أنها مشغولة على السريع، تفاجأ الجمهور بأنه عاد إلى دائرة الضوء من نافذة الانتخابات الاختيارية هذه المرّة، لكنّهم ما لبثوا أن رحبّوا به بلقبه الجديد “المختار”، الذي حلّ سريعاً مكان “العندليب الأشقر”.

تعرّفنا على أحمد دوغان في بداية التسعينيات، كانت الحرب الأهلية على وشك أن تضع أوزارها، ويدخل البلد في مرحلة إعادة الإعمار، فانتعشت كلّ المجالات ومنها الساحة الفنّية، وظهر الشابّ الأشقر الأنيق، بأدائه الحسّاس وصوته الرومنسي، ولكثرة ما أدّى أغاني “العندليب الأسمر” عبد الحليم حافظ أخذ منه لقبه، ثم اختفى في عزّ شهرته، لأسباب غير معلنة، لكنّها كانت قاهرة، لتخلو الساحة الغنائية لمطربين أقلّ منه موهبة.

عاد أحمد دوغان في الشهر الماضي ليشارك في الانتخابات الاختيارية، ويخرق الدوائر الحزبية والسياسية المغلقة، ويحقّق فوزاً ساحقاً على منافسيه. علماً أن معركة بيروت الانتخابية كانت حامية الوطيس، واعتصمت فيها أحزاب السلطة بحبل الطائفية لتفرقة قوى التغيير، ربما لأن مهنة المختار تستوجب تماساً مباشراً مع الناس ومتابعة يومية لشؤونهم، وهذا ما يُجيده دوغان، فيما الأحزاب الطائفية ليست أكثر من تمظهرات برجوازية، غايتها السيطرة على الناس وليس خدمتهم.

ليلة فوزه، وجّه دوغان رسالة شكر إلى ناخبيه من كلّ الطوائف، وأهداهم الأغنية التي وعد فيها بالتغيير، رغم أن أبناء مدينته أسقطوا لائحة التغيير البلدية، ويبدو أنهم يعدّون العدّة للتغلب عليه (التغيير) مرّة ثانية، والتمسّك ب”الاستقرار” في الانتخابات النيابية المقبلة.

واحتفل جمهور دوغان الواسع بخبر فوزه، على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت عبارة “أهلاً بالمختار” بكثافة، ترحيباً بتغيير المطرب الرومنسي موقعه، وانتقاله من الفنّ إلى السياسة.

“أهلاً بالمختار” يجب أن تُقرأ بصوت مسرحي، مع ومضة خيال تسترجع شخصيّة المختار في مسرحيّات الرحابنة، التي برع في تقديمها نصري شمس الدين بصوته الشجيّ، زميل دوغان في الفنّ واقعاً، وفي المخترة افتراضاً.

ورغم أن تحوّل مطرب مشهور إلى مختار سابقة لم يشهدها لبنان، اللافت أن الجمهور ربط على الفور بين المختار دوغان وشخصيّة المختار في المسرح الرحباني، والسبب هو الصوت الجميل المقرون بقيم الصلحة.

ففي مسرحيّة “ميس الريم” أصلح المختار بصوته الجميل بين نعمان وشهيدة، وفي مسرحيّة “جسر القمر” أنهى المختار الصراع على ترسيم حدود الأراضي بين أهل الضيعة بصوته الجميل أيضاً، وفي مسرحيّة “بيّاع الخواتم” اعتذر المختار بصوته الجميل من جمهوره، وقدّم ابنة أخته تكفيراً عن الكذبة التي اخترعها ليسلّي بها الناس في السهرات… ولعلّ أكثر ما يحتاجه اللبنانيون اليوم هو أصوات الصلحة الجميلة، بدل نعيق غربان الفتنة في خرابات البلد، وسماع مسؤول واحد يعترف بخطئه ويقدّم لهم اعتذاراً، ولعلّ استحضار شخصيّة المختار المسرحيّة، قد يضع على كاهل دوغان مهمّة استعادة روحيّة الصلحة الأهلية وعلاقات المونة والألفة، وتسيير شؤون الناس وتيسيرها، باستخدام الكلمة الحلوة، والشكل الحلو، والعضلات المفتولة، والصوت الحلو.

من الفنّ إلى السياسة

هناك زملاء كثيرون لدوغان حول العالم، ممن انتقلوا من عالم الفنّ إلى عالم السياسة، أشهرهم رونالد ريغان، الممثل الهوليوودي والرئيس الأميركي الشهير، كما أن هناك تشابهاً بين اسمي عائلتيهما لفظاً دوغان/ ريغان، وبعض التشابه في صعودهما!

يأتي أحمد دوغان إلى المخترة من خلفيّة عائلية، وهو يعرف ما هو دوره ووظيفته، كونه ورث والده وشقيقه، اللذين احتكرا المنصب بالتناوب ردحاً.

في حين وصل رونالد ريغان إلى حاكمية ولاية كاليفورنيا الولاية الذهبية الأكثر تنوعاً في أميركا، ولم يكن يعلم أو يفهم ما هو دوره، ولم يسبق له أن عمل في السياسة من قبل.

دوغان هو ابن العائلة التركية التي جاءت إلى بلاد الشام مع الجيوش العثمانية، واستقرّت فيها، وما زالت لها فروع في تركيا والبلقان. هناك سياسي بلغاري مشهور من أصول تركية اسمه أحمد دوغان! دوغان البلغاري هو رئيس “حركة الحقوق والحرّيات”، التي تأسّست في تسعينيات القرن الماضي في بلغاريا، لتمثيل الأقلّية التركية المسلمة في الحياة السياسية.  

وريغان من عائلات البيض “اليانكيز”، ذوي الأصول الإيرلندية الذين أتوا مع المستكشفين الأوائل إلى بلاد الهنود الحمر، أما اسمه رونالد فهو الاسم الذي اختارته شقيقته للمولود الجديد في اللحظة الأخيرة بديلاً عن دونالد، لكنّ رونالد ظلّ طوال حياته غير متصالح مع اسمه، ولو أن عائلته بقيت على دونالد، لصار لأميركا دونالدين جمهوريين اثنين، وربما لتصالح رونالد مع اسمه البديل نفوراً من دونالد الثاني.

عاش ريغان في  زمن المدّ المكارثي لليسار الأميركي، ليصبح بعدها رئيساً غير اعتيادي لأميركا، حيث أسّس الأرضية لسقوط جدار برلين وحكم البلاشفة، وفرض سلاماً أميركياً جبرياً على الاتّحاد السوفياتي أنهى الصراع بين العملاقين، ليظهر بعد انهيار الأخير نظام عالمي أحادي القطب.

وعاش دوغان المدّ الكارثي للأحزاب الطائفية، ورأى اليوم الذي لم تعد فيه “بيروت للبيارتة”، وكيف ضاقت بهم واتّسعت لغيرهم، وطردتهم من داخل السور وخارجه نحو بشامون وعرمون وصوفر والدبية.

السياسة والفنّ مهنتان متشابهتان من حيث قدرتهما على طيّ المسافات، وتملكان من المرونة أو المراوغة ما يجعل الشخص مقنعاً في السياسة كما في الفنّ وبالعكس.

وتحفل سجلّاتهما بأسماء شخصيّات عديدة جمعت بينهما، مثل ونستون تشرشل الحاصل على نوبل للآداب، وبابلو نيرودا الشاعر والمناضل والثوري الذي ترشّح إلى رئاسة التشيلي، والشاعرين السوريين نزار قباني وعمر أبو ريشة اللذين عملا في مناصب دبلوماسية، وأندريه مالرو الكاتب الفرنسي الذي كان وزيراً للثقافة، والكاتب والروائي الفرنسي ريجيس دوبريه الذي ربطته علاقة صداقة مع تشي جيفارا وسلفادور ألليندي ثم عمل مستشاراً للرئيس فرنسوا ميتران.

كما أن أودولف هتلر كان رساماً تشكيلياً، والزعيم الصيني ماو تسي تونغ كان شاعراً رقيقاً، والزعيم الليبي معمّر القذافي ترك مجموعة من المؤلّفات أشهرها “الكتاب الأخضر”، وتُنسب إلى صدام حسين أربع روايات منها “زبيبة والملك”، حتى دونالد ترامب نفسه لديه كتاب عنوانه “فنّ الصفقة”، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل أن يقارع العملاقين الشرقي والغربي كان ممثلاً مسرحياً كوميدياً.

في عالم الفنّ، أمّ كلثوم لم تتسلّم أي منصب سياسي، لكنّها كانت لا تقلّ تأثيراً في وجدان الجمهور عن أيّ زعيم سياسي، بعد النكسة حين غنّت في باريس قالت عبد الناصر استقال أما أنا فلن أستقيل، أغاني بوب ديلان احتوت أفكاراً ثورية تحرّض المهمّشين والمضطهدين والعمّال في أميركا على الاحتجاج، نينا سيمون المغنّية الأميركية السمراء استخدمت صوتها كسلاح بوجه التمييز العنصري.

يقول أحدهم إن “الشعراء هم المشرّعون غير المعترف بهم في السياسة”، ولو أن الفنّانين يحكمون العالم لكنّا ننام ونصحو كلّ يوم على تداول للسلطة بسبب تقلّباتهم المزاجية. 

أخيراً، دوغان اسم تطرب لسماعه الآذان، ومختار من الناس، يُعيد للمنصب قيمته الاجتماعية، بعد أن تحوّل المختار إلى مقاتل أو جاسوس تابع لحزب، أو مرتشٍ ضمن شبكة مصالح طائفية تنهب الناس، أو ذراع طويلة للفساد داخل المجتمع والدولة معاً.

وهو فنّان آخر ينتقل إلى السياسة، فالمخترة سياسة برغم كونها منصباً اجتماعياً شديد المحلّية، بل هي عين السياسة، فلا معنى للسياسة سوى حسن إدارة شؤون الناس، قبل أن نتلاعب به ونحوّله إلى رديف للزبائنية، فالسياسة من “ساس” بمعنى “تدبّر” كما ورد في لسان العرب، والمختار مفردة تصف الأنبياء أيضاً، ولا نبوّة في المخترة، لكنّ يمكن التنبّؤ بمزاج الناس من أسماء مخاتيرهم.

31.05.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|
آخر القصص
من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025
في سبيل بناء ذاكرة ثقافيّة جمعيّة في جبل عامل
رباب دبس - باحثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا | 05.12.2025
“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”
داس بيستي أم نوردن - NDR | 05.12.2025

اشترك بنشرتنا البريدية