منذ أن سقط النظام السوري السابق قبل أشهر، غرقت سوريا في “مجازر على أساس الهوّية”، تتالت وشملت مناطق مختلفة وجماعات أهلّية سورية؛ إذ قُتل بضع مئات من المدنيين “العلويين” في شهر آذار/ مارس المنصرم على يد عصابات وفصائل مسلّحة، وحتى وحدة من الجيش النظامي الجديد، تقودهم مُعتقدات دينية طائفية “إسلامية/ سُنية” ذات نوازع جهادية.
تكرّر الأمر بعد شهور قليلة في محافظة السويداء، إذ قُتل المئات من أبناء الطائفة الدُرزية وحُرقت العشرات من قراهم، حسب الآليات والأسباب نفسها.
لم تتّخذ السلطة السورية الجديدة أية إجراءات عملية في اتّجاه مقاضاة المرتكبين ومحاسبتهم، خلا لجنة تحقيق “شكلية”، خرجت بنتائج خجولة في ما خصّ مجازر العلويين، وبعد شهور مما اعتبرته “تحقيقات ميدانية”، فيما شكّلت وزارة العدل لجنة أخرى خاصّة بما حدث في محافظة السويداء.
إلى جانب “الفشل الحكومي”، فإن مختلف القطاعات الثقافية والاجتماعية والسياسية السورية لم تنتج أي شيء ذا قيمة ودور في ما خصّ هذه الأحداث المروّعة. إذ غرقت أثناء معالجتها في استقطاب طائفي ومناطقي وسياسي شديد، لم تمارس إدانة واضحة، ولم تصبغها بتعاريف ومحدّدات وسياقات ذات دلالة، بل غلب التسويف والتبرير والتبسيط والنكران، المنطق الذي تناولت فيه ما جرى.
يحدث ذلك، في وقت ما تزال مختلف الجهات الفاعلة في البلاد، عاجزة تماماً عن إدارة ملفّ “العدالة” بشأن ضحايا أحداث السنوات الماضية، حيث سقط مئات الآلاف من المدنيين جرّاء الحرب الأهلية التي طالت البلاد، أغلبهم نتيجة مواجهات ذات بُعد “هوّياتي”، طائفي وعرقي وديني.
فالطابع الأعمّ، هو اتّهام مختلف الجماعات الأهلية نظيراتها الأخريات، بالتقاعس أو الامتناع عن الاعتراف والإقرار بحصول، أو “اقتراف” مجازر جماعية على أساس الهوّية بحقّ الجماعات الأخرى، سواء ضمن سياق الحرب الأهلية السورية المديدة، أو ما تلاها من أحداث.
ما سوف تحاول هذه المقالة تفكيكه هو تأكيد “استحالة” حدوث ذلك، سواء راهناً أو في المستقبل المنظور، بسبب التعقيدات النفسية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بذلك، وسوف تستند المقالة إلى حدث مفصلي في التاريخ السوري المعاصر، متمثّل بالتهم الدائمة التي توجّهها الجماعات القومية الآشورية والسريانية والأرمنية إلى نظيرتها الكُردية، محمّلة إيّاها مسؤولية المشاركة في مجازر الإبادة الجماعية، التي طالت هذه الجماعات العرقية في السنوات الأخيرة لانهيار الإمبراطورية العثمانية (1915-1923) عبر المشاركة مع السلطات العثمانية في فعل ذلك.
إذ يُنكر ساسة ومثقّفون ومساحة من العقل الجمعي الكُردي/ السوري والكردي غير السوري، حدوث ذلك، ويستندون إلى ترسانة من الحجج المراوغة والاستدلالات الوظيفية والمخادعات اللفظية، للتهرّب وتبرئة الذات بأي ثمن.
يعتقد كاتب هذه المقالة أن تلك الآلية ستستمرّ طويلاً كشكل للعلاقات بين الجماعات الأهلية السورية، وآلية صياغاتها لتاريخها المعاصر.
قبل سقوط النظام السوري بأشهر، امتنعت شركة نقل عامّ، مقرّها في مدينة القامشلي ومملوكة لرجال أعمال آشوريين “سريان”، عن نقل مجموعة من الكتب، بدعوى تضمّن عنوانها اسم “كردستان”. أثارت الحادثة ردود فعل مُندّدة من النشطاء المدنيين والفاعلين الثقافيين والمعلّقين الكرد، مُصنّفين الحادثة كـ”فعل عنصري”، مُرجعين إيّاها إلى سياق مديد من المشاعر الناقمة والعلاقات السلبية التي يحملها آشوريو/ سريان وأرمن سوريا، سكّان المناطق الشمالية الشرقية بالذات، تجاه الكرد منذ عقود.
تمكّنت الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، بالتعاون مع حزب “الاتّحاد السرياني” من إيجاد مخرج “تلفيقي” لما حدث، لكن، ولأيّام عديدة، دارت جدالات مطوّلة وطُرحت مواقف حادّة بشأن القضيّة، ركّز فيها المُعلّقون الكرد على ما اعتبروه “الأساس في الأمر”، ألا وهو استياء أبناء الجماعتين القوميتين الآشورية/السريانية والأرمنية ونقمتهم تجاه نظرائهم الكرد، كأفراد وكشعب ومشروع سياسي، والحادثة الأخيرة، حسبهم، ما كانت إلا تعبيراً واستعارة عن جذر القضيّة وجوهرها.
شوك تحت الظفر
في العمق، كانت الحادثة تعبيراً وكشفاً لقضيّة ومسألة عامّة شديدة التركيب والعمق في عالم الاجتماع السياسي والثقافي لتلك المنطقة. لأجل ذلك، لم تكن المصطلحات والأفكار والمواقف والعبارات المنمّقة، المُستعارة من قاموس “الوطنية” و”الوجاهة الثقافية” و”الكياسة الاجتماعية”، وما تستوجب من كلام مشذّب ومواقف باردة في مثل هذه الأحداث، قادرة على استيعابها.
إذ ليس بعيداً عن الصحّة وصف الموقف النفسي والاجتماعي والسياسي لشريحة واسعة من آشوريي وأرمن شمال شرقي سوريا، من الكرد، بأنه ناقم وسلبي، يفتقد إلى ما يفترضه التعايش المديد من حرارة وانفتاح ومعرفة بين الجماعات المتجاورة، خصوصاً بين الجماعات القومية الثلاثة في هذه المنطقة، المتداخلة منذ أزمنة سحيقة، حتى يصعب تحديد لحظتها التأسيسية.
لا يُلغي الإقرار بهذه “الحقيقة الجارحة” كلّ أشكال النسبية المحيطة بها، لا ينفي مثلاً الكثير من أشكال العيش المشترك بين أفراد من هذه الجماعات في الحياة اليومية والعامّة. فلم يسبق أن شهدنا عنفاً أهلياً واسعاً في ما بينها، ولا مظاهر للعنصرية البادرة المباشرة. فالنقمة والسلبية تبقى في ما هو مُضمر، لا تكشفها إلا سلوكيات ومؤشّرات شديدة التركيب، لكنّها حاضرة بكثافة دون شكّ، بالذات في “العالم السرّي” لكلّ منها، وتنفجر على شكل أزمات حادّة في ما يُمكن تسميتها بـ”الأوقات الصعبة” لعلاقات الجماعات، التي تظهر أحياناً قليلة في السياق التاريخي، لكنّها تكشف حقيقة ما تكتنزه الذاكرة الجمعية والمشاعر العامّة المتبادلة بين الجماعات الأهلية.
تُشير نُخب ثقافية واجتماعية كُردية إلى نقمة آشورية سريانية أرمنية، وتندّد بها على الدوام، لكن ببرود وجداني وقلّة تبصّر عقلي، لأنها تؤطّر موقفها من هذه “النقمة الآشورية الأرمنية تجاه الكرد” بأسلوب عار من كلّ ما أنتجها، وكلّ ما يزال يحيط بها حتى الآن، من أفعال وأدوات ومسبّبات. فالكثير من النخب الكردية تستنكف عن طرح السؤال الأكثر جدارة بالمعرفة والمسؤوليّة الثقافية في الحياة العامّة، في مثل هذه الأنماط الخطرة من علاقات الجماعات، أي “سؤال السبب”. يميلون ويفضّلون الركون إلى ما يعتبرونه أمراً واضحاً بالنسبة إليهم، يقولون لأنفسهم “لا يحبوننا لأننا كرد”! خائفين من السعي الحثيث وراء جبال الأشياء الكامنة وراءها، خشية مواجهة ترسانة الحقائق التي قد يكشفها سبب “النقمة”.
فما يحمله كثير من الآشوريين السريان والأرمن تجاه الكرد ليس ذا منبت “ماركسي”، متعلّق بالطبقات والجهويات وأنماط العمل، الذي يمكن به وصفها وتفسيرها بنوعيّة العلاقات الطبقية داخل الجماعة الواحدة، بل نابع من مصدر وفعل سياسي ذي جذر حربي، هو تقاسمهما طرفي/ جبهتي فعلة “الإبادة”، بين مرتكبين وضحايا.
فالإبادة الجماعية التي طالت الأرمن والآشوريين السريان “السيفو”، خلال السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، وأنهت تقريباً الوجود الديموغرافي لأبناء الجماعتين القوميتين الأرمنية والآشورية/ السريانية في هذه المنطقة، وحوّلتهما من شعبين ممتدّين على جغرافيا تاريخية، إلى مُجرد أقلّيتين قوميتين ودينيتين، بحيث أصبح هذا التحوّل الذي نتج عن ذلك الحدث التاريخي إلى جوهر الشخصيّة السياسية والنفسية والاجتماعية، وحتى الثقافية والروحية، لمن بقي من أبناء هاتين الجماعتين.
فالآشوريون السريان والأرمن، وبسبب تلك الفعلة، صاروا كتلاً بشرية هشّة، فاقدة لأية قدرة على بلورة مشروع سياسي ما، بسبب افتقاد الثقل الديموغرافي والسيادة الديموغرافية على الأراضي التاريخية التي لهم، كما فعل أبناء القوميات الأخرى في المنطقة، كالأتراك والعرب والفرس، أو استطاعوا تحقيق بعضاً من تطلّعاتهم في الدول التي تكوّنت، مثلما فعل الكرد في العراق، ويحاولون فعله في الدول الأخرى.
في الأدب السياسي ومحتويات السردية التاريخية ومضامين الذاكرة الشعبية لأبناء الجماعتين، ثمّة تهم واسعة تطال الكرد، تقول إنهم انخرطوا في تلك المجازر بكثافة، كانوا شركاء الدولة العثمانية وجيشها وتنظيماتها السياسية التي أقدمت على تنفيذ الإبادة الجماعية بحقّهما.
الذاكرة الجماعية والسردية التأريخية للأرمن والآشوريين/السريان متخمة بالمرويات التي تتّهم الكرد بالضلوع في كلّ تفاصيل الإبادة، سواء كتنظيمات عشائرية مرعية من الجيش والسلطة العثمانية “فرق الخيّالة الحميدية”، أو ككتل أهلية/ قبلية كردية، شاركت واستغلّت الغبن والتحطيم الذي مارسته الدولة العثمانية بحقّ الأرمن والآشوريين، ففتكوا بهم واستولوا على ممتلكاتهم، انتهزوا اللحظة/ الفرصة التاريخية الاستثنائية، وأزاحوا شركاءهم التقليديين في الولايات العثمانية الأربع “الشرقية”، أرضروم ووان ودياربكر ومعمورة العزيز، صارت بعض أراضي اثنين منها جزءاً من الجغرافيا السورية فيما بعد، إذ تشير التقديرات الأكثر موضوعية إلى أن ثلثي أبناء الجماعتين القوميتين كانوا ضحايا ما حدث.
لا تريد نخب كردية الدخول في نقاش جدّي وواضح بشأن ذلك، لكنّهم قبل ذلك لا ينزعون إلى وعي معنى الحدث التاريخي ومكانته، في تشكيل الهوّية القومية والذاكرة الجماعية المستقبلية لأبناء الجماعتين الآشورية/السريانية والأرمنية وتأطيرها.
فالنظراء الكرد، ودائماً بأغلبيتهم العظمى وليس المطلقة، لا يعون الدوافع والديناميكيات شديدة التركيب والتراكم، التي خلقتها تلك الحادثة التاريخية وحوّلتها إلى مروية مركزية وحكاية شبه وحيدة في هوّية أعضاء الجماعتين الآشورية والأرمنية ووعيهم لأنفسهم وللعالم، المنصّة والأداة التي على أساسها يقيسون كلّ شيء ويحدّدون كلّ علاقة، مصدراً أوّلياً ودائماً لما يعتبرونه “شكل العالم من حولهم”.
طوال قرن كامل مضى، منذ أن وقعت الإبادة وحتى الراهن، بقي الكرد في الوعي والضمير الجمعي لأبناء الجماعتين، ما كانوا عليه ضمن “المروية الكبرى للإبادة”، كمتّهمين ومنخرطين في ما حدث، وتالياً كمتسبّبين لما انتهت إليه الجماعتان من مصائر. حُشر الكرد في تلك المكانة “الآثمة”، وما تغيّر موقعهم بحُكم الزمن، لأن الجماعتين هاتين بقيتا متمركزتين حول حكايتهما التأسيسية، لم تتخلّيا عنها كأساس أوّلي للشخصيّة القومية والوعي الجمعي للذات، وبذلك لم تستطيعا أن تحوّرا وعيهما لحركة التاريخ والعلاقة مع الجماعات الأخرى، مع الكرد بالذات.
فإذا كانت أحداث السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية قد أصبحت “الماضي” بالنسبة إلى القوميات الغالبة، التي حقّقت لنفسها حضوراً ودولاً وتمثيلاً بين الأمم؛ فإنها لم تصبح كذلك بالنسبة إلى الأرمن والآشوريين السريان يوماً. فالإبادة الجماعية بالنسبة إليهم هي “الانفجار العظيم”، الذي أعاد تشكيل أصل الأشياء والحقائق والوجود، وجودهم وحقيقتهم. والإبادة كانت على درجة من الفظاعة يُستحال استيعابها وبلورة حياة عامّة مقبولة بعدها، لأنها أخرجت شعبين كاملين من التاريخ والجغرافيا، سيصبحون ثلاثة، لو أضفنا إليهم اليونان الأرثوذوكس فيما بعد.
يقوم الاستنكار الكردي لما يحدث في الحاضر، من نقمة جمعية تجاههم، في واحد من أهم أبعاده، على مخيّلة تعتبر أن ما حدث هو شيء من الماضي، لم يعد موجوداً، ومن الحصافة و”الأخلاق” ألا يُتذكّر ويُعتدّ به، متناسين أن شروط “هندسة النسيان” ومساراتها، لا تتطابق بين جماعة وأخرى.
فالجماعات الأكثر قدرة على بناء الحاضر، وميلاً إلى تحديث بناءها الحياتية وخلق أشكال من الطمأنينة والمؤسّسات الحديثة، هي الأكثر قدرة على القطيعة مع الماضي، بأشكال من النسيان والغفران والتجاوز والمصالحة مع “المرتكبين”.
لم يتمكّن الآشوريون السريان والأرمن من “هندسة النسيان”، لأن فواعل سياسية وثقافية وديموغرافية متناهية الخصوصية، ما تزال تعمل على مركزة الإبادة في الذاكرة الجمعية لأبناء الجماعتين، وإبقائها حاضرة وحيوية في الراهن، وتالياً رفع سوّيتها وقدرتها على الإطاحة بكلّ إمكانية أو محاولة لتجاوزها، ولو نسبياً، وبذا تصعب مغادرة الكرد لما هم فيه من مكانة بالنسبة إليهم. هذا ما لا تعيه النُخب الكردية، الثقافية والسياسية والاجتماعية، وغالباً لا تريد وعيه، مكتفية بالعبارات المُقتضبة والمريحة “لا يحبّوننا لأنهم لا يحبّوننا”.
إقرأوا أيضاً:
التهاب في الذاكرة
كانت الإبادة العثمانية آخر مرويات “سيرة البراءة”، التي تتداولها كلّ الجماعات المسيحية تقريباً في دواخلها بشكل غير معلن، السيرة الكلية الكبرى عما “عاشته من قهر وتهميش في ظلال غلبة المسلمين وهيمنتهم عليهم”.
لأجل ذلك، فإن التخلّي عن سردية الإبادة هو بمعنى ما، خطوة في اتّجاه تبديد السيرة الجماعية التاريخية الكلية، وكلّ ما يترتّب عنها. في ذلك استعصاء شديد، لأنه يتطلّب نسفاً كاملاً ومطلقاً لما اعتاد أبناء الجماعات المسيحية في هذه البلدان أن تسمّيه “الحقيقة التاريخية”. فعملياً، لا تتمكّن الكتل البشرية من التخلّي عما تعتبره “الحقيقة التاريخية”، لأن هذه الأخيرة هي المصدر الأكثر فاعلية في تأطير ترابطها واستمرارها في مسار التاريخ، أو ما تعتقد أنه كذلك.
عامل إضافي آخر يزيد من صلابة حضور هذه الذاكرة الأليمة واستمراريتها في الوجدان الآشوري الأرمني، هو الآلية التي صُفّيت بها “قضيّة الإبادة”، إذ شابها الكثير مما سُمي في إسبانيا ما بعد الحرب الأهلية وانتصار الجنرال فرانكو في ثلاثينيات القرن المنصرم بـ”السلام غير المُشرّف”.
الآشوريون والأرمن يمتلكون مرارة خاصّة تجاه هذا التفصيل، لأنه، وفوق الإبادة والإخراج من التاريخ، لم يتلقّوا أي اعتبار وتقدير من الفاعلين، سواء كدول وأحزاب سياسية أو جماعات أهلية، من أتراك وكرد وجركس ولاز، وكلّ المنخرطين الآخرين. لا على شكل محاكمات وعقوبات لبعض الفاعلين الأفراد، ولا أي نمط من الاعتراف والاعتذار، وطبعاً دون تعويض أو إعادة تشكيل للحقوق حسب ما جرى.
فالحنق الآشوري الأرمني متأتٍ في بُعد منه من فوقية الفاعلين، من عدم التفاتهم إلى سوء العدالة وفقدان الوجدان، ولو بعد سنوات وعقود. ولأجل ذلك يصنّفون ما حدث كسمة متجذّرة في ذوات الفاعلين، فحتى أبلغ مثقّفي الجماعة الغالبة حساسية، وحتى أكثر أحزابهم يسارية، استنكفوا وما تجرّأوا على قول ما يجب قوله، من حقائق وأدوات معالجة.
ذاكرة الإبادة المريرة بقيت كثيفة الحضور في الذاكرة الجمعية للآشوريين والأرمن، لأنها ما تزال شديدة الفاعلية. فجناحا جُرم الإبادة، الفاعلون والضحايا، ما يزالان يتقاسمان الحاضر، ملكيات القرى، وأسماء البلدات، وهوّيات مدن، وتابعية الأراضي الجغرافية، مزاحمة سياسية وصراعاً ثقافياً شديد الفاعلية حول “أصحابها التاريخيين”، أصلها وملكيتها، وحقّ كلّ طرف فيها، بين الآشوريين والأرمن من طرف، ونظرائهم الكرد من طرف آخر.
فما حدث لم يُنهِ التاريخ ومستقبل الجغرافيا بـ”الضربة القاضية”، بل أبقى “أيتاماً” كُثراً، مُجبرين على اجترار ما حدث مرّات لا تُحصى، واتّهام الماضي بالتسبّب بكلّ مرارات “اليتم” الذي صاروا عليه، وعدم وعي الحاضر إلا باعتباره نشوزاً عن السياق الاعتيادي، الذي كان له أن يستمرّ ويخلق حياة أكثر عدالة بالنسبة إليهم، لولا تلك الإبادة.
فكما هي صورة أتاتورك في كلّ المؤسّسات والمرافق والفضاءات العامّة في تركيا، ببزّته العسكرية وأقواله المثالية ونظراته الثاقبة، تُذكّر كلّ كردي في تركيا الحالية بالانتصار الذي حقّقه الأتراك بقيادته مع مؤيّديه وانهزم فيه الكرد، وصار ذلك سبّباً لكلّ مأساة كردية لاحقة، فإن ذاكرة الإبادة تلاحق الآشوريين والأرمن بطريقة معكوسة، تنظر إليهم كلّ حين، تحقن كلّ تفصيل من معاشهم الراهن بالمرارة، تخبرهم أن حياتهم التعيسة حالياً، هي النبتة الطبيعية لبذرة الإبادة التي كانت.
أصول “الفزع الكردي”
تجاه كلّ ذلك، ليس للكرد بالذات نخبهم الثقافية والسياسية والاجتماعية، إلا أدوات مبتسرة، لا تليق بهذا الوجع المستدام لجيران وشركاء تاريخيين، عايشوهم طوال قرونٍ لا تُعد. ولا تليق بأية نزعة تحديثية وحقوقية، يعتبر الكرد أنفسهم روّادها في المنطقة، باعتبارهم الجماعة الأكثر تعرّضاً للغبن والقهر طوال قرن كامل مضى.
فالرد الجمعي الكردي، بأغلبيته شبه المطلقة، يلوذ بمزيج من التلفيق والنكران والفوقية عن تناول ما جرى في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، أو ما تلاها من علاقات ثنائية مختلّة وغير ودّية. فمثل نكران الإبادة والمشاركة فيها، يفعل الوعي الجمعي الكردي أشياء شبيهة مع كلّ التبعات اللاحقة، يستنكر النقمة والسلبية التي يحملها أبناء الجماعتين الآشورية/ السريانية والأرمنية تجاههم، يمارس الفوقية في تناول الحدث، كفعل هو الأكثر تأثيراً وإيلاماً في وجدان نظرائهم.
إهمال الكرد لحدث تأسيسي في وجدان جيرانهم، حتى أنه هندس كلّ حياتهم المعاصرة، وشبكة علاقاتهم وروابطهم الثقافية والاجتماعية والسياسية مع كلّ الجوار، هو نوع من “الإبادة المستمرّة”، لأنه يستنكف عن تفكيك الماضي، وبذا يمنع تجاوزه، ويوصل رسالة شديدة القسوة للضحايا، تقول باختصار “لم يحدث ما يجدر الالتفات إليه”، وبذا يرفع أية قيمة عما أُريق من دماء.
فالمكتبة الثقافية والخطاب السياسي والمروية الاجتماعية الكردية فقيرة للغاية في تناول ما جرى، إلا بما يُطابق رؤيتها الوظيفية. إذ لا يكاد المتّتبع أن يعثر على مثقف أو باحث كردي واحد تناول ما حدث بموضوعية اعتيادية، عبر استخدام أدوات المعرفة الحيادية، دون موقف وتطلّع مسبق. فكلّ السرديات الكردية تنقصها “الشجاعة الإنسانية”، لو صحّ التعبير. فهي تأخذ المصالح والإيديولوجيات القومية في الاعتبار أوّلاً، وعلى ذلك الأساس تبني قراءتها. الأحزاب والقوى السياسية الكردية تملك انزياحاً دائماً إلى التطلّعات القومية، وحسبها وبسببها لا تخوض ولا تقول شيئاً ذا قيمة في المسألة الآشورية السريانية والأرمنية، لاعتقادها بأن ذلك قد يمسّ خيالها وافتراضاتها القومية. وإلى جانبهما ثمّة البنية الاجتماعية، الكارهة بعامّتها لما “يلوّث مخيّلتها ورؤيتها” عن ذاتها، ولذلك تتطابق مع ما في جُعبة المثقّفين والسياسيين من رؤى.
يملك الكرد ترسانة كبرى من الحجج والأدوات التي تساعدهم على نكران ما جرى وإهماله. هي، لغير مصادفة، مطابقة لما يحمله نظرائهم العرب والأتراك والفرس تجاههم هم، الناكرين والمهملين والمُبدّدين لحقيقة كبرى، هي الغبن والإبادة التي لحقت بالكرد وحطّمتهم طوال قرن كامل، تسبّب بها فاعلون عرب وأتراك وفرس.
فما يمارسه الكرد برؤيتهم وسلوكهم تجاه واقعة “الإبادة الآشورية السريانية والأرمنية”، والتهم الواسعة التي تطالهم، مستنبطاً بالكامل من “قاموس المنطق القومي في النكران”، حيث، وفي جميع الوضعيات، ثمّة جماعة قومية خائفة على حاضرها، وبذا تُنكر ما فعلته في الماضي. فالأتراك والعرب يعتقدون أن الاعتراف والإقرار بما لحق الكرد من إبادة على أساس الهوّية القومية سيتبعه مطالب في الجغرافيا والسياسية الراهنة، وتالياً سيحجّم ما يعتبرونه “حصّتهم من الأرض”، في وقت تملأهم تطلّعات متكالبة لتوسيع ما هو في حوزتهم، غارقين في سرديات وفضاءات إيديولوجية تقول لهم كل حين “إن ما حصلتم عليه هو أقلّ بكثير مما تفترضه العدالة”، وإن الآخرين استولوا على ما كان حقّهم من بلدان وجغرافيات.
فالكرد في الراهن مصابون بعقدة فقدان السيادة على أية بقعة جغرافيا مما يعتبرونه أرضهم التاريخية وحقّهم، الشيء الذي بذلوا كلّ شيء في سبيل تأكيده أوّلاً وتحقيقه ثانياً. لذا يعتقدون أن الاعتراف بالذنب أو الإقرار بالمشاركة في الإبادة الأرمنية الآشورية السريانية، سيُفقدهم إمكانية ضمان ما يسعون إلى تأكيده راهناً، حقّهم وملكيتهم وسيادتهم على الأرض، وسيمنعهم مستقبلاً من تحقيق ما يصبون إليه، لأنهم سيصبحون مثل الآخرين، “مثل أعدائهم”، مجرّد منخرطين في آلة كبرى اسمها “إبادة الآخرين”.
ثمّة في باطن اللا وعي الجمعي الكردي، مثل باقي الجماعات القومية، الكثير من التفكير والإيديولوجيا المفضّلة للمصلحة الذاتية النازعة إلى الاستحواذ، يفضّلونه على أية حقيقة غير مواتية ومطابقة للمصالح والمخيّلة الذاتية عن التاريخ والحاضر، أو أية حقوق عادلة للآخرين.
فالقوميون الكرد، مثل غيرهم من القوميين، نازعون تجاه قراءة وفهم وظيفي للتاريخ والحقائق، حسب تطلعاتهم. حتى إنه، وبسبب كثافة استخدام المنطق الوظيفي للتاريخ، صار هذا الأخير مطابقاً لمصالحهم ورؤيتهم، التي حوّلوها إلى حقائق وبداهات، يصعب حتى تحطيمها وتفكيكها بأي شكل، وبسببه صاروا ميالين، مثل غيرهم من القوميين، إلى كلّ أشكال العنف اللفظي والتخوين الوطني والقومي تجاه كلّ من يحاول نقض مخيلتهم عن الماضي والحاضر وتفكيكها، خصوصاً لو كان هذا الفاعل من البنية القومية نفسها لهذه الجماعة القومية.
أربعة أقدام لأخطبوط النكران
خلال سنوات، ومثل غيرهم من القوميين، شيّد الكرد استراتيجية وترسانة من “النكران والإهمال” حول الإبادة الآشورية/ الأرمنية، مبنية على أربع مستويات وأدوات، يمكن عبرها تفنيد أية مذبحة أو إبادة جماعية حصلت عبر التاريخ وتفكيكها وإنكارها وإهمالها، لأنها أدوات وألعاب عقلية مجرّدة، وليست معالجات وأدوات تعامل موضوعية مع ما حصل.
أوّلاً: “هم كانوا السبب”
يروي الكرد، بالذات ساستهم ومثقّفوهم، حوادث ومجريات تاريخية لا تُعدّ، تؤكّد كلّ واحدة منها أن المتمرّدين والتنظيمات الأرمنية هي التي بدأت عمليّات الاغتيال والعنف ضدّ الكرد. شبيهة بما بقيت الآلية الدعائية البعثية تلاحق بها الحركة التحرّرية الكردية في العراق، متّهمة قوّات البيشمركة بالتسبّب في حدوث الصِدام أوّلاً، مسمّية إيّاهم بـ”العصاة”. أو ما فعلته الدعاية التركية تجاه المقاتلين الكرد، التي تسمّيهم “الملاحدة الماركسيين”.
بغضّ النظر عن خطأ أو صحّة الكثير من المرويات الكردية تلك، تبقى الأسئلة الحصيفة حاضرة على الدوام: ماذا كان موقع الأرمن والآشوريين السريان في الدولة العثمانية وقت اندلاع الأحداث؟ ألم يكونوا مجرّد مواطنين في دولة شديدة العسكرة والعنف؟ حتى تنظيماتهم المسلّحة (يصحّ ذلك على الأرمن نسبياً ولا يصحّ على الآشوريين السريان مطلقاً) ألم تكن في المحصلة مجرّد حركات تحرّر من إمبراطورية آيلة للسقوط، وفقط في وضعية الدفاع عن النفس؟ وحتى لو ارتكبت أفعالاً هنا وهناك، هل توازي تلك التصرّفات ما طالهم من إبادة ماحقة، من الجيش العثمانية والفرق والجهات الكردية المتعاونة معه؟
لكن، وقبل كلّ شيء، هل حقّاً بدأت الإبادة في العام 1915، لنحدّد ما هو أوّلاً وما هو ثانياً؟ أم أن الإبادة كانت شيئاً مستمرّاً طوال عقود؟ يُمكن لأي باحث مبتدئ أن يعثر على الكثير من الأهوال عما لحق بهاتين الجماعتين القوميتين، قبل عقدين من الإبادة، أو ما عُرف تاريخياً بـ”الإبادة الحميدية 1894-1896″، والسؤال الأكثر وعورة: هل طالت الإبادة المتمرّدين والتنظيمات السياسية الأرمنية والآشورية السريانية؟ أم طالت شعباً كاملاً، بأطفاله ومدنييه ونسائه وبناه الإنسانية الشاملة؟
ثمّة ما يطابق كلّ ذلك، ويمكن ردّه بالأدوات نفسها، في الوضعية العربية/ الكردية في العراق. فالعراقيون “العرب” يُنكرون بأغلبيتهم ما حدث بحقّ الكرد في نهاية الثمانينيات “حملة الأنفال”، وفي لحظات الحصار بالحقائق، يردّدون ببساطة “هم فعلوا وتسبّبوا في ذلك”، متجاوزين أشكالاً من البديهيات المنطقية، مثل أن قوّات البيشمركة كانوا مجرّد تنظيمات بأسلحة شديدة البساطة، وفقط تدافع عن نفسها ووجودها، قُبالة دولة استخدمت أسلحة الطيران والإبادة بالأسلحة الكيماوية. كانوا حركة تحرّر في مواجهة دولة مشيّدة على مؤسّسات وجيوش ومصادر مالية لا تُحصى. فوق ذلك، يُنكرون أن الإبادة الفعلية لم تكن لحظة تنفيذ “حملة الأنفال” في أواخر الثمانينيات، بل سبقتها بسنوات كثيرة، حينما أنكرت الدولة العراقية وجود شعب كردي في هذه البلاد، وفعلت كلّ شيء ثقافي وسياسي وعسكري وإداري لتحويل ذلك الادّعاء الباطل إلى حقيقة وبداهة. ومثله أيضاً السؤال البديهي: هل حقّاً كانت “حملة الأنفال”، ومثلها تجارب الإبادة التي لا تُعدّ، تستهدف أقلّ من عشرة آلاف مقاتل في قوّات البيشمركة؟ أم البنية السكانية والمدنية الكردية من كرميان وكركوك وحتى بهدنيان، مروراً ببارزان والكرد الفيليين في بغداد؟
ثانياً: “التسطيح البهيّ”
حينما يبدأ الحديث حول ما جرى، يشحذ الكرد ما يمكن توصيفه بـ”حديقة البهاء”، حكايات لا تخلص عن التعايش والحبّ والشراكة ووحدة المصير، جمعتهم بنظرائهم الآشوريين السريان والأرمن في تلك الأوقات. إذ لا تكاد عائلة أو عشيرة كردية واحدة تخلو من حكاية مركزية في ذاكرتها الجمعية، تتحدّث عن جدّ تزوّج امرأة أرمنية، أو عمّ حمى وربّى طفلاً سريانياً شريداً، أو أقرباء كان جيرانهم الأرمن والسريان بمثابة أفراد من أسرهم، زعماء عشائر استضافوا عائلات أرمنية وسريانية… وهكذا.
إذ، حتى وإن صحّ الكثير من تلك المرويات، بحكم المعايشة الحياتية، فإنها لا تطرح ولا تُتداول في الأوسط الكردية بكثافة دون وظيفة ما، هي الرغبة في نيل شهادة “لا حكم عليه” تاريخية عما جرى. فتقديم تلك الصور والمرويات البهيّة، تتقصّد نفي الجانب المعتم مما جرى، نكران أن يكون العكس هو ما جرى.
فإذا كانت كلّ تلك المرويات صحيحة، ويجب تثبيتها كأجزاء من اللوحة الكلية لتاريخ المنطقة، ثمّة أسئلة حصيفة، لا يمكن للمروية البهيّة القفز عنها: لماذا مثلاً ثمّة على الدوام “جدّة أرمنية أو سريانية”، وليس من حكاية واحدة كان الجدّ فيها آشورياً سريانياً أو أرمنياً، والجدّة كردية؟ ولماذا الطفل الشريد الضائع دائماً أرمني آشوري، بينما الحامي هو كردي؟ أوليست كلّها دلالات في أسوار حكاية المغالبة التي مارستها جماعة ضدّ أخرى، حوّلت علاقة الطرفين إلى منتصر ومهزوم، مرتكب وضحيّة؟
قبل ذلك، لماذا ليس في الذاكرة الجماعية الكردية ما هو غير ذلك؟ أين كلّ الحكايات اليومية والحياتية التي تؤكّدها الوثائق والمؤشّرات، حكايات جيران أبادوا جيرانهم، قرى وأرياف ومدن تحولت إلى مجرّد أطلال، ملايين البشر الذين اختفوا فجأة من السجلّ المدني للتاريخ، حكاية شعب كان هنا طوال عشرات القرون، ثم فجأة، وببساطة، لم يبقَ منه أحد؟ (يا رب السماوات!).
هذا التسطيح يبتغي النكران، تغليف الجرح دون معالجته، شيء شبيه بمرويات الناكرين العرب للإبادة الكردية، الذين يقولون إن جيرانهم الكرد في مُدن وسط العراق وجنوبه، كانوا أحبّ الناس بالنسبة إليهم، دون أن يسألوا “لكن لماذا كان ثمّة منفيون كرد في جنوب العراق ووسطه وليس العكس”، أو ضبّاط جيش عراقيون “عرب” لا يملّون من سرد حكايات رأفتهم بالسجناء والقرويين الكرد، دون أن يُخبروا أحداً “لماذا الرأفة أساساً، أوليست كلّ رأفة دلالة على غلبة؟”، ولماذا ثمّة دوماً سجّانون عرب ومساجين كرد، وليس العكس؟ أو مرويات الميسورين العراقيين العرب، الذين يشيدون بأخلاق العمّال الكرد ووفائهم، دون أن يقولوا لنا “لماذا كان الكرد في هذه البلاد دوماً عمّالاً وليسوا ملّاكاً؟”، وقبل كلّ ذلك، أين هي حكايات عشرات الآلاف من الكرد الذين قضوا في المقابر الجماعية، وسجن “نقرة السلمان”، والفروع الأمنية في كركوك والسليمانية؟ لماذا ليس من قصّة واحدة عنهم في هذه الذاكرة الجماعية العربية؟ أوليست كلّها في المحصّلة تأكيداً لما يُحاول نكرانه؟
ثالثاً: “لم نكن نحن بل الدولة”
أما الكرد الذين يتقدّمون خطوة نحو الأمام، ويعترفون بحدوث إبادة جماعية طالت أبناء القوميتين، وبعد أن يُقرّوا بمشاركة ما للكرد فيها، أو مشاركة لبعض الكرد فيها، فإنهم يُغرقون إقرارهم بفيض من المقدّمات والأحاجي التي ترى أن بعض الكُرد المشاركين كانوا مجرّد “تابعين وعملاء” لجهاز الدولة العثمانية وجيشها وتطلّعاتها، رافعين عن ذواتهم الجمعية عملياً أي إقرار بالذنب والمسؤوليّة. مضيفين أن الكرد لم يكونوا دولة وقتئذ، ولم يكن من ذات أو حزب أو جهة سياسية كردية فعلت ودفعت نحو ذلك.
يتطابق ذلك مع “الخطّة التقليدية” التي مارستها كلّ الجماعات القومية والدينية في مراحل ما بعد انخراطها في الإبادة، إذ تُحيلها إلى جهاز أو سلطة أو إيديولوجية أو حزب أو قائد ما، تغسل يدي الجماعة الكبرى من اللوثة اللعينة بهذه الأحجية المُبسّطة، وتدفع عن نفسها ما قد يلوّث ذاتها الكلية.
عرب عراقيون مثلاً، رأوا في ما جرى بحقّ الكرد بأنه مجرّد “جرائم حزب البعث”، الذي يظهر وكأنه نزل من المريخ ومارس هذه الإبادة بحقّ الكرد وغادر. دون أن يخبروننا كيف ولماذا غالبية واضحة منهم انخرطت في حزب “البعث العربي الاشتراكي” المجرم هذا، وحتى بعد عقود من سقوطه، بقيت تقدّس زعيم حزب “البعث” هذا صدّام حسين؟!
شيء شبيه بما وجده “مسلمون” في الإبادة الإيزيدية، باعتبارها مجرّد “أفعال فئة ضالّة”، دون أن يُخبروا أحداً عن المصادر الفكرية والعقائدية التي استندت إليها هذه الفئة في تنفيذ أفعالها! أو لماذا مثلاً لم تشهد الفضاءات الثقافية والإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي في العالم الإسلامي تنديداً بتلك الجرائم التي نفّذتها “فئة ضالة”؟ ولا بحثوا عن المخيّلة والمقولات والأيديولوجيا الدينية التي دفعت أشخاصاً “مسلمين” كانوا جيراناً للأيزيديين قبل الواقعة بليلة واحدة، ثم في اليوم التالية نهبوا بيوت جيرانهم وسبوا نسائهم وأبادوا رجالهم؟
يحمل الكرد العبارة المُقتضبة “لم نكن دولة وقتئذ”، ليدفعوا عن أنفسهم أية مسؤوليّة، لينكروا حقيقة العقل الجمعي الكردي، الذي كان في كلّ أبعاده عقلاً سياسياً يعرف مصالحه وموقعه في تلك اللحظة من التاريخ. فخلا بعض الاستثناءات، كان ذلك العقل السياسي يتطلّع إلى إخلاء الجغرافيا “الكردية” من غيرهم، كان محمّلاً بكلّ قيم الاستحواذ واستراتيجياته، متطلّعاً للاستيلاء على أملاك الآخرين وذواتهم، وبذا فعل كلّ شيء لإخراجهم من الحاضر والمستقبل. وإن كان الفاعلون الكرد “مجرّد أفراد”، فلماذا مثلاً لا تحتفظ الذاكرة الغنائية والثقافية والاجتماعية الكردية بأية نعوت أو المواقف السلبية تجاههم، بل يكاد العكس أن يكون صحيحاً؟ ولماذا ثمّة “صمت عامّ” عما فعله هؤلاء الأفراد؟ فالكرد مثلاً شعب مُتخم بالأغاني والأناشيد الشعبية، ليس في تراثهم الغنائي هذا أنشودة واحدة تُندّد بقاتل كردي شنّع بجاره الأرمني الآشوري.
رابعاً: العدمية
أخيراً، وحينما يفقد العقل الإنكاري كلّ أدواته الموضوعية، يذهب إلى أعلى درجات التلفيق، المتمثّل بتجريد ما حدث. فأي مُناقش كردي قد يردّ على الآخرين بالقول: “لكنهم أيضاً كانوا سيفعلون ذلك، لو انتصرت روسيا على الدولة العثمانية في الحرب”.
يتضمّن هذا المنطق كلّ أشكال الخديعة، لأن يسحب الواقع والمجريات لصالح ما هو مفترض ومتخيّل، ويخلي التاريخ من كلّ وقائعه الملموسة، ليكون مجرّد ساحة كبرى لصدام الأفكار والافتراضات.
فلو صحّ ذلك كأداة للدحض والنكران، لأصبح المرتكبون والضحايا متساوين على الدوام، مع فارق أن هؤلاء الأخيرين فقط لم يستطيعوا أن يكونوا مرتكبين. ولغدت كلّ القضايا والأحداث أشياء خالية من أية قيمة أو معنى، لأنها تساوي الحياة والحدث والمعاش مع الافتراض والمتوقّع. تساوي مجرماً هاجم مدرسة ابتدائية وفتك بدماء طلّابها، بهؤلاء الطلّاب أنفسهم، الذين فيما لو كبروا، يُمكن لبعضهم أن يصبح مجرماً، حسب ذلك المنطق الأرعن.
المنطق العديم يعترف بالضلوع في الإبادة، لكنّه يعتبر ذلك فعلاً اعتيادياً ومقبولاً أخلاقياً، لأنه حامى عن الذات الجمعية، ودفع ما قد يلاحقها من مصائر شبيهة مفترضة. المنطق العدمي ليس إنكاراً عادياً للإبادة، بل هو نوع من الانخراط المستدام في الإبادة، لأنه يحوّلها إلى “شيء عادي”، وغالباً “فرض أخلاقي”.
البئر الحرام
تنحدر العائلة الممتدّة لكاتب هذه السطور من قرية تسمّى دودان، وتبعد بضعة كيلومترات إلى شمال غربي مدينة القامشلي. جنوب تلك القرية، ثمّة بئر تسمّى “البئر الحرام”.
لا تستخدم نساء القرية ماء تلك البئر، لمروية يتداولنها منذ عقود، تقول إن القتلة الذين كانوا يعترضون قوافل التسيير/ الإبادة الأرمنية الآشورية/ السريانية، وبعدما كانوا يُمارسون أفعالاً جُرمية بنساء القوافل، كانوا يقتلونهن ويلقون بجثثهن في تلك البئر.
حتى أوقات قريبة، بقي مسيحيون سريان وأرمن يتردّدون على قريتنا تلك، بُحكم الأعمال التجارية والاقتصادية، مثل عائلة قوج وغيرها، يمرّون بالقرب من تلك البئر، يتخيّلون ويتذكّرون ما حدث، لكن دون أن يسألهم أحد يوماً “ما الذي تشعرون به؟”.
إقرأوا أيضاً:













