“لا أربعون ولا عام ولا عمرُ/ الآن صمتك في ألحاننا وترُ”
تقول الأسطورة الدينية إن الروح في اليوم الأربعين تنفصل نهائياً عن الجسد، وقبل أن ترتقي إلى المقام المُعدّ لها، تطوف على أماكنها العزيزة لتُلقي عليها النظرة الأخيرة! اليوم هو أربعون أحمد قعبور، أتخيّل روحه الآن تحوم فوق بيروت، البحر، مار الياس، دار الأيتام، المنارة، ثم تحلّق عالياً…
لو كانت بيروت على هيئة إنسان ستكون أحمد، جسده المختصر وقلبه الواسع تجسيد حيّ لضيق جغرافيتها ورحابة فضاءاتها، بيروت المتعدّدة المتمرّدة على طوق الهويّة الأحادية، على رغم تمسّكها بخصوصياتها، التي فتحت ذراعيها لتستقبل كل المهجّرين والمهاجرين والهاربين من القمع والفقر والباحثين عن سبل النجاة، هي أحمد الفريد والكثير الذي أسكن الناس في صوته، يغنّي لهم، يُعلّي بيارقهم، يُعيد الحاجّ محمّد إلى أهله ورفاقه، ويبشّر غيمات كفرمتى برفّ من الحمام، ويأخذ أهالي النبطية والخيام على جناح النغم ليسلّموا على الليطاني.
في أكثر الصور دلالة على هذا التماهي، انتقال نعشه في ساعات وداعه الأخيرة، من بيته في مار الياس إلى مستشفى المقاصد إلى جامع الخاشقجي. ثلاثة أماكن هي في الأصل محطّات ذات محمولات رمزية عاطفية يرنّ فيها اسم بيروت في القلب مثل “خاتم ياقوت”، ليعلن على الملأ أن البيروتي خلق بيروت وجعلها حصناً وحضناً وذاكرة، كما خلق الله الجبال والكهوف المحفورة في الصخور لتصبح بيتاً أوّل للإنسان وأماناً له…
عاش أحمد حياته كلها في بيروت، مؤثّراً في زمانها كما في مكانها، كتب تاريخها وحاضرها وجغرافيتها بالموسيقى، وثّق معالمها وملامحها باللحن الحنون والصوت العذب، مستحضراً حكايات قدس أقداسها مار الياس، وشفيعها الخضر حارس أبوابها السبعة، ولألأة المينا وحرش العيد وأشجار الرمان وبيارق رمضان والمسحّر، وحين غنّى “مطرح ما بدك روح بيروت هي الروح” صارت هذه الجملة الموسيقية؛ على بساطتها، شاهداً شعرياً مستمرّاً في الزمن، يملأ الدنيا ويشغل الناس كأحد أبيات المتنبّي…
شعراء كثر تغنّوا ببيروت، محمود درويش في “مديح الظلّ العالي” بدا ملتاعاً لفراقها، نزار قبّاني سمّاها “ستّ الدنيا”، فيروز خلّدتها بأغنياتها، لكنّ هذا الإرث الإنساني يبقى؛ على قيمته الإنسانية والجمالية، أقرب إلى انطباعات سائح مرّ على مكان فسحره، مقابل الكنوز التي استخرجها أحمد من أعماق شواهدها الإنسانية، من “علّوا البيارق” إلى “ما عندي مينا”.
كل ما غنّاه أحمد لبيروت لم نكن نعرف أنه أصيل إلى هذا الحدّ لو لم يغنِّ له. أحياؤها وشوارعها وبحرها وعالمها الصغير بحجم البوسة على الخدّ، تمثّلات أخرجتها لنا أغنياته من أشكالها المادّية العادية إلى هيئاتها العاطفية الحميمية، فعرفناها ورأيناها بعين ثالثة أو أذن ثالثة…
في الفاصل الإعلاني الذي كانت تبثّه “إذاعة الشرق”، تتوقّف الموسيقى ليرتفع صوت يقول: “والحكي أحلا من الشوفة”، كانت هذه العبارة المختصرة التي ابتدعها أحمد قعبور، ترجمة ذكيّة لما قاله بشّار بن بُرد “الأذن تعشق قبل العين أحياناً”، وبشّار بن بُرد كان شاعراً أعمى وكانت أذنه تنقل إلى قلبه الحبّ الذي لا تراه عينه، ونحن في وقت ما، أعمتنا القضايا السياسية عن رؤية بيروت على حقيقتها، فجاء أحمد ليقدّمها لنا سماعاً، بصوته الذي يتدفق مثل شلّال عاطفي من أقاصي روحه ليصبّ في خاطرنا المكسور عنها فيجبره، وليكشف لنا قدرة الأذن على تنزيه القلب بين مقامات العشق وطبقاته.
إقرأوا أيضاً:
صحيح أنه لا يمكن تشبيه الأصوات بالمدن، لكنّ صوت أحمد يشبه شخصيّة بيروت العاطفية، هو مثلها فيه مسحة من الحزن “لكن مو حزين”، وفيه فرح يقفز على حبال الصوت لكن كطير يرقص من شدّة الألم، وفيه صفاؤها الذي يفطر القلب ثم يُعيد جمعه، وفيه مرونة تحوّلاتها التي تجرّنا إلى أقصى حدود الدهشة، وتتركنا هناك نتأرجح بين السكرة والفكرة… ربما لن تعرف الأجيال القادمة هذا الجانب من شخصيّة بيروت، ولن يكون لديها وقت للبحث عنه، لكنّ صوت أحمد سيرشدها إليه…
تشوّه وجه بيروت كثيراً على مرّ الأوقات ومُرّها، وأكلت الحروب والثورات التي شهدتها بعض هويّاتها، لكن هويّة أحمد قعبور الفنّية البيروتية لم تتغيّر، ظلّت موسيقاه كـ”مسحة رسول” تمرّ فوق جراحات المدينة فتشفيها، وحين يُصدر أغنية جديدة لها أو عنها يفتح سيرة حبّها مجدّداً، يُعيد الفؤاد إلى منزله الأوّل.
ومثلما كانت “بيروت زهرة في غير أوانها” كذلك أحمد، كان حضوراً زاخراً وبنياناً إنسانياً قائماً على الرهافة والوداعة وصدق المشاعر ولطفها، وشفافية الأحلام وصراحة المعنى، وفي غير أوانه.
لم يدخل أحمد في حروب مع أحد، لم يستسغ المواجهات ولا الجدال في السياسة، وحين اتّهموه بالابتعاد عن اليسار، قال لنا “بل إن اليسار هو الذي ابتعد عن قيمه، أما أنا فبقيت وفياً لمعاني الحقّ والعدل والمساواة”.
وفّر صوته للغناء وقلبه للحبّ، وجعلنا نكتشف أن السلّم الموسيقي هو نفسه سلّم القيم، ولطالما ردّنا حسّه المدني بقرائنه البيروتية النبيلة إلى لبنانيتنا، وكم مرّة أوحى لنا عقله المديني أن الحياة لشدّة بساطتها لا تستحقّ تعصباً ولا مبالغات ولا انتفاخات، وأن الأنا هي الآخر وشرطه، وأن الإنسانية أسمى من الحزبية والطائفية.
في لغة الحبّ، بيروت المدينة وأحمد الفنّان هما قيس وليلى وكل ما كان بينهما من مشاعر وشعر… من رأى بيروت التي يحبّها وتحبّه كيف تفتح ذراعيها له وتفرش أمامه زمانها ليعبره؟ هي المأخوذة بوقع خطواته، وهو المكتفي بصفته بيروتياً عتيقاً…
أراه جالساً على شرفة بيته في الحيّ البيروتي وإلى جانبه رفيقة عمره إيمان، نحكي عن الفالس العربي والموسيقى الإيرانية، عن صوت سعاد محمّد “الباكي”، يبذل جهداً لطيفاً لمحو أمّيتي الموسيقية، وبالروحية نفسها ننتقل للحديث عن تاريخ الداعوقية البيروتية ومفروكة النبطية، وعن أشياء محمّد عيتاني البيروتية التي لا تموت، عن فلسطين وغزّة والجنوب، عن انتصاراتنا الصوتية وهزائمنا المكتومة، ونتفادى الحديث عن المرض…
وأرى في ما أرى الرشيدي (والد أحمد) بطربوشه العثماني وبدلة “السموكينغ” السوداء وربطة العنق المعقودة على شكل جناحين، يتأبّط الكمنجة نازلاً باتّجاه مبنى الإذاعة اللبنانية، والحاجّة فاطمة (والدة أحمد) الجدّة الظريفة بطلة فيلم حفيدها محمود “تيتا ألف مرّة”، تجلس في مقدّمة مهرجان سينمائي وإلى جانبها روبرت دي نيرو، تحكي له عن بيروت، عن بكرها الفنّان الذي لا تضاهيه في الموسيقى موهبة ولا يدانيه في العذوبة صوت.
عن اليوم الأربعين قال شاعر عراقي مغمور اسمه مسلم الجابري في رثاء صديقه يوماً: “لا أربعون ولا عام ولا عمرُ/ الآن صوتك في ألحاننا وترُ”، وقد تقول الأسطورة البيروتية لاحقاً، إن روح أحمد في اليوم الأربعين انفصلت عن جسده نهائياً لكنّها لم تنفصل عن جسد بيروت، فروحه روحها وروحها روحه… من رأى روحين حلّتا بدناً؟
إقرأوا أيضاً:














