ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أرشفة الإبادة وهي تحدث: من يملك حق رواية الموت؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في ظل التدمير الممنهج والشامل لقرى الجنوب، والذي امتدّ حتى إلى المقابر، يشهد لبنان انشغالاً صادقاً حقيقياً ومتزايداً بالحفاظ على ما تبقّى من الأرشيفات الشخصية والجماعية. أفراد، مجموعات، ومؤسسات مختلفة تسعى بشكل متسارع إلى جمع ما يمكن إنقاذه من صور ووثائق وذكريات مهدّدة بالضياع. وفي الوقت نفسه، تظهر مبادرات أخرى تحاول توثيق السرديات الشخصية للفقدان، بينما الفقدان نفسه لا يزال جارياً ولم يتحول بعد إلى ماضٍ يمكن روايته من مسافة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لطالما اعتُبرت أرشفة التاريخ الشفهي ومسرحة شهادات الحياة أفعالاً تهدف إلى حفظ الذاكرة والسعي نحو تحقيق عدالة اجتماعية، خصوصاً في سياقات اتّسمت بالقهر التاريخي والعنف البنيوي ومحاولات ممنهجة لمحو الأصوات وتجريدها من إنسانيتها. غير أن هذه الممارسات تتجاوز وظيفة التوثيق لتتحول إلى أشكال من الفعل السياسي والأخلاقي، إذ تصبح الشهادة نفسها مساحة لإعادة الاعتراف وإعادة بناء المعنى الجماعي لما حدث.

في هذا الإطار، يقدّم سياق جنوب أفريقيا مثالاً تأسيسياً، إذ ارتبطت مسارات العدالة الانتقالية بعد انتهاء نظام الفصل العنصري Apartheid بعمل لجان الحقيقة والمصالحة التي جمعت شهادات الضحايا والجناة في فضاء علني. لم تكن هذه الشهادات مجرد تسجيل تاريخي، بل شكلت طقساً جماعياً للاعتراف والمعالجة الرمزية للعنف، كما امتدت لاحقاً إلى ممارسات فنية ومسرحية أعادت تمثيل هذه الروايات، محوّلة الذاكرة إلى حضور جسدي حيّ في الفضاء العام.

وفي كندا، اكتسبت شهادات الناجين من نظام المدارس الداخلية للسكان الأصليين بعداً مماثلاً، إذ تم توثيقها ضمن مسارات الحقيقة والمصالحة. وقد ساهم هذا العمل في كشف العنف الاستعماري الممنهج الذي استهدف الأطفال وثقافاتهم ولغاتهم، وفي الوقت نفسه فتح المجال أمام تحويل الشهادة إلى فعل مقاومة رمزية يعيد مساءلة الدولة ويردّ الاعتبار الى الذاكرة الأصلية.

أما في الأرجنتين، فقد شكّلت مرحلة ما بعد الديكتاتورية العسكرية، المعروفة بـ Dirty War، نموذجاً آخر لدور الأرشفة الشفوية في مقاومة الإنكار. فقد ساهمت شهادات عائلات المختفين قسراً والناجين في بناء ذاكرة جماعية مضادة، تحوّلت إلى أساس لمؤسسات الذاكرة والفضاءات التذكارية، حيث يصبح التوثيق نفسه فعلاً ضد الإفلات من العقاب.

وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، لعبت الشهادات دوراً محورياً في عمليات بناء الحقيقة وإعادة صياغة الذاكرة الجمعية، سواء عبر المحاكم المجتمعية أو المتاحف ومبادرات التوثيق. وقد ظلّت هذه الشهادات مشحونة بتوتر دائم بين ضرورة الاعتراف بفظاعة ما حدث، والحاجة في الوقت ذاته إلى إعادة بناء إمكانات العيش المشترك.

وفي تشيلي، بعد انتهاء الديكتاتورية العسكرية، برزت أرشفة الشهادات كأداة مركزية لكشف الانتهاكات الممنهجة، إذ دُمجت في مؤسسات الذاكرة وفي مشاريع فنية وتوثيقية جعلت من الصوت الشفهي مادة أرشيفية وأدائية في آن، مقاومة بذلك محاولات الصمت والنسيان.

تُظهر هذه الأمثلة مجتمعةً أن أرشفة التاريخ الشفهي ومسرحة الشهادات لا تعمل فقط على حفظ ما حدث، بل تعيد تشكيل علاقة المجتمعات بذاكرتها وبالعنف الذي شهدته. فهي تفتح سؤال العدالة من كونه مسألة قانونية إلى كونه ممارسة متعددة الأبعاد، تُعيد الاعتبار الى الصوت، الجسد، والتجربة المعيشة، في مواجهة تاريخ طويل من الإقصاء والمحو.

غير أنّ الأطر الأخلاقية التقليدية التي حكمت تلك التجارب قد تحتاج إلى المزيد من التفكر والبحث عندما تكون الإبادة أو الحرب أو التهجير القسري لا تزال جارية. فما هي التحديات الأخلاقية المرتبطة بجمع الشهادات وأرشفتها وأدائها في ظل العنف المستمر؟ 

حين يصبح السؤال نفسه جزءاً من العنف

في ظل التدمير الممنهج والشامل لقرى الجنوب، والذي امتدّ حتى إلى المقابر، يشهد لبنان انشغالاً صادقاً حقيقياً ومتزايداً بالحفاظ على ما تبقّى من الأرشيفات الشخصية والجماعية. أفراد، مجموعات، ومؤسسات مختلفة تسعى بشكل متسارع إلى جمع ما يمكن إنقاذه من صور ووثائق وذكريات مهدّدة بالضياع. وفي الوقت نفسه، تظهر مبادرات أخرى تحاول توثيق السرديات الشخصية للفقدان، بينما الفقدان نفسه لا يزال جارياً ولم يتحول بعد إلى ماضٍ يمكن روايته من مسافة.

هذه لحظة غير مألوفة أخلاقياً ومعرفياً: فبينما يتبلور وعيٌ عالٍ بأهمية الأرشيف والتاريخ الشفهي، تجد هذه المبادرات نفسها في سباق مع الزمن ومع حجم الخسارة الهائل والمتسارع. حالة طارئة وضاغطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وخلق ديناميكية ما لمقاومة الإبادة الحاصلة. وهنا تحية احترام لكل هذه الحركة الصادقة. 

لكنها حالة لا تتيح مساحة لطرح أسئلة أساسية تتعلق بأخلاقيات الأرشفة، وبحدود الانكشاف العلني للسرديات الشخصية، وبحق الناس في الحداد قبل تحويل تجاربهم إلى مادة توثيقية أو مسرحية. هي حالة استعجال مدفوعة بنيات صافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها تضحي بمساحات “التروي” والمراجعة النقدية الذاتية، بحيث تصبح الضرورة ملحّة إلى درجة تُقصي التفكير في أثر الأرشفة نفسها على من يُطلب منهم رواية الألم وهم ما زالوا يعيشونه.

لا شك في أن كثراً يتحركون بدافع أخلاقي حقيقي، وبإحساس عميق بالواجب تجاه ما تبقّى من الذاكرة، وبحاجة صادقة الى إظهار التضامن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا لو تحوّل هذا التضامن نفسه، من دون قصد، إلى شكل إضافي من أشكال العنف؟ ماذا لو أصبحت الرغبة في الحفظ والتوثيق وتظهير العنف، جزءاً من إعادة تعريض الناس للفقدان، أو لنزع خصوصيتهم، أو لإعادة فتح جراح لم تُمنح بعد وقتها؟

فهل يمكن لأرشفة الإبادة وهي تحدث أن تتم من دون إعادة إنتاج منطق العنف ذاته الذي تحاول توثيقه؟ ومن يملك حق رواية الموت حين يكون الموت نفسه حدثاً مفتوحاً وغير مكتمل؟

الحاجة إلى مساحة للعيش داخل الفقد

في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى مساحة آمنة لإدراك ما حدث، ولتحمّل أثره، وللسماح للناس بأن يعيشوا الحداد بوصفه عملية زمنية وليس لحظة عابرة، حاجة أساسية لا يمكن تجاوزها. فالمجتمعات التي تعيش العنف المستمر لا تحتاج فقط إلى التوثيق أو التسجيل أو الأرشفة، بل أيضاً إلى حقها في التوقف، وفي الفهم البطيء لما فقدته، وفي التعايش المؤقت مع الصدمة قبل تحويلها إلى رواية أو شهادة أو مادة عامة.

نتحدث عادةً عن “احترام زمن الحداد” بوصفه مبدأ أخلاقياً، لكن في الواقع العملي يبدو أن هذا الزمن نفسه يُختصر أو يُضغط أو يُستنزف تحت ضغط الحاجة إلى التوثيق. وهكذا يتحول الحداد من حق جماعي إلى رفاهية زمنية لا تسمح بها شروط الحرب أو الكارثة أو الإبادة. وهذا الحرمان من الزمن اللازم للفهم والتعافي الجزئي يطرح سؤالاً أعمق: 

كيف يمكن إنتاج أرشيف أخلاقي في سياق يُنتزع فيه من الناس حقهم في التباطؤ أمام الفقدان؟

 تتقاطع قراءة محمود درويش للفقد مع طرح جوديث باتلر في فهم الحداد بوصفه زمنًا ممتدًا وغير قابل للاختزال أو الإغلاق السريع. فبينما يقدّم درويش في نصه “في حضرة الغياب” تجربة شعرية يجعل فيها الفقد حالة إقامة طويلة في اللغة والذاكرة، لا حدثًا يُنجَز ثم يُطوى، تكشف باتلر في Precarious Life وFrames of War  أن الحداد ليس شأنًا فرديًا محضًا، بل زمن اجتماعي وسياسي يتحدد عبر أنظمة الاعتراف بما يُعدّ حياة قابلة للحزن. في الحالتين، لا يظهر التعافي كمسار خطي أو سريع، بل كعملية مفتوحة يعاد فيها تشكيل المعنى والذات باستمرار، إذ لا يعود البطء تأخرًا عن “التجاوز”، بل يصبح شرطًا ضروريًا للاعتراف العميق بالفقد وإعادة بناء علاقة مع العالم بعد الانكسار.

الأرشيف كعلاقة قوة

لطالما قُدِّمت الأرشيفات بوصفها مستودعات محايدة للوقائع. غير أن التاريخ النقدي للأرشيف يُظهر أنها كانت، في معظم الأحيان، أدوات سلطة بقدر ما كانت أدوات معرفة. فمن يقرر ما يُحفظ، وما يُحذف، وما يُصنف، يشارك فعلياً في إنتاج التاريخ.

في حالات الحرب والتهجير، تتخذ هذه الحقيقة طابعاً أكثر حدة. فالأرشيف لا يوثق العنف فقط، بل يساهم أيضاً في تحديد من يُعترف به كضحية، ومن يُسمح له بأن يكون مرئياً، ومن يُترك خارج السردية.

في جنوب لبنان، حيث تتكرر دورات العنف والتهجير منذ عقود، من اجتياحات 1978 و1982 إلى حرب 2006 وصولاً إلى الحرب الأخيرة غير المسبوقة، التي تبيد فيها إسرائيل القرى وصولاً إلى مقابرها، يصبح التوثيق ممارسة مقاومة في وجه المحو. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً مقلقاً: هل بإمكان مقاومة الإلغاء أن تتجنّب إعادة إنتاج منطق السيطرة نفسه؟

تتقاطع هذه الإشكاليات مع ما تطرحه ليندا سميث (Linda Tuhiwai Smith)، الباحثة الماورية في دراسات ما بعد الاستعمار، والتي تؤكد في كتابها Decolonizing Methodologies أن البحث والأرشفة ليسا عمليتين بريئتين أو محايدتين، بل مرتبطان تاريخياً بمشاريع استعمارية أنتجت أشكالاً من التمثيل والامتلاك المعرفي، حيث تصبح “المعرفة” نفسها أداة سلطة. أمّا لورين جيسي Lauren A. Jessee، الباحثة في التاريخ الشفهي ودراسات العنف والإبادة، فتُظهر في أعمالها حول شهادات الناجين/ات من الإبادة الجماعية أن عملية توثيق الذاكرة ليست ممارسة محايدة، بل هي ممارسة مشروطة بعلاقات القوة التي تحدد من يُسمع صوته، وكيف يُصاغ هذا الصوت، وكيف يُعاد إدراجه داخل الأرشيف. ومن هذا المنظور، لا يُفهم الأرشيف كمستودع للذاكرة أو كفضاء حفظ بريء، بل كمجال إنتاج للمعرفة تتداخل فيه السلطة والأخلاق والسياسة، بما قد يؤدي أحيانًا إلى إعادة إنتاج أنماط الإقصاء نفسها التي يدّعي مقاومتها. في هذا السياق، يصبح الأرشيف في حالات العنف الجماعي مساحة صراع حول الاعتراف، وليس مجرد سجل تاريخي ثابت.

عندما تتحول الشهادة إلى مادة!

في السياق الرقمي المعاصر، تنتقل الشهادات بسرعة هائلة: من الهاتف إلى المنصة، من التسجيل إلى التقرير، من الحياة إلى الأرشيف. لكن خلال هذا الانتقال، تنفصل الشهادة عن صاحبها.

الطفل الذي يروي فقدان بيته يصبح “مادة توثيقية”، والمرأة التي تصف النزوح تصبح “شهادة ميدانية”، والمزارع الذي فقد أرضه يصبح “حالة”.

هذا التحول لا يحدث دائماً بفعل نية سيئة، بل غالباً باسم التضامن أو التوثيق أو البحث. ومع ذلك، فإن نتيجته قد تكون واحدة: تحويل الإنسان إلى وسيط لقصته الخاصة، لا الى شريك في مصيرها.

وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: هل الشهادة علاقة مسؤولية مستمرة، أم مورد يمكن تداوله؟

هل تكفي الموافقة؟

تعتمد أخلاقيات البحث التقليدية على مفهوم الموافقة المسبقة. لكن في سياق الحرب، تصبح هذه الفكرة محدودة للغاية.

كيف بإمكان شخص يعيش النزوح أو القصف أو عدم اليقين أن يتوقع مصير شهادته بعد سنوات؟
وكيف بإمكان أم فقدت بيتها أو أبناءها أن تتنبأ بكيفية تداول صوتها أو صورتها في فضاءات لا تملك السيطرة عليها؟

في هذه الظروف، لا يمكن اختزال الموافقة في إجراء لحظي. إنها علاقة مستمرة من المسؤولية، تمتد بعد التسجيل، وبعد النشر، وبعد الأرشفة.

السؤال الأخلاقي إذاً لا يكون: “هل حصلنا على الموافقة؟”، بل: “كيف نواصل المسؤولية تجاه من منحونا حق الاستماع؟”.

من يملك حق أداء الموت؟

تتعقد المسألة أكثر عندما تنتقل الشهادات من الأرشيف إلى فنون العرض.

في السنوات الأخيرة، ازداد الاعتماد على التاريخ الشفهي في المسرح والأفلام الوثائقية والمعارض الفنية. وقد أتاحت هذه الأعمال وصول أصوات مهمّشة إلى جمهور أوسع، وخلقت مساحات مهمة للتعاطف والتضامن.

لكنها طرحت أيضاً سؤالاً مزعجاً: هل يمكن تمثيل المعاناة من دون تحويلها إلى عرض؟

عندما تصبح قصص الموت والنزوح والفقدان جزءاً من منتج ثقافي، من يملك حق إعادة روايتها؟ الفنان؟ الباحث؟ المؤسسة؟ الجمهور؟

وماذا يحدث عندما يصبح الألم مادة جمالية؟

في جنوب لبنان، لا تزال قصص كثيرة غير مكتملة. أصحابها لم يعودوا إلى بيوتهم، ولم يستعيدوا حياتهم، وبعضهم لا يعرف إن كان سيتمكن من العودة أصلاً. لذلك، فإن تحويل هذه الشهادات إلى سرديات مكتملة قد يكون شكلاً من أشكال العنف الرمزي، لأنه يمنح معنى نهائياً لتجارب لم تنتهِ بعد.

الحق في الصمت

في أوقات الحرب، يكثر الحديث عن واجب الشهادة، لكنْ ثمة حق آخر لا يقل أهمية: الحق في الصمت. ليس كل من يعيش الحرب مطالباً بالكلام، وليس كل صمت علامة على الخوف أو الإنكار. أحياناً يكون الصمت شكلاً من الحداد، أو الحماية، أو المقاومة. وكما أن للشخص حقاً في أن يُسمع، له أيضاً حق في ألا يُستخرج منه ما لا يرغب في قوله.

الأرشيف الأخلاقي لا يُبنى فقط على ما يُقال، بل أيضاً على احترام ما يُختار ألا يُقال.

نحو أخلاقيات المرافقة

في نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بكيفية أرشفة الإبادة وهي تحدث فقط، بل بكيفية تجنّب إعادة إنتاج منطقها في فعل الأرشفة نفسه. البديل ليس التخلّي عن التوثيق، بل إعادة تعريفه: من الاستخراج إلى المرافقة، من التملك إلى المسؤولية، من تمثيل الألم إلى حماية كرامته.

في جنوب لبنان، حيث تتداخل الحياة مع التهديد، والذاكرة مع الخطر، يصبح الأرشيف اختباراً أخلاقياً مستمراً. ليس لأنه يوثق ما حدث فقط، بل لأنه يحدد نوع العلاقة التي نبنيها مع من لا يزالون يعيشون ما يحدث.

ربما يكون التحدي الأكبر هو الاعتراف بأننا لا نملك حق رواية الموت، بل فقط مسؤولية الاستماع إليه من دون امتلاكه.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…

في ظل التدمير الممنهج والشامل لقرى الجنوب، والذي امتدّ حتى إلى المقابر، يشهد لبنان انشغالاً صادقاً حقيقياً ومتزايداً بالحفاظ على ما تبقّى من الأرشيفات الشخصية والجماعية. أفراد، مجموعات، ومؤسسات مختلفة تسعى بشكل متسارع إلى جمع ما يمكن إنقاذه من صور ووثائق وذكريات مهدّدة بالضياع. وفي الوقت نفسه، تظهر مبادرات أخرى تحاول توثيق السرديات الشخصية للفقدان، بينما الفقدان نفسه لا يزال جارياً ولم يتحول بعد إلى ماضٍ يمكن روايته من مسافة.


لطالما اعتُبرت أرشفة التاريخ الشفهي ومسرحة شهادات الحياة أفعالاً تهدف إلى حفظ الذاكرة والسعي نحو تحقيق عدالة اجتماعية، خصوصاً في سياقات اتّسمت بالقهر التاريخي والعنف البنيوي ومحاولات ممنهجة لمحو الأصوات وتجريدها من إنسانيتها. غير أن هذه الممارسات تتجاوز وظيفة التوثيق لتتحول إلى أشكال من الفعل السياسي والأخلاقي، إذ تصبح الشهادة نفسها مساحة لإعادة الاعتراف وإعادة بناء المعنى الجماعي لما حدث.

في هذا الإطار، يقدّم سياق جنوب أفريقيا مثالاً تأسيسياً، إذ ارتبطت مسارات العدالة الانتقالية بعد انتهاء نظام الفصل العنصري Apartheid بعمل لجان الحقيقة والمصالحة التي جمعت شهادات الضحايا والجناة في فضاء علني. لم تكن هذه الشهادات مجرد تسجيل تاريخي، بل شكلت طقساً جماعياً للاعتراف والمعالجة الرمزية للعنف، كما امتدت لاحقاً إلى ممارسات فنية ومسرحية أعادت تمثيل هذه الروايات، محوّلة الذاكرة إلى حضور جسدي حيّ في الفضاء العام.

وفي كندا، اكتسبت شهادات الناجين من نظام المدارس الداخلية للسكان الأصليين بعداً مماثلاً، إذ تم توثيقها ضمن مسارات الحقيقة والمصالحة. وقد ساهم هذا العمل في كشف العنف الاستعماري الممنهج الذي استهدف الأطفال وثقافاتهم ولغاتهم، وفي الوقت نفسه فتح المجال أمام تحويل الشهادة إلى فعل مقاومة رمزية يعيد مساءلة الدولة ويردّ الاعتبار الى الذاكرة الأصلية.

أما في الأرجنتين، فقد شكّلت مرحلة ما بعد الديكتاتورية العسكرية، المعروفة بـ Dirty War، نموذجاً آخر لدور الأرشفة الشفوية في مقاومة الإنكار. فقد ساهمت شهادات عائلات المختفين قسراً والناجين في بناء ذاكرة جماعية مضادة، تحوّلت إلى أساس لمؤسسات الذاكرة والفضاءات التذكارية، حيث يصبح التوثيق نفسه فعلاً ضد الإفلات من العقاب.

وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، لعبت الشهادات دوراً محورياً في عمليات بناء الحقيقة وإعادة صياغة الذاكرة الجمعية، سواء عبر المحاكم المجتمعية أو المتاحف ومبادرات التوثيق. وقد ظلّت هذه الشهادات مشحونة بتوتر دائم بين ضرورة الاعتراف بفظاعة ما حدث، والحاجة في الوقت ذاته إلى إعادة بناء إمكانات العيش المشترك.

وفي تشيلي، بعد انتهاء الديكتاتورية العسكرية، برزت أرشفة الشهادات كأداة مركزية لكشف الانتهاكات الممنهجة، إذ دُمجت في مؤسسات الذاكرة وفي مشاريع فنية وتوثيقية جعلت من الصوت الشفهي مادة أرشيفية وأدائية في آن، مقاومة بذلك محاولات الصمت والنسيان.

تُظهر هذه الأمثلة مجتمعةً أن أرشفة التاريخ الشفهي ومسرحة الشهادات لا تعمل فقط على حفظ ما حدث، بل تعيد تشكيل علاقة المجتمعات بذاكرتها وبالعنف الذي شهدته. فهي تفتح سؤال العدالة من كونه مسألة قانونية إلى كونه ممارسة متعددة الأبعاد، تُعيد الاعتبار الى الصوت، الجسد، والتجربة المعيشة، في مواجهة تاريخ طويل من الإقصاء والمحو.

غير أنّ الأطر الأخلاقية التقليدية التي حكمت تلك التجارب قد تحتاج إلى المزيد من التفكر والبحث عندما تكون الإبادة أو الحرب أو التهجير القسري لا تزال جارية. فما هي التحديات الأخلاقية المرتبطة بجمع الشهادات وأرشفتها وأدائها في ظل العنف المستمر؟ 

حين يصبح السؤال نفسه جزءاً من العنف

في ظل التدمير الممنهج والشامل لقرى الجنوب، والذي امتدّ حتى إلى المقابر، يشهد لبنان انشغالاً صادقاً حقيقياً ومتزايداً بالحفاظ على ما تبقّى من الأرشيفات الشخصية والجماعية. أفراد، مجموعات، ومؤسسات مختلفة تسعى بشكل متسارع إلى جمع ما يمكن إنقاذه من صور ووثائق وذكريات مهدّدة بالضياع. وفي الوقت نفسه، تظهر مبادرات أخرى تحاول توثيق السرديات الشخصية للفقدان، بينما الفقدان نفسه لا يزال جارياً ولم يتحول بعد إلى ماضٍ يمكن روايته من مسافة.

هذه لحظة غير مألوفة أخلاقياً ومعرفياً: فبينما يتبلور وعيٌ عالٍ بأهمية الأرشيف والتاريخ الشفهي، تجد هذه المبادرات نفسها في سباق مع الزمن ومع حجم الخسارة الهائل والمتسارع. حالة طارئة وضاغطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وخلق ديناميكية ما لمقاومة الإبادة الحاصلة. وهنا تحية احترام لكل هذه الحركة الصادقة. 

لكنها حالة لا تتيح مساحة لطرح أسئلة أساسية تتعلق بأخلاقيات الأرشفة، وبحدود الانكشاف العلني للسرديات الشخصية، وبحق الناس في الحداد قبل تحويل تجاربهم إلى مادة توثيقية أو مسرحية. هي حالة استعجال مدفوعة بنيات صافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها تضحي بمساحات “التروي” والمراجعة النقدية الذاتية، بحيث تصبح الضرورة ملحّة إلى درجة تُقصي التفكير في أثر الأرشفة نفسها على من يُطلب منهم رواية الألم وهم ما زالوا يعيشونه.

لا شك في أن كثراً يتحركون بدافع أخلاقي حقيقي، وبإحساس عميق بالواجب تجاه ما تبقّى من الذاكرة، وبحاجة صادقة الى إظهار التضامن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا لو تحوّل هذا التضامن نفسه، من دون قصد، إلى شكل إضافي من أشكال العنف؟ ماذا لو أصبحت الرغبة في الحفظ والتوثيق وتظهير العنف، جزءاً من إعادة تعريض الناس للفقدان، أو لنزع خصوصيتهم، أو لإعادة فتح جراح لم تُمنح بعد وقتها؟

فهل يمكن لأرشفة الإبادة وهي تحدث أن تتم من دون إعادة إنتاج منطق العنف ذاته الذي تحاول توثيقه؟ ومن يملك حق رواية الموت حين يكون الموت نفسه حدثاً مفتوحاً وغير مكتمل؟

الحاجة إلى مساحة للعيش داخل الفقد

في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى مساحة آمنة لإدراك ما حدث، ولتحمّل أثره، وللسماح للناس بأن يعيشوا الحداد بوصفه عملية زمنية وليس لحظة عابرة، حاجة أساسية لا يمكن تجاوزها. فالمجتمعات التي تعيش العنف المستمر لا تحتاج فقط إلى التوثيق أو التسجيل أو الأرشفة، بل أيضاً إلى حقها في التوقف، وفي الفهم البطيء لما فقدته، وفي التعايش المؤقت مع الصدمة قبل تحويلها إلى رواية أو شهادة أو مادة عامة.

نتحدث عادةً عن “احترام زمن الحداد” بوصفه مبدأ أخلاقياً، لكن في الواقع العملي يبدو أن هذا الزمن نفسه يُختصر أو يُضغط أو يُستنزف تحت ضغط الحاجة إلى التوثيق. وهكذا يتحول الحداد من حق جماعي إلى رفاهية زمنية لا تسمح بها شروط الحرب أو الكارثة أو الإبادة. وهذا الحرمان من الزمن اللازم للفهم والتعافي الجزئي يطرح سؤالاً أعمق: 

كيف يمكن إنتاج أرشيف أخلاقي في سياق يُنتزع فيه من الناس حقهم في التباطؤ أمام الفقدان؟

 تتقاطع قراءة محمود درويش للفقد مع طرح جوديث باتلر في فهم الحداد بوصفه زمنًا ممتدًا وغير قابل للاختزال أو الإغلاق السريع. فبينما يقدّم درويش في نصه “في حضرة الغياب” تجربة شعرية يجعل فيها الفقد حالة إقامة طويلة في اللغة والذاكرة، لا حدثًا يُنجَز ثم يُطوى، تكشف باتلر في Precarious Life وFrames of War  أن الحداد ليس شأنًا فرديًا محضًا، بل زمن اجتماعي وسياسي يتحدد عبر أنظمة الاعتراف بما يُعدّ حياة قابلة للحزن. في الحالتين، لا يظهر التعافي كمسار خطي أو سريع، بل كعملية مفتوحة يعاد فيها تشكيل المعنى والذات باستمرار، إذ لا يعود البطء تأخرًا عن “التجاوز”، بل يصبح شرطًا ضروريًا للاعتراف العميق بالفقد وإعادة بناء علاقة مع العالم بعد الانكسار.

الأرشيف كعلاقة قوة

لطالما قُدِّمت الأرشيفات بوصفها مستودعات محايدة للوقائع. غير أن التاريخ النقدي للأرشيف يُظهر أنها كانت، في معظم الأحيان، أدوات سلطة بقدر ما كانت أدوات معرفة. فمن يقرر ما يُحفظ، وما يُحذف، وما يُصنف، يشارك فعلياً في إنتاج التاريخ.

في حالات الحرب والتهجير، تتخذ هذه الحقيقة طابعاً أكثر حدة. فالأرشيف لا يوثق العنف فقط، بل يساهم أيضاً في تحديد من يُعترف به كضحية، ومن يُسمح له بأن يكون مرئياً، ومن يُترك خارج السردية.

في جنوب لبنان، حيث تتكرر دورات العنف والتهجير منذ عقود، من اجتياحات 1978 و1982 إلى حرب 2006 وصولاً إلى الحرب الأخيرة غير المسبوقة، التي تبيد فيها إسرائيل القرى وصولاً إلى مقابرها، يصبح التوثيق ممارسة مقاومة في وجه المحو. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً مقلقاً: هل بإمكان مقاومة الإلغاء أن تتجنّب إعادة إنتاج منطق السيطرة نفسه؟

تتقاطع هذه الإشكاليات مع ما تطرحه ليندا سميث (Linda Tuhiwai Smith)، الباحثة الماورية في دراسات ما بعد الاستعمار، والتي تؤكد في كتابها Decolonizing Methodologies أن البحث والأرشفة ليسا عمليتين بريئتين أو محايدتين، بل مرتبطان تاريخياً بمشاريع استعمارية أنتجت أشكالاً من التمثيل والامتلاك المعرفي، حيث تصبح “المعرفة” نفسها أداة سلطة. أمّا لورين جيسي Lauren A. Jessee، الباحثة في التاريخ الشفهي ودراسات العنف والإبادة، فتُظهر في أعمالها حول شهادات الناجين/ات من الإبادة الجماعية أن عملية توثيق الذاكرة ليست ممارسة محايدة، بل هي ممارسة مشروطة بعلاقات القوة التي تحدد من يُسمع صوته، وكيف يُصاغ هذا الصوت، وكيف يُعاد إدراجه داخل الأرشيف. ومن هذا المنظور، لا يُفهم الأرشيف كمستودع للذاكرة أو كفضاء حفظ بريء، بل كمجال إنتاج للمعرفة تتداخل فيه السلطة والأخلاق والسياسة، بما قد يؤدي أحيانًا إلى إعادة إنتاج أنماط الإقصاء نفسها التي يدّعي مقاومتها. في هذا السياق، يصبح الأرشيف في حالات العنف الجماعي مساحة صراع حول الاعتراف، وليس مجرد سجل تاريخي ثابت.

عندما تتحول الشهادة إلى مادة!

في السياق الرقمي المعاصر، تنتقل الشهادات بسرعة هائلة: من الهاتف إلى المنصة، من التسجيل إلى التقرير، من الحياة إلى الأرشيف. لكن خلال هذا الانتقال، تنفصل الشهادة عن صاحبها.

الطفل الذي يروي فقدان بيته يصبح “مادة توثيقية”، والمرأة التي تصف النزوح تصبح “شهادة ميدانية”، والمزارع الذي فقد أرضه يصبح “حالة”.

هذا التحول لا يحدث دائماً بفعل نية سيئة، بل غالباً باسم التضامن أو التوثيق أو البحث. ومع ذلك، فإن نتيجته قد تكون واحدة: تحويل الإنسان إلى وسيط لقصته الخاصة، لا الى شريك في مصيرها.

وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: هل الشهادة علاقة مسؤولية مستمرة، أم مورد يمكن تداوله؟

هل تكفي الموافقة؟

تعتمد أخلاقيات البحث التقليدية على مفهوم الموافقة المسبقة. لكن في سياق الحرب، تصبح هذه الفكرة محدودة للغاية.

كيف بإمكان شخص يعيش النزوح أو القصف أو عدم اليقين أن يتوقع مصير شهادته بعد سنوات؟
وكيف بإمكان أم فقدت بيتها أو أبناءها أن تتنبأ بكيفية تداول صوتها أو صورتها في فضاءات لا تملك السيطرة عليها؟

في هذه الظروف، لا يمكن اختزال الموافقة في إجراء لحظي. إنها علاقة مستمرة من المسؤولية، تمتد بعد التسجيل، وبعد النشر، وبعد الأرشفة.

السؤال الأخلاقي إذاً لا يكون: “هل حصلنا على الموافقة؟”، بل: “كيف نواصل المسؤولية تجاه من منحونا حق الاستماع؟”.

من يملك حق أداء الموت؟

تتعقد المسألة أكثر عندما تنتقل الشهادات من الأرشيف إلى فنون العرض.

في السنوات الأخيرة، ازداد الاعتماد على التاريخ الشفهي في المسرح والأفلام الوثائقية والمعارض الفنية. وقد أتاحت هذه الأعمال وصول أصوات مهمّشة إلى جمهور أوسع، وخلقت مساحات مهمة للتعاطف والتضامن.

لكنها طرحت أيضاً سؤالاً مزعجاً: هل يمكن تمثيل المعاناة من دون تحويلها إلى عرض؟

عندما تصبح قصص الموت والنزوح والفقدان جزءاً من منتج ثقافي، من يملك حق إعادة روايتها؟ الفنان؟ الباحث؟ المؤسسة؟ الجمهور؟

وماذا يحدث عندما يصبح الألم مادة جمالية؟

في جنوب لبنان، لا تزال قصص كثيرة غير مكتملة. أصحابها لم يعودوا إلى بيوتهم، ولم يستعيدوا حياتهم، وبعضهم لا يعرف إن كان سيتمكن من العودة أصلاً. لذلك، فإن تحويل هذه الشهادات إلى سرديات مكتملة قد يكون شكلاً من أشكال العنف الرمزي، لأنه يمنح معنى نهائياً لتجارب لم تنتهِ بعد.

الحق في الصمت

في أوقات الحرب، يكثر الحديث عن واجب الشهادة، لكنْ ثمة حق آخر لا يقل أهمية: الحق في الصمت. ليس كل من يعيش الحرب مطالباً بالكلام، وليس كل صمت علامة على الخوف أو الإنكار. أحياناً يكون الصمت شكلاً من الحداد، أو الحماية، أو المقاومة. وكما أن للشخص حقاً في أن يُسمع، له أيضاً حق في ألا يُستخرج منه ما لا يرغب في قوله.

الأرشيف الأخلاقي لا يُبنى فقط على ما يُقال، بل أيضاً على احترام ما يُختار ألا يُقال.

نحو أخلاقيات المرافقة

في نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بكيفية أرشفة الإبادة وهي تحدث فقط، بل بكيفية تجنّب إعادة إنتاج منطقها في فعل الأرشفة نفسه. البديل ليس التخلّي عن التوثيق، بل إعادة تعريفه: من الاستخراج إلى المرافقة، من التملك إلى المسؤولية، من تمثيل الألم إلى حماية كرامته.

في جنوب لبنان، حيث تتداخل الحياة مع التهديد، والذاكرة مع الخطر، يصبح الأرشيف اختباراً أخلاقياً مستمراً. ليس لأنه يوثق ما حدث فقط، بل لأنه يحدد نوع العلاقة التي نبنيها مع من لا يزالون يعيشون ما يحدث.

ربما يكون التحدي الأكبر هو الاعتراف بأننا لا نملك حق رواية الموت، بل فقط مسؤولية الاستماع إليه من دون امتلاكه.

|

اشترك بنشرتنا البريدية