يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أرشيف رابعة: سيولة الذاكرة والدماء معاً  

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الموقع الذي حُجب بالفعل في مصر بعد 24 ساعة من إطلاقه، أصبح منذ هذه اللحظة بمثابة وثيقة بصرية، ودليل على اللحظة التي أُزهقت فيها أرواح مئات من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبرهان على أن سقوط نظامهم لم يكن فقط بلحظة اقتلاعهم من القصر الرئاسي، بل باللحظة التي جُرفت أجسادهم وأرواحهم بالجرافات أُشعلت النيران في خيامهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كان أرشيف الصور والفيديوهات التي وثّقت ساعات فضّ اعتصام رابعة، في الرابع عشر من آب/ أغسطس عام 2013، شحيحًا بالفعل. وما كان متاحًا منه اقتصر على ما بثّته القنوات الرسمية المصرية، وغالبيته يُظهر لقطات لبنادق آلية حملها بضعة متظاهرين من جماعة الإخوان المسلمين المعتصمين داخل مربّع منطقة رابعة في قلب القاهرة، فيما كان الحشد الشعبي والإعلامي والعسكري يمضي في اتجاه إسقاط حكم الإخوان. 

لكن ما نشره موقع أرشيف رابعة الذي أطلقه المصور الصحافي إبراهيم المصري، كان جرعة صادمة بالفعل، من توثيق مشاهد القتل وتساقط المتظاهرين وسط سيل الرصاص والخراطيش والقنابل المسيلة للدموع.

“أرشيف” المجزرة 

 الموقع الذي حُجب بالفعل في مصر بعد 24 ساعة من إطلاقه، أصبح منذ هذه اللحظة بمثابة وثيقة بصرية، ودليل على اللحظة التي أُزهقت فيها أرواح مئات من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبرهان على أن سقوط نظامهم لم يكن فقط بلحظة اقتلاعهم من القصر الرئاسي، بل باللحظة التي جُرفت أجسادهم وأرواحهم بالجرافات أُشعلت النيران في خيامهم.

كانت الهزيمة الكبرى لبسطاء الإخوان المسلمين جلية في قراءات الفيديوهات والصور الجديدة، وطاغية في أسئلة من عاشوا أمام الجثث التي بقيت لأكثر من ليلة كاملة داخل مسجد “الإيمان” المحاصر. كانوا يحاولون تأخير تعفّن الجثامين بتهوية المكان بالمراوح، واستخدام المعطرات لطرد الذباب الذي استقر على جثامين الموتى وهي تنزف دمًا وتفوح منها روائح كريهة، وسط أصوات البكاء وانهيار الأبدان والعزائم.

ظهرت في الفيديوهات الطائرات المروحية وهي تضرب كاميرات البث والمصورين داخل الاعتصام، لمحو الرواية الأخرى، وتجيب عمّا عشناه نحن الصحافيين في جرائدنا آنذاك: عدم تكليفنا بالتغطية في اعتصام رابعة، وترهيبنا من الأسلحة وعمليات التصفية التي كانت تطاول الصحافيين في الداخل، عوضًا عن الخوف من لحظة الحسم التي قد تأتي في أي لحظة لفضّ الاعتصام بالقوة، والقتل الذي لن يفرّق بين صحافي ومعتصم.

المواد البصرية تشمل أكثر من 244 صورة على “أرشيف رابعة”، تبوح بـ244 حكاية كانت طي الكتمان والنسيان، وعناصر هذه الصور تحكي ما حدث. حجم الإصابات ونوعها أكدا أن فض الاعتصام لم يكن حذراً كما رُوِّج له، ولم يكن بهدف التفريق، بل بهدف تلقين هؤلاء المعتصمين وذويهم درساً مرعباً لا يمكن نسيانه.

نرى في صور الضحايا ملابس داخلية وذقونًا تتساقط منها قطرات الدماء، وخراطيش ورصاصات اخترقت الوجوه والصدور. قتلى لن ينطقوا بهتاف أخير، ليس فقط بسبب القتل، لكن بسبب الشاش الطبي المحكم الذي يشدّ فكّهم إلى رؤوسهم. شباب مهشّمو الرؤوس، وفي أفواههم قطن لتعذّر توفير الشاش لإغلاق أفواههم بعد القتل، وآخرون يرتدون تيشيرتات ممزقة مكتوبًا عليها “سنحيا كرامًا”.

لا يمكن حصر المفارقات التراجيدية في تحليل الصور الفوتوغرافية، بخاصة حين تظهر لافتات “نرفض الإطاحة بالإرادة الشعبية” بالمقلوب، وكأنها التعبير المكثف عن سقوط نظام الإخوان المسلمين رأسًا على عقب، فضلًا عن الخوذات المكتوب عليها “فداء ربي وديني”، التي تسحب الاعتصام من حيّزه السياسي إلى حيّز ديني واضح ومغالٍ، ومفارقة وجود خوذات أصلًا، تُستخدم عادةً في الحروب، وليس داخل اعتصام في قلب القاهرة، عوضًا عن السواتر الرملية التي جعلت الاعتصام أشبه بثكنة حرب في قلب منطقة رابعة السكنية.

ذاكرة الاشتباك

حين رأيت العدد الهائل من السواتر الرملية في قلب الاعتصام من الداخل تذكرت تصريحات أحمد المغير، أحد قيادات الإخوان والابن المدلل للقيادي الإخواني خيرت الشاطر، وهو يملأ شاشات التلفزيون عبر مداخلاته وهو يطالب متظاهري رابعة بالصمود، على رغم ما ينتظرهم من مصير دموي: ” الناس في سوريا بتحارب الجيش بقالها 5 سنين وأدينا شوفنا فتوحات حلب الآخيرة”، وعلى رغم ذلك لم أر وجه أحمد المغير في الأرشيف البصري في لحظة الفض الدموي، لا هو ولا غيره ممن طالبوا المتظاهرين بالصمود، سوى القيادي الإخواني محمد البلتاجي.

على رغم أهمية هذا الأرشيف وصعوبة أن يطالعه المصريون، بخاصة من وافقوا على تفويض السيسي بالتعامل مع الإرهاب، إلا أن سؤالاً مهماً يفرض نفسه، هل خضع هذا الأرشيف للتنقيح للدفع نحو رواية ثانية محددة مثلما فعلت الرواية الرسمية؟

“أزمة الأرشيف” 

في الرواية الرسمية ظهر بالفعل مسلحون يحملون رشاشات آلية وبنادق ويصوبونها نحو قوات الأمن في اعتصامي رابعة والنهضة، فيما خلى أرشيف رابعة الموثق بالصور والفيديوهات من هؤلاء الملثمين حملة السلاح، والذين تسببوا في قتل 10 أفراد من رجال الشرطة في كلَي الاعتصامين (رابعة والنهضة)، وإن كان الأرشيف يستهدف توثيق أرشيف رابعة الهائل، فلماذا نُقّح؟

هذا التساؤل لا ينفي عِظَم المأساة التي حدثت في فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، لكن هذه الأسئلة هي ما يحمينا غالبًا من الاستسلام الكامل لرواية أحد الأطراف دون غيرهم، سواء كان الطرف الرسمي أو غير الرسمي، وتُلقينا أكثر في اتجاه الأصوات البسيطة، ممن يمكن تسميتهم بـ”الحشود”، الذين يُدفعون كدروع بشرية في سجال سياسي ديني، ويدفعون وحدهم أبهظ الأثمان، وهي أرواحهم.

يصعب نسيان الصورة القاسية لمحمد أحمد عوض محمد، وهو ميت وجمجمته مهشمة بالكامل، واسمه مكتوب على ذراعه باللاصق الطبي. هل كان سيبقى لو علم أن هذه هي النهاية؟ أم سيختار الممر الآمن الذي أعلنت عنه قوات الشرطة قبل الفضّ الدموي بساعات؟

ماذا عن المواطن صاحب زيّ الموظف الكادح، الذي رقد رأسه في إناء بسبب الدماء النازفة من رأسه بعد قتله؟ هل كان سيبقى تحت تأثير الخطاب الحماسي لقيادات الإخوان، أم كان سيحاول الهرب، مثلما حاول باقي المعتصمين في الوقت الضائع؟ وكل من كتب على جبهته اسم “مرسي” فقُتل، وتُرك فوق رأسه أطفاله يصرخون. هل كانوا مقتنعين حقًا بالموت من أجل “الشريعة”، أم كانوا سيختارون العيش من أجل أطفالهم؟

ما أثار حفيظتي وصدمتي وأنا أتابع أرشيف صور رابعة هم عشرات الأطفال، من سنّ الرضاعة حتى سنّ 13 سنة، عوضًا عن المراهقين، وعلى وجوههم الهلع والدماء. لماذا يُزجّ أطفال في اعتصام امتدّ على 48 يومًا، وسبقته تحذيرات بالفضّ الدموي، وتعريض حياتهم للخطر وللصدمة التي لا تُنسى؟

والطفل المصري الذي كان يرتدي زيًا رياضيًا لكرة القدم في لحظة الفضّ الدموي، هل كان يحلم بمنافسة فريق كروي آخر ويستهلك الأدرينالين للفوز بالمباراة؟ مَن زجّه في هذه المباراة الدموية وأبعده عن الملعب الآمن؟ هل كان الآباء يريدون من أبنائهم أن يبقوا ليحملوا الثأر السياسي؟ أم كانوا مغيّبين بالكامل تحت وطأة الخطاب الحماسي لجماعة الإخوان المسلمين؟

تعدد الأصوات

“الظابط كان بيشاور بإيده عشان محدش يضرب، أنت لما تشاور يعني محدش هيضرب؟ أكيد لا وبدأ يضرب بعد التدافع”، كانت هذه إحدى روايات متظاهر وردت في وسط مئات الدقائق في الأرشيف، ما يعني أنه لا يمكن، مهما حاولنا، أن ينطق الأرشيف برواية واحدة. والصوت الوحيد الذي قد يكمل الرواية أو يضيف رواية ثالثة لتكتمل الحقيقة هو صوت من ماتوا بالفعل.

وعلى رغم ذلك، لا يمكن إهدار أهمية أرشيف إبراهيم المصري وأرشيف رابعة، خصوصًا أننا أمام صراع بين مستويين من التفسير. القنوات الرسمية حاولت تأطير الصور ضمن التحليل الثقافي والسياسي الموجّه؛ حيث تُقرأ اللقطة كدليل على “مواجهة الإرهاب” أو “فرض النظام”، وهو تحليل عقلاني بارد يسعى إلى تبرير العنف وتنميط الضحية.

في المقابل، تأتي الصور الصادمة لأرشيف رابعة لتقدم تلك الوخزة العاطفية كتفصيلة غير متوقعة في الصورة مثل الأجساد الجريحة والمقتولة. هذه التفاصيل البصرية تخرق التوجيه السياسي الجاهز، وتصدم المشاهد إنسانياً، وتجبره على مواجهة حتمية أن هذه المشاهد كانت موجودة بالفعل، وأن هذه الدماء قد سُفكت هنا حقاً. الصور هنا لن تُبهر المشاهدين بجمالياتها الفنية، بل تحولت إلى سلاح بصري في معركة الذاكرة ضد النسيان المفروض بقوة القانون والرواية الرسمية.

تتجلى أطروحات سوزان سونتاغ في أرشيف رابعة بشكل صارخ أيضًا؛ فالأجهزة الأمنية مارست التصوير كفعل استحواذ لتأكيد السيطرة الميدانية. لكن يظل أرشيف رابعة، على رغم قسوته وعلى رغم الحجب، شهادة أخلاقية لا يمكن الالتفاف عليها، تمنع السلطة من كتابة التاريخ من طرف واحد، وتجبر العالم على الالتفات المستمر نحو “ألم الآخرين”.

لم تعد الصور السائلة لهذا الأرشيف مجرد انعكاس لما حدث في آب/ أغسطس 2013، بل أصبحت هي نفسها الحدث المستمر، والبرهان البصري الحي على اللحظة التي جُرفت فيها الأجساد، وظلت فيها الذاكرة تقاوم النسيان.

10.09.2026
زمن القراءة: 6 minutes

الموقع الذي حُجب بالفعل في مصر بعد 24 ساعة من إطلاقه، أصبح منذ هذه اللحظة بمثابة وثيقة بصرية، ودليل على اللحظة التي أُزهقت فيها أرواح مئات من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبرهان على أن سقوط نظامهم لم يكن فقط بلحظة اقتلاعهم من القصر الرئاسي، بل باللحظة التي جُرفت أجسادهم وأرواحهم بالجرافات أُشعلت النيران في خيامهم.

كان أرشيف الصور والفيديوهات التي وثّقت ساعات فضّ اعتصام رابعة، في الرابع عشر من آب/ أغسطس عام 2013، شحيحًا بالفعل. وما كان متاحًا منه اقتصر على ما بثّته القنوات الرسمية المصرية، وغالبيته يُظهر لقطات لبنادق آلية حملها بضعة متظاهرين من جماعة الإخوان المسلمين المعتصمين داخل مربّع منطقة رابعة في قلب القاهرة، فيما كان الحشد الشعبي والإعلامي والعسكري يمضي في اتجاه إسقاط حكم الإخوان. 

لكن ما نشره موقع أرشيف رابعة الذي أطلقه المصور الصحافي إبراهيم المصري، كان جرعة صادمة بالفعل، من توثيق مشاهد القتل وتساقط المتظاهرين وسط سيل الرصاص والخراطيش والقنابل المسيلة للدموع.

“أرشيف” المجزرة 

 الموقع الذي حُجب بالفعل في مصر بعد 24 ساعة من إطلاقه، أصبح منذ هذه اللحظة بمثابة وثيقة بصرية، ودليل على اللحظة التي أُزهقت فيها أرواح مئات من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبرهان على أن سقوط نظامهم لم يكن فقط بلحظة اقتلاعهم من القصر الرئاسي، بل باللحظة التي جُرفت أجسادهم وأرواحهم بالجرافات أُشعلت النيران في خيامهم.

كانت الهزيمة الكبرى لبسطاء الإخوان المسلمين جلية في قراءات الفيديوهات والصور الجديدة، وطاغية في أسئلة من عاشوا أمام الجثث التي بقيت لأكثر من ليلة كاملة داخل مسجد “الإيمان” المحاصر. كانوا يحاولون تأخير تعفّن الجثامين بتهوية المكان بالمراوح، واستخدام المعطرات لطرد الذباب الذي استقر على جثامين الموتى وهي تنزف دمًا وتفوح منها روائح كريهة، وسط أصوات البكاء وانهيار الأبدان والعزائم.

ظهرت في الفيديوهات الطائرات المروحية وهي تضرب كاميرات البث والمصورين داخل الاعتصام، لمحو الرواية الأخرى، وتجيب عمّا عشناه نحن الصحافيين في جرائدنا آنذاك: عدم تكليفنا بالتغطية في اعتصام رابعة، وترهيبنا من الأسلحة وعمليات التصفية التي كانت تطاول الصحافيين في الداخل، عوضًا عن الخوف من لحظة الحسم التي قد تأتي في أي لحظة لفضّ الاعتصام بالقوة، والقتل الذي لن يفرّق بين صحافي ومعتصم.

المواد البصرية تشمل أكثر من 244 صورة على “أرشيف رابعة”، تبوح بـ244 حكاية كانت طي الكتمان والنسيان، وعناصر هذه الصور تحكي ما حدث. حجم الإصابات ونوعها أكدا أن فض الاعتصام لم يكن حذراً كما رُوِّج له، ولم يكن بهدف التفريق، بل بهدف تلقين هؤلاء المعتصمين وذويهم درساً مرعباً لا يمكن نسيانه.

نرى في صور الضحايا ملابس داخلية وذقونًا تتساقط منها قطرات الدماء، وخراطيش ورصاصات اخترقت الوجوه والصدور. قتلى لن ينطقوا بهتاف أخير، ليس فقط بسبب القتل، لكن بسبب الشاش الطبي المحكم الذي يشدّ فكّهم إلى رؤوسهم. شباب مهشّمو الرؤوس، وفي أفواههم قطن لتعذّر توفير الشاش لإغلاق أفواههم بعد القتل، وآخرون يرتدون تيشيرتات ممزقة مكتوبًا عليها “سنحيا كرامًا”.

لا يمكن حصر المفارقات التراجيدية في تحليل الصور الفوتوغرافية، بخاصة حين تظهر لافتات “نرفض الإطاحة بالإرادة الشعبية” بالمقلوب، وكأنها التعبير المكثف عن سقوط نظام الإخوان المسلمين رأسًا على عقب، فضلًا عن الخوذات المكتوب عليها “فداء ربي وديني”، التي تسحب الاعتصام من حيّزه السياسي إلى حيّز ديني واضح ومغالٍ، ومفارقة وجود خوذات أصلًا، تُستخدم عادةً في الحروب، وليس داخل اعتصام في قلب القاهرة، عوضًا عن السواتر الرملية التي جعلت الاعتصام أشبه بثكنة حرب في قلب منطقة رابعة السكنية.

ذاكرة الاشتباك

حين رأيت العدد الهائل من السواتر الرملية في قلب الاعتصام من الداخل تذكرت تصريحات أحمد المغير، أحد قيادات الإخوان والابن المدلل للقيادي الإخواني خيرت الشاطر، وهو يملأ شاشات التلفزيون عبر مداخلاته وهو يطالب متظاهري رابعة بالصمود، على رغم ما ينتظرهم من مصير دموي: ” الناس في سوريا بتحارب الجيش بقالها 5 سنين وأدينا شوفنا فتوحات حلب الآخيرة”، وعلى رغم ذلك لم أر وجه أحمد المغير في الأرشيف البصري في لحظة الفض الدموي، لا هو ولا غيره ممن طالبوا المتظاهرين بالصمود، سوى القيادي الإخواني محمد البلتاجي.

على رغم أهمية هذا الأرشيف وصعوبة أن يطالعه المصريون، بخاصة من وافقوا على تفويض السيسي بالتعامل مع الإرهاب، إلا أن سؤالاً مهماً يفرض نفسه، هل خضع هذا الأرشيف للتنقيح للدفع نحو رواية ثانية محددة مثلما فعلت الرواية الرسمية؟

“أزمة الأرشيف” 

في الرواية الرسمية ظهر بالفعل مسلحون يحملون رشاشات آلية وبنادق ويصوبونها نحو قوات الأمن في اعتصامي رابعة والنهضة، فيما خلى أرشيف رابعة الموثق بالصور والفيديوهات من هؤلاء الملثمين حملة السلاح، والذين تسببوا في قتل 10 أفراد من رجال الشرطة في كلَي الاعتصامين (رابعة والنهضة)، وإن كان الأرشيف يستهدف توثيق أرشيف رابعة الهائل، فلماذا نُقّح؟

هذا التساؤل لا ينفي عِظَم المأساة التي حدثت في فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، لكن هذه الأسئلة هي ما يحمينا غالبًا من الاستسلام الكامل لرواية أحد الأطراف دون غيرهم، سواء كان الطرف الرسمي أو غير الرسمي، وتُلقينا أكثر في اتجاه الأصوات البسيطة، ممن يمكن تسميتهم بـ”الحشود”، الذين يُدفعون كدروع بشرية في سجال سياسي ديني، ويدفعون وحدهم أبهظ الأثمان، وهي أرواحهم.

يصعب نسيان الصورة القاسية لمحمد أحمد عوض محمد، وهو ميت وجمجمته مهشمة بالكامل، واسمه مكتوب على ذراعه باللاصق الطبي. هل كان سيبقى لو علم أن هذه هي النهاية؟ أم سيختار الممر الآمن الذي أعلنت عنه قوات الشرطة قبل الفضّ الدموي بساعات؟

ماذا عن المواطن صاحب زيّ الموظف الكادح، الذي رقد رأسه في إناء بسبب الدماء النازفة من رأسه بعد قتله؟ هل كان سيبقى تحت تأثير الخطاب الحماسي لقيادات الإخوان، أم كان سيحاول الهرب، مثلما حاول باقي المعتصمين في الوقت الضائع؟ وكل من كتب على جبهته اسم “مرسي” فقُتل، وتُرك فوق رأسه أطفاله يصرخون. هل كانوا مقتنعين حقًا بالموت من أجل “الشريعة”، أم كانوا سيختارون العيش من أجل أطفالهم؟

ما أثار حفيظتي وصدمتي وأنا أتابع أرشيف صور رابعة هم عشرات الأطفال، من سنّ الرضاعة حتى سنّ 13 سنة، عوضًا عن المراهقين، وعلى وجوههم الهلع والدماء. لماذا يُزجّ أطفال في اعتصام امتدّ على 48 يومًا، وسبقته تحذيرات بالفضّ الدموي، وتعريض حياتهم للخطر وللصدمة التي لا تُنسى؟

والطفل المصري الذي كان يرتدي زيًا رياضيًا لكرة القدم في لحظة الفضّ الدموي، هل كان يحلم بمنافسة فريق كروي آخر ويستهلك الأدرينالين للفوز بالمباراة؟ مَن زجّه في هذه المباراة الدموية وأبعده عن الملعب الآمن؟ هل كان الآباء يريدون من أبنائهم أن يبقوا ليحملوا الثأر السياسي؟ أم كانوا مغيّبين بالكامل تحت وطأة الخطاب الحماسي لجماعة الإخوان المسلمين؟

تعدد الأصوات

“الظابط كان بيشاور بإيده عشان محدش يضرب، أنت لما تشاور يعني محدش هيضرب؟ أكيد لا وبدأ يضرب بعد التدافع”، كانت هذه إحدى روايات متظاهر وردت في وسط مئات الدقائق في الأرشيف، ما يعني أنه لا يمكن، مهما حاولنا، أن ينطق الأرشيف برواية واحدة. والصوت الوحيد الذي قد يكمل الرواية أو يضيف رواية ثالثة لتكتمل الحقيقة هو صوت من ماتوا بالفعل.

وعلى رغم ذلك، لا يمكن إهدار أهمية أرشيف إبراهيم المصري وأرشيف رابعة، خصوصًا أننا أمام صراع بين مستويين من التفسير. القنوات الرسمية حاولت تأطير الصور ضمن التحليل الثقافي والسياسي الموجّه؛ حيث تُقرأ اللقطة كدليل على “مواجهة الإرهاب” أو “فرض النظام”، وهو تحليل عقلاني بارد يسعى إلى تبرير العنف وتنميط الضحية.

في المقابل، تأتي الصور الصادمة لأرشيف رابعة لتقدم تلك الوخزة العاطفية كتفصيلة غير متوقعة في الصورة مثل الأجساد الجريحة والمقتولة. هذه التفاصيل البصرية تخرق التوجيه السياسي الجاهز، وتصدم المشاهد إنسانياً، وتجبره على مواجهة حتمية أن هذه المشاهد كانت موجودة بالفعل، وأن هذه الدماء قد سُفكت هنا حقاً. الصور هنا لن تُبهر المشاهدين بجمالياتها الفنية، بل تحولت إلى سلاح بصري في معركة الذاكرة ضد النسيان المفروض بقوة القانون والرواية الرسمية.

تتجلى أطروحات سوزان سونتاغ في أرشيف رابعة بشكل صارخ أيضًا؛ فالأجهزة الأمنية مارست التصوير كفعل استحواذ لتأكيد السيطرة الميدانية. لكن يظل أرشيف رابعة، على رغم قسوته وعلى رغم الحجب، شهادة أخلاقية لا يمكن الالتفاف عليها، تمنع السلطة من كتابة التاريخ من طرف واحد، وتجبر العالم على الالتفات المستمر نحو “ألم الآخرين”.

لم تعد الصور السائلة لهذا الأرشيف مجرد انعكاس لما حدث في آب/ أغسطس 2013، بل أصبحت هي نفسها الحدث المستمر، والبرهان البصري الحي على اللحظة التي جُرفت فيها الأجساد، وظلت فيها الذاكرة تقاوم النسيان.

10.09.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية