من ذا الذي سيعترض حين يُعلن أعداء الأمس نيّتهم توقيع اتّفاق سلام؟ في زمن يتّسم باللا يقين العالمي حيث تتفكّك التحالفات، ويُعاد تسعير الصداقات، وتتحرّك الصدوع الجيوسياسية، وتبدو أية رسالة مؤيّدة للسلام خبراً ساراً: خطوة بعيداً عن حروب مقبلة، وربما خطوة نحو مصالحة مرتجاة.
لكن، من السذاجة الاعتقاد بأن سلاماً حقيقياً ممكن بعد عامين فقط من اجتياح قوّات علييف إقليم ناغورنو كاراباخ ذي الغالبية الأرمينية (19 أيلول/ سبتمبر 2023) وتنفيذها عملية تطهير عرقي كاملة خلال عشرة أيّام. ومن يتخيّل أن أرمينيا الضعيفة، المتروكة من حلفائها التقليديين، سواء روسيا أو أوروبا أو الولايات المتّحدة، قادرة على انتزاع شروط مُرضية؟ ومن يصدّق أن دونالد ترامب، الذي يدعم حالياً الدمار اللاحق بغزّة، مهتم حقاً بـ”السلام”؟
نعم، يمكن الترحيب بفكرة السلام، لكنّ الواقع يُنبئ بأن ما ينتظر أرمينيا قد يكون سلاماً بشروط مجحفة للغاية.
ما الذي يتضمّنه “الإعلان”؟
الاتّفاق الكامل الذي وُقّع في واشنطن لم يُكشف عنه بعد، ما لدينا وثيقة من صفحتين تضمّ سبع نقاط.
تنصّ النقطة الأولى على أن الجانبين “اتّفقا على نصّ اتّفاق إقامة السلام والعلاقات بين الدول”، بين أرمينيا وأذربيجان، مع الإقرار بالحاجة إلى “إجراءات لاحقة” قبل توقيع الوثيقة النهائية. بمعنى آخر، لم يتحقّق في واشنطن تقدّم يتجاوز ما بلغته المفاوضات سابقاً.
وقدّمت أرمينيا تنازلاً لافتاً بموافقتها على حلّ “مجموعة مينسك” التابعة لمنظّمة الأمن والتعاون في أوروبا، المكلّفة منذ 1992 بإيجاد حلّ تفاوضي لنزاع ناغورنو كاراباخ. وهذا التنازل رمزي إلى حدّ بعيد، إذ إن “مجموعة مينسك”، التي تتشارك رئاستها الولايات المتّحدة وفرنسا وروسيا، عجزت عن منع حرب 2020، أو تدمير جمهورية ناغورنو كاراباخ.
أما العنصر الأبرز والأكثر نقاشاً فهو النقطة الرابعة: إنشاء “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين”، وهو ممرّ للنقل يربط أذربيجان القارّية بجيب نخجوان عبر الأراضي الأرمينية. وتشير النقطة الثالثة إلى “أهمية فتح المواصلات بين البلدين”، ما قد يعني أيضاً فكّ الحصار عن طرق العبور الأرمينية عبر أذربيجان.
وفي 11 آب/ أغسطس، نشرت وزارتا خارجية البلدين “اتّفاقاً موقّعاً بالأحرف الأولى”، من 17 نقطة بانتظار التوقيع النهائي. لماذا التأخير؟ سبب محتمل هو أن أذربيجان ما تزال تضع شروطاً إضافية خارج الإطار المتوافق عليه، وتنتظر تحوّلات إقليمية أكثر ملاءمة.
إقرأوا أيضاً:
ما الذي أغفله “الإعلان”؟
لا يقول الإعلان شيئاً عن مصير ناغورنو كاراباخ، ولا عن سكّانه الأرمينيين المُهجّرين وحقّهم في العودة، وهو صامت حيال آلاف المواقع الثقافية الأرمينية الواقعة اليوم تحت السيطرة الأذربيجانية، بما في ذلك الأديرة الوسيطة التابعة للكنيسة الرسولية الأرمنية.
ويتجاهل الإعلان الأراضي الأرمينية التي استولت عليها أذربيجان منذ 2021، بما فيها ارتفاعات استراتيجية ومصادر مياه، كما لا يتطرّق إلى استمرار احتجاز أذربيجان عدداً كبيراً من الرهائن الأرمينيين منذ حرب 2020، والتطهير العرقي في 2023، ومن بينهم قادة سياسيون وعسكريون من جمهورية ناغورنو كاراباخ السابقة، وفاعل الخير روبن فاردانيان.
وأخيراً، لا يذكر الإعلان شيئاً عن الحدود الأرمينية- التركية التي ما تزال مغلقة بطلب من أذربيجان، وليس مؤكّداً ما إذا كان هذا “الإعلان التاريخي” سيُفضي إلى فتحها، رغم أن الجميع بات يتحدّث بلغة “السلام”.
“تانغو” جيوسياسي جديد
لا تزال تفاصيل “طريق ترامب” شحيحة، لكنّ رمزيته واضحة: الولايات المتّحدة عادت إلى جنوب القوقاز، للمرّة الثالثة منذ انهيار الاتّحاد السوفييتي.
المرّة الأولى: في عهد بيل كلينتون، حين جرى تأمين طرق نفط بحر قزوين عبر خط أنابيب باكو– تبليسي– جيهان متجاوزاً روسيا وإيران.
المرّة الثانية: في عهد جورج دبليو بوش، حين استخدمت الولايات المتّحدة أذربيجان كنقطة لوجستية لعمليّاتها في أفغانستان.
المرّة الثالثة: الآن، في عهد ترامب، ربما للتحكّم بممرّات التجارة المستقبلية من مصانع آسيا إلى أسواق أوروبا.
هذا “الانتصار” الأميركي يخلّف عدّة خاسرين:
روسيا: غزو بوتين المُكلف لأوكرانيا، استنزف الموارد وأضعف النفوذ في فضائه السوفييتي السابق.
إيران: بعد عقود من تفويض موسكو بسياستها القوقازية، وتركيزها على حملات أيديولوجية في الشرق الأوسط، تجد طهران نفسها أمام مخاطر جديدة على حدودها الشمالية.
الاتّحاد الأوروبي: على الرغم من استثمارات امتدّت عقوداً، تجد بروكسل نفسها مُهمّشة— حيث تبخّرت وعود “المفوّضية الجيوسياسية” لأورسولا فون دير لاين.
تركيا: جرى استبعادها من “طريق ترامب”، رغم دعمها العسكري الحاسم لأذربيجان في 2020، وقد يعمّق هذا الاستبعاد الشكوك بين أنقرة وباكو، لا سيّما في ظلّ تحوّلات الشرق الأوسط، والتحرّكات العسكرية الإسرائيلية في سوريا.
فرادى، قد لا تتمكّن هذه الدول من تعطيل الخطط الأميركية، لكن مجتمعة ربما تفعل، كما في اتّفاق وقف إطلاق النار في عام 2020، الذي تصوّر ممرّات عبور عبر أرمينيا تحت حراسة روسية؛ وهو ما تجاهلته أذربيجان، مؤدّياً إلى هجمات متجدّدة وتطهير عرقي. من يجرؤ على الجزم بما سيكون عليه شكل المنطقة في 2030، بعد خمس سنوات فقط؟
ملامح ما هو آتٍ
قد تُستشفّ بعض ملامح المستقبل من اتّفاقين ثنائيين منفصلين وُقّعا في واشنطن إلى جانب “الإعلان”.
الأول: تعاون طاقوي بين أذربيجان والولايات المتّحدة عبر “سوكار” و”إكسون موبيل”. ومع تراجع إنتاج النفط الأذري من ذروته (مليون برميل يومياً في 2010) إلى نحو 580 ألفاً في 2024، ستكون هناك حاجة إلى استثمارات ضخمة للحفاظ حتى على مستويات الإنتاج الحالية.
الثاني: تعاون تكنولوجي بين أرمينيا والولايات المتّحدة، مع موافقة واشنطن على نقل تقنيات لتطوير أشباه الموصلات والذكاء الصناعي.
وبينما يظلّ اقتصاد أذربيجان قائماً على صادرات أحفوريةٍ آيلة للانكماش، قد تتمكّن أرمينيا— إن أحسنت اغتنام الفرصة — من الانعطاف نحو التحديث وتحويل معاناتها الأخيرة إلى تحوّل طويل الأمد.
إقرأوا أيضاً:














