“أصبحنا نخشى قدوم الصيف، فهو يعني العطش لنا. في الشتاء والربيع والخريف، نحصل على الماء من عين جبلية قريبة. ننزل يوميًا على ظهور حميرنا، نملأ صهاريج بلاستيكية ونستخدم الماء للشرب والغسيل والاستحمام وحتى لرعاية أغنامنا. على رغم التعب، نحتفظ بالماء في الجوار. لكن في الصيف، تجفّ العين، وتبدأ المعاناة الحقيقية. ننتظر قدوم أحد أبناء القرية الذين يملكون شاحنات إلى وسط المحافظة، لنودع معه صهاريجنا ليملاها لنا من الحنفية العامة، وندفع له مقابلًا ماليًا حسب حجم الصهريج.
على رغم الحرارة، نضطر إلى التقشّف في استهلاك الماء، نقلل عدد مرات الاستحمام ونغسل ثيابنا أقل، لأننا لا نعرف متى سيأتي صاحب الشاحنة مجدداً. نخاف أن نبقى عطشى. سنوات طويلة يُقال لنا إننا سنرتبط بشبكة المياه الصالحة للشراب، لكن لا شيء يحدث سوى وعود كاذبة”.
تحدثت الخالة فطوم من قرية نبر بمحافظة الكاف (شمال غربي تونس) عن معاناة سكان قريتها في الحصول على الماء، بخاصة في الصيف. ولا تعد شهادتها حالة منفردة، بل تمثل واقعًا يعيشه آلاف التونسيين. يعاني معظم السكان نقصًا حادًا في المياه الصالحة للشرب، ويتطلّب الحصول على الماء جهداً مضنيًا، خصوصًا في المناطق الريفية التي تفتقر إلى شبكات توزيع المياه.
على رغم أن دستور تونس لعام 2022 يكفل في فصله الـ48 حق الجميع في الماء الصالح للشراب ويوجب على الدولة توفيره والحفاظ عليه للأجيال القادمة، إلا أن الواقع مختلف تمامًا. تشير الأرقام الرسمية وتقارير المنظمات إلى أن 650 ألف تونسي محرومون من الماء في منازلهم، منهم 300 ألف في المناطق الغربية والشمالية الغربية، حيث لا توجد لديهم مصادر مياه عمومية قريبة. يعتمدون على الآبار، الأودية، العيون الجبلية البعيدة، أو على بائعي المياه غير النظاميين الذين يبيعون بكميات محدودة وبأسعار مرتفعة مقارنة بتعريفات شركة توزيع المياه.
اتسعت أزمة المياه هذا الصيف بشكل واضح. إذ سجل المرصد التونسي للمياه 606 تبليغات خلال تموز/ يوليو الماضي عن انقطاعات واضطرابات في توزيع المياه، مقارنة بـ221 تبليغًا في أيار/ مايو، أي أكثر من ضعف خلال شهر واحد.
كانت محافظة قفصة (جنوب غرب) الأكثر تضررًا بـ66 تبليغًا، تلتها جندوبة بـ46، ومدنين بـ43، وبن عروس بـ38، وصفاقس بـ37، وزغوان بـ36 تبليغًا.
تستهلك الفلاحة نحو 80% من المياه المسحوبة، والصناعة 5%، والسياحة 2%، بينما تُخصص 13% فقط للشرب والاستخدام المنزلي.
إقرأوا أيضاً:
ترفض الدولة الاعتراف بتأثير السياسات الداخلية على الأزمة، متمسكة بتفسير تغير المناخ فقط كسبب رئيسي. لا شك في أن تونس، كغيرها من دول العالم، تأثرت بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة وندرة الأمطار خلال السنوات الأخيرة. لكن إلقاء اللوم كله على تغيّر المناخ يخفي عوامل أخرى مهمة لا تقل خطورة، وتجاهلها يعرقل الحلول.
أولاً، لم تستغلّ تونس سنوات الوفرة المائية بشكل جيد، على رغم هطول أكثر من 30 مليار متر مكعب من الأمطار سنويًا. حجم البنى التحتية المائية لا يتجاوز الـ 3 مليارات متر مكعب، مع فقدان نحو 20% من سعة التخزين بسبب الترسبات ونقص الصيانة. تتكون البنية من نحو 40 سدًا رئيسيًا، وأكثر من 250 سدًا جبليًا، ونحو 1000 بحيرة جبلية.
ثانيًا، تفتخر السلطات بتوصيل المياه إلى 100% من المنازل في المدن و94.8% في الأرياف، لكنها تخفي تذبذب جودة المياه وتوافرها، خصوصًا في المناطق الريفية التي لا يحصل فيها 5% من السكان على مياه صالحة للشرب بسهولة.
ثلاثة من كل عشرة لترات مياه تضيع بسبب التسرب من شبكات الصرف القديمة والمهترئة. إذ ذكر تقرير 2019 للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد)، أن 250.7 مليون متر مكعب من المياه تُهدر سنويًا في مرحلة الإنتاج والتوزيع، بسبب قدم المعدات وشبكات الأنابيب التي يصل عمرها إلى 30-50 سنة. وعلى رغم معرفة السلطات بهذه المشاكل، لا تُبذل جهود كافية لحلّها بسبب ضعف التمويل وقلة الكوادر.
ثالثًا، تستنزف الزراعة نحو 80 في المئة من المياه، على رغم أن غالبية المنتجات الزراعية تُصدر أو لا يستطيع المواطن التونسي شراؤها بسبب الأسعار المرتفعة. سياسة التصدير التي شجعتها الدولة منذ السبعينات، ركزت على الزراعات المكثفة للماء مثل الزيتون والتمور، وأهملت الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي.
أدى هذا إلى تشجيع كبار الفلاحين على الاستثمار في التصدير، بينما يُهمَّش صغار الفلاحين، الذين لجأ كثر منهم الى حفر آبار عشوائية وغير مرخصة للحفاظ على مزروعاتهم. وصل عدد هذه الآبار غير القانونية إلى أكثر من 26 ألف بئر في 2021، إضافة إلى 14 ألف بئر قانونية. هذا يُجهد الموارد المائية بشكل كبير، وتحمل الدولة وحدها المسؤولية.
رابعًا، تستهلك صناعات مثل النسيج والفوسفات كميات هائلة من المياه، ما يزيد الضغط على الموارد المتاحة ويسبب تلوثًا للمياه الجوفية.
محافظة قفصة، الأكثر تضررًا، تشهد استنزافًا مائيًا بسبب نشاط شركات الفوسفات التي تغسل آلاف الأطنان يوميًا، مستخدمة 5000 لتر ماء لغسل كل طن. هذا يستهلك المياه الجوفية ومياه الشرب في الوقت ذاته، فيما تظل الدولة متسامحة مع استمرار الإنتاج على حساب سكان المحافظة الذين يعانون العطش والأمراض.
دراسة حديثة نُشرت في “جورنال أوف جيوكيميكال إكسبلوريشن”، أكدت أن تعدين الفوسفات يساهم بشكل كبير في تلوث المياه الجوفية في قفصة.
نبيل من مدينة الرديف بمحافظة قفصة قال لـ”درج”: “في القرن الحادي والعشرين، أصبح الحق في الماء أمنية. في صيف حار، ينقطع الماء لأيام، تتحول حياتنا إلى جحيم. حتى غسل الوجه أو الاستحمام أصبح رفاهية. لا نستطيع استقبال الضيوف، وننتظر الشتاء بفارغ الصبر. عندما يعود الماء، لا يستمر أكثر من ساعة أو ساعتين، نملأ الخزانات بسرعة خوفًا من الانقطاع مرة أخرى. لا أحد من المسؤولين يتحرك على رغم احتجاجاتنا المتكررة. المضحك أن المسؤولين يهرعون لحل مشاكل إنتاج الفوسفات، على رغم أن هذا النشاط يتسبّب في عطشنا وأمراضنا”.
نظم أهالي الرديف احتجاجات عدة، آخرها في 24 تموز/ يوليو، وأوقفوا نشاط مغسلة الفوسفات احتجاجًا على انقطاع المياه المستمر. إذ يرون أن “الصوناد” عاجزة وتتنصل من مسؤوليتها، وتعاملهم ببرود وصمت غير إنساني. وسيستمرون في تحركاتهم حتى تستجيب السلطات.
هذا الحال يتكرر في صناعة النسيج التي تتركز في محافظات الساحل والعاصمة. فوفقًا لوكالة النهوض بالصناعة عام 2016، هناك 1757 شركة نسيج توفر أكثر من 174 ألف فرصة عمل، وتشكل 22.7% من صادرات الصناعة، و19.3% من الناتج الصناعي. لكن عملية غسل النسيج تتطلب كميات هائلة من المياه والمواد الكيميائية، ما يجعلها من أكبر مستهلكي المياه.
عالمياً، تستهلك صناعة الغسيل والدباغة نحو 4 مليارات طن من المياه سنويًا، أي أكثر من 126000 لتر في الثانية، ما يعادل 4000 مليار لتر يوميًا، ومعظمها لا يُعاد تدويره.
الخبير في التنمية والموارد حسين الرحيلي قال لـ”درج”: “عندما صُنفت تونس ضمن دول الضغط المائي، كان عليها تعديل سياساتها المائية والفلاحية والصناعية، وتنويع مصادر المياه. لكنها اكتفت بالشعارات، واستمرت في اتباع السياسات ذاتها. الحلول المؤقتة مثل قطع المياه بشكل دوري لا تكفي، والمطلوب حلول جذرية طويلة الأمد”.
إقرأوا أيضاً:














