انهيار نظام الأسد أغرق السوريين في دوامة من عدم اليقين، طارحاً تساؤلات عميقة حول مستقبل البلاد، تتزايد مع تصاعد وتيرة العنف والاضطرابات. ومن بين أكثر الأسئلة إلحاحًا التي تواجه سوريا اليوم، هو حول تمثيل الطائفة العلوية، سؤال اكتسب أهمية خاصة في أعقاب المجازر التي استهدفت العلويين في آذار/ مارس، إذ قُتل ما يقارب الـ1500 شخص بغضون أيام.
في مواجهة هذه الفظائع، وجدت الطائفة العلوية نفسها عاجزة، محرومة من مؤثرين من داخل الطائفة، ذوي ثقل وتاريخ غير مشوب بالاتهامات، سواء كنا نتحدث عن رجال دين أو مثقفين. وتكمن المشكلة الأساسية في تمثيل العلويين: من بقي ليتحدث باسمهم بعد نصف قرن من هيمنة الأسد على الطائفة؟
على مدى عقود، تم استيعاب الطائفة العلوية ضمن آلة نظام الأسد، حيث وُظِّف الكثير من أفرادها كجنود وبيروقراطيين لخدمة مصالح “السلطة”. يتحمل النظام البائد، لا سيما في عهد حافظ الأسد، المسؤولية الأكبر عن هذه الأزمة، إذ تسببت خمسون عامًا من القمع في إسكات أي أصوات علوية محتملة لتواجه ماكينة الأسد.
اعتُبر المعارضون من داخل الطائفة التهديد الأخطر لاستقرار النظام، وكان مصير من تجرأ على الاعتراض الزج بهم في المعتقلات، هذه الاستراتيجية القمعية لم تكن حصرية على العلويين، لكنها طُبقت بحقهم بحدّة، تاركةً الطائفة محرومة من شيوخ أو مفكرين أو أكاديميين أو قادة مجتمع مدني قادرين على التعبير عن طموحاتها الجماعية.
لماذا إذاً تعاني الطائفة العلوية بشدة من هذا النقص في التمثيل؟ الإجابة تكمن في إرث أعمق وأكثر خبثًا لنظام الأسد، إرث ترك الطائفة العلوية شبيهة بسجين جائع خرج لتوه من زنزانة المخابرات: ضعيف، مشوش، ومُجرد من القدرة على الفعل.
أدى تآكل القيادات العلوية بشكل متعمد إلى تحويل الطائفة، من الناحية السياسية، إلى هيكل فارغ، خالٍ من الحيوية الفكرية والثقافية اللازمة لمواجهة تعقيدات سوريا ما بعد الأسد.
حافظ الأسد: الرجل الوحيد بوجه التطرف!
كان حافظ الأسد، أكثر بكثير من ابنه بشار، سيدًا في حفظ ذاته. بُني نظامه على تقديس الرئيس، وتصويره كشخصية تكاد تكون إلهية. رُبطت السلطة والنفوذ ارتباطًا وثيقًا بالقرب من الرئيس، وبخاصة القرب الجسدي.
في هذا التسلسل الهرمي، كان أشخاص مثل مصطفى طلاس، وزير الدفاع السابق، يتمتعون بسلطة أكبر بكثير من معظم العلويين، على الرغم من ارتباط الطائفة الاسمي بالدائرة الداخلية للنظام.
وفرت انتفاضة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، ذريعة ملائمة للنظام لتعزيز هيمنته. واغتنم النظام الفرصة لوضع نفسه كحامٍ للأقليات، بخاصة العلويين، ضد شبح التطرف الإسلامي.
سمحت هذه الرواية واستثمار مجزرة مدرسة المدفعية، بتشديد قبضته على الساحل السوري، وتحويله إلى خزان للجنود وأفراد الأمن الموالين للأسد. وقد سهّل الفقر المستشري ونقص الفرص في المنطقة هذه العملية، جاعلاً من الخدمة العسكرية والأمنية الطريق النادر للتنقل الاجتماعي والجغرافي.
إقرأوا أيضاً:
الاستعمار الداخلي وهيمنة الموارد
فعلياً، تحوّل الساحل السوري، موطن معظم العلويين، إلى إقطاعية داخل دولة “سوريا الأسد” الأوسع. هنا، حكمت عائلة الأسد بلا حساب، تعمل فوق القانون ولا تخضع لأي مساءلة.
عاش المسؤولون الحكوميون في اللاذقية في خوف دائم من نزوات عائلة الأسد، ومطالبهم اللامحدودة، وتسلّطهم الوقح. يتماشى هذا الواقع مع مفهوم الاستعمار الداخلي، كما صاغه علماء مثل مايكل هيختر وفرانز فانون، حيث تستغل مجموعة مهيمنة داخل دولة الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية لمجموعة أخرى خاضعة، على غرار الاستغلال الاستعماري التقليدي.
عاش العلويون في ظل المتنمرين المتعطشين الى السلطة، الذين لم يواجهوا أي تداعيات لأفعالهم. لم تجرؤ المحاكم أو الشرطة أو حتى أجهزة الأمن على تحدي تجاوزات عائلة الأسد: القتل، الخطف، الاغتصاب، والسلب… كلها تمت بلا عقاب، ولم يكن أحد في مأمن.
واجه رواد الأعمال أو الشخصيات المؤثرة في المنطقة الساحلية خيارًا مستحيلاً: الحصول على إذن عائلة الأسد ودفع “العمولة” المطلوبة، أو التخلي عن أي أمل بالنجاح. بين قمع النظام، وسلطة عائلة الأسد غير المحدودة، والفقر المدقع، وجدت الطائفة العلوية نفسها رهينة في سجن واسع تديره عائلة الأسد.
في هذه البيئة من الهيمنة، لم يكن أحد في مأمن من إساءات عائلة الأسد، لا الأطباء، ولا المهندسين، ولا الأكاديميين، ولا المثقفين. كان الارتقاء كشخصية علوية بارزة يعني دعوة التدقيق والخطر، إذ كان يشكل تحديًا مباشرًا لاحتكار عائلة الأسد للسلطة. أصبح البقاء يتطلب الخضوع، والتزام الصمت هو الخيار الحكيم.
شخصياً أتذكر، وأنا مراهق، قصص الدكتورة سلمى الخير، شقيقة المعارض عبد العزيز الخير. والدها الشيخ سليمان، أحد وجهاء الطائفة، كان يتعرض لمضايقات أمنية دائمة. وكان عبد العزيز، خلال سنوات من الملاحقة الأمنية، يتسلل لزيارة والدته، ويتجنب رؤية والده لحمايته من الانتقام. لم يشفع له سنّه، ولا مكانته الاجتماعية.
حتى خلال سنوات الثورة، عندما استُخدم العلويون كوقود لدعم النظام، كشفت عائلة الأسد عن ازدرائها للطائفة. في حادثة سيئة السمعة، قتل ابن عم بشار الأسد، سليمان الأسد، ضابطًا علويًا في نوبة غضب على الطريق، ما أثار احتجاجات حتى في معقل النظام في اللاذقية: تذكير صارخ برؤية العائلة للعلويين كمجرد أدوات للاستغلال.
هذه النظرة الدونيّة تجاه العلويين، وحتى الضباط منهم، ظهرت جلياً منذ بدايات حكم الأسد الأب. قصة ابنة العميد في الشرطة لا تزال شاهداً حياً في ذاكرة أهل اللاذقية: الفتاة المراهقة رفضت محاولات فواز الأسد، ابن عم بشار، للتقرب منها. كانت النتيجة أن تم اختُطفت لأيام عدة قبل أن تعاد إلى أهلها في حالة يرثى لها. كان ذلك في الثمانينات.
قصص “إرهاب” آل الأسد لسكان اللاذقية تكاد لا تعد. إطلاق نار في الهواء وعلى المقاهي بغرض التسلية، هجوم مسلح على الموظفين الحكوميين ومنهم المحافظ، تحرش بالنساء في العلن، وحتى “تشليح” الممتلكات وقتل من يعترض. أفعال تليق بأفلام هوليوود عن عصابات شيكاغو، باستثناء ألا شرطة تحمي ولا قضاء يحكم.
على مدى عقود، نشأت أجيال من العلويين في جو من الصمت المفروض، حيث كان الاعتراض يُقابل بالعقاب السريع. كان يتم تقديم من تحدى الوضع الراهن كنماذج للردع، ما يضمن عدم ظهور أصوات بديلة. كانت عائلة الأسد وحدها التي يُسمح لها بالتحدث باسم الطائفة العلوية، ما أدى إلى اختطاف هويتها الجماعية وترك أي مساحة للتمثيل المستقل.
“الهيمنة الثقافية”
امتدت هيمنة نظام الأسد إلى ما هو أبعد من السيطرة السياسية والاقتصادية لتشمل ما وصفه أنطونيو غرامشي بالهيمنة الثقافية، تشكيل الوعي الثقافي للمجتمع ليتقبل الأيديولوجية السائدة ويعتبرها مشروعة وحتمية.
أن تكون علوياً طموحاً في سوريا الأسد كان يعني ألا مستقبل لك إلا بالخضوع لمنظومة الهيمنة. إما ذلك أو الخروج من البلد، و بالنسبة الى كثر من العلويين، الذين أصبحوا بمثابة الرهائن، أصبحت المكانة الاجتماعية مرادفة للقرب من النظام وعائلة الأسد. قيست المكانة من خلال الارتباطات الحكومية، ومظاهر الثروة الباهظة، ومظاهر القوة مثل السيارات الفاخرة والحراس الشخصيين. في هذا المشهد الثقافي المشوه، أصبح تقليد شخصيات مثل فواز الأسد ذروة الطموح.
كان ذلك أشبه بمتلازمة “ستوكهولم”، حيث يتحول الخوف إلى إعجاب. صار القرب من النظام معيارًا للنجاح. المظاهر، سيارات فاخرة، صفقات حكومية، حماية أمنية، صارت أهم من العلم أو الأخلاق. لربما كردة فعل أو كوسيلة للتأقلم، أصبحت النكتة الأسدية الأكثر شعبية في الساحل. نكات تتمحور حول تنمر آل الأسد، عنفهم، ووجودهم فوق أي سلطة للقانون أو الأخلاق.
تلك المنظومة الأخلاقية المفروضة “من فوق”، عنت أن النقاش السياسي والاجتماعي كان محصوراً في المجالس الضيقة. أما المنظومة السياسية/الأمنية فعنت أن أي محاولة لجمع العلويين خارج إطار النظام وآل الأسد هي تهديد مباشر لا تُحمد عقباه.
إرث آل الأسد بالنسبة الى العلويين هو التهميش الكامل. إذ أُجبرت أجيال متعاقبة على الارتباط بالنظام. والجيل القديم من الوجهاء رحل ولم يُسمح لجيل جديد بالظهور، إنه إرث خسارة عميقة. تم تفكيك قدرة الطائفة على التمثيل الذاتي والدفاع عن نفسها بشكل منهجي، تاركًا العلويين غير مجهزين لمواجهة التحديات الحالية.
كشفت تداعيات مجزرة آذار/ مارس عن هذا الواقع القاتم: الشخصيات البارزة الوحيدة المتبقية لـ”تمثيل” الطائفة العلوية كانت من أمثال محمد جابر، رأسماليون تابعون وقادة ميليشيات. أدت عقود من التهميش إلى خلق فراغ حيث كان يجب أن تقف القيادة الفكرية والأخلاقية، ناهيك بظهور رجال دين متعددين كل منهم يدعي التمثيل، والكثير من التجمعات في أوروبا وأميركا التي توجه الكثير من الملاحظات إلى تاريخ أفرادها .
يتطلب الطريق إلى الأمام أن تستعيد الطائفة العلوية صوتها، وتعيّن قادة جدداً يمكنهم الدفاع عن حقوقها ومصالحها بنزاهة ورؤية. فقط من خلال هذه العملية يمكن للطائفة أن تبدأ في التعافي وتأكيد مكانتها في سوريا ما بعد الأسد. إعادة بناء هذا الصوت سيتطلب سنوات، وربما عقودًا. لا بد من قادة جدد، وثقافة جديدة تشجع الحوار المجتمعي، والمشاركة السياسية، والحديث العلني.
وإلى أن يحين ذلك، سيظل العلويون ساكتين ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأن النظام الذي حكمهم نصف قرن، علّمهم أن ينسوا ما يحصل لهم.
إقرأوا أيضاً:












