ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أزمة ميزان التعاطف في المقتلة السورية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أكثر ما آلمني، ليست حيرتي تجاه استجابة الحاضرين، ورغبتي في أن تكون باهتة، بينما هي كانت ربما، على العكس تماماً، وفي سياق مشحون حدّ المذبحة. ما آلمني فعلاً، هو تلك الذكرى التي عادت إليّ عن أحد “شهداء” المدينة، وهو واحد من الأسماء التي ذُكرت في قائمة شهدائها. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 في مدينة جبلة على الساحل السوري، وفي اليوم التالي لخروج مظاهرات لأبناء الطائفة العلوية احتجاجاً على الظلم الواقع بحقّهم من جهة حكومة دمشق، الظلم الذي بلغ حدّ المجزرة، أُقيم حفل تكريمي لـ”شهداء الثورة السورية” من أبناء المدينة، أولئك الذي قُتلوا في الحرب ضدّ نظام الأسد. 

إقامة هذا الحفل، في هذا الوقت بالذات، لم يكن مستغرباً ضمن الجو المشحون الذي تعيشه المدينة، وباقي مدن الساحل السوري، وعموم سوريا، بسبب الحقن الطائفي الذي عاد يطفو على السطح منذ شهر آذار/ مارس الماضي. 

أصرّت زوجتي على متابعة الفيديو المصوّر للحفل على شاشة موبايلها، لتتأمّل وجوهاً ألفتها، وأحبّتها من بين أُسر الضحايا،  وأوجهاً من المدينة التي عاشت فيها جزءاً حميمياً من طفولتها، وما تخيّلته وأنا أستمع من بعيد إلى عرّيف الحفل، هو استجابة باهتة للحضور مقابل العرّيف الذي  يكاد ينفجر زعيقاً، مصرّاً على استعادة “روحية” أيام الثورة الأولى ومن أمام مسجد أبو بكر الصدّيق في المدينة، طلب عرّيف الحفل من الشباب الحاضرين استعادة هتافات تلك الفترة نفسها، وبالحماسة نفسها أيضاً. 

وما كان للقصد من وراء هذا الإلحاح، من جهة عرّيف الحفل عضو “الهيئة السياسية”، أن يغيب عني، أو عمّن حضر المناسبة أو شاهدها، خصوصاً في السياق شديد التوتّر والاستقطاب، الذي يشهده الساحل السوري وسوريا بشكل عام، ولم يغب عن الحفل “الأحداث” حسب اللغة الرسمية التي شهدها الساحل، أي المجازر، إذ قال المحافظ عثمان حينها “شاركنا في فعّالية لوزارة الدفاع لتكريم الجرحى والمصابين خلال العمليّات العسكرية، سواء في معركة التحرير أو في المعركة الأخيرة ضدّ الفلول في اللاذقية”.

البكاء بصوت مخنوق

أكثر ما آلمني، ليست حيرتي تجاه استجابة الحاضرين، ورغبتي في أن تكون باهتة، بينما هي كانت ربما، على العكس تماماً، وفي سياق مشحون حدّ المذبحة. ما آلمني فعلاً، هو تلك الذكرى التي عادت إليّ عن أحد “شهداء” المدينة، وهو واحد من الأسماء التي ذُكرت في قائمة شهدائها. 

أذكر أنه عند وصول نبأ مقتله لم أتمكّن، وأنا أتّصل بأبيه، من أن أقول له كلمة عزاء واحدة، ولا هو أصلاً كان ينتظر مني هذا. كان في ذلك خطر مميت علينا نحن الاثنين، ففي الزمن الأسدي، الهواتف، والجدران، بل وحتى نسمة الهواء، كان لها آذان… تبادلنا كلاماً لا معنى له، بينما كنا نبكي بصمت. 

لم يكن الشابّ، ابن صديقي، قد بلغ السابعة والعشرين من عمره، عند مقتله على أحد خطوط القتال بين قوّات النظام وقوّات المعارضة في الريف الشمالي لمدينة اللاذقية، وما كان يجب أن تكون هكذا نهايته، ولا نهاية من مات من أيّ طرف من الأطراف المتحاربة، في مثل عمره أو من جيله، أو من أيّ عمر، أو جيل، أو طائفة، أو جنسيّة، ولكنّه في النهاية اختار، ومضى في طريقه، كما اختار غيره ومضى لمواجهة المصير نفسه: الموت. 

مهما كانت دوافع الذين انخرطوا في القتال، فإن النظر إلى جثث القتلى في المأساة السورية من زاوية محدّدة، وبعد معركة بالسلاح بين طرفين متأهّبين، وبما لا يدع لأحد فرصة إلا ليرى بعين واحدة، فيرى هذا مات على حقّ، أي شهيد، والآخر مات على باطل، أي “فطيس”. النظر بهذه الطريقة يقودنا إلى شيء واحد: تقسيم الموت. 

وتقسيم الموت بهذه الطريقة، يجعله مستساغاً أكثر، وبالتالي “عادياً” بالنسبة لنا، وكارثة على أعدائنا، تماماً كأية مذبحة عابرة. أظنّ أن مشكلتي مع الاحتفالية، كانت في هذه النقطة بالذات: باعتبار من ماتوا ضمن سياق محدّد وحصري، هم وحدهم الشهداء، أما غيرهم، وبالذات ممن قاتلوا إلى جانب النظام السوري، فهم “فطائس”. كيف يمكننا الحديث عن “مصالحة” بينما ما نزال حتى اللحظة نتعامل مع حدث من مستوى الموت نفسه، وبحجم مجازر جابت الجغرافيا السورية كلّها، بهذا التقسيم؟! 

“شارع” يواجه “شارع” 

يروّج في سوريا حالياً، أو على الأقلّ، في مناطق سيطرة حكومة الشرع، لخطاب فجّ واضح: “كراهية كلّ ما هو غير سنّي”، ولا نتحدّث هنا عن المجازر والفزعات، بل عن جهود مؤثّرين وموظّفين في مؤسّسات إعلامية، يرون أنه “حان وقتهم”، وكلّ ما هو غير سنّي لا يعني الطوائف فقط، بل الرموز التاريخية والتماثيل لمحسوبين على “البعث”، هذا الخطاب تتبنّاه شخصيّات مؤثّرة بارزة، وحشود قرّرت أنها “الأغلبية”، وأنها  على “قلب رجل واحد”، ومن يشذّ فهو “مارق كافر انفصالي خائن”، وفي أحسن الأحوال “كيوت”. 

هذا الخطاب والفاعلون فيه، يوصف أحياناً من قِبل البعض بـ”اللحظة الفاشية السنّية”، يرى أن السنّة وفقط السنّة، هم “الضحيّة”؛ بأل التعريف، لكلّ ممارسات النظام السابق الوحشية، وأنهم (السنّة فقط) وحدهم من قام بالثورة على هذا الظلم، وهم من دفعوا الثمن. 

حالة كهذه، تدفع المرء إلى طرح سؤال، من هو صاحب المصلحة في انتشار هكذا خطاب/ سعار؟! ولماذا كلّ هذا الصخب، سواء في حفل يُفترض أنه لتكريم “شهداء”، أو حتى في مسيرة يُفترض أنها لإحياء فكرة “الوحدة الوطنية”؟ صراخ ورغي وزبد في مناسبة يُفترض أنها للتذكير بمن قضوا، أو للتعايش بين من بقوا على قيد الحياة، لِمَ كلّ هذا في لحظة من المفترض أن تكون للتأمّل، للمسامحة، والأهمّ، للحداد الذي ما زال السوريون محرومون منه؟!

ما نراه ليس بجديد، فالقدرة على الحشد وتحريك الجموع، كانت دائماً بيد  من يشغل قصر الشعب في دمشق. نعم، ثورة 2011، كسرت هذا الاحتكار، وخرجت الجموع طوعاً للتظاهر، لكنّ هذا لم يُفقد “القصر” القدرة على التحشيد،  وهدف حشود القصر دائماً واحد: تقسيم “الجميع” إلى مع وضدّ، وتصنيف “الجميع” ضمن أبسط معاني السياسي: رسم الخطّ بين الأصدقاء والأعداء.

كيف وصلنا إلى هنا؟ سؤال لا يمكن للإجابة عنه أن تختصر أن 54 عاماً من الاستبداد الأسدي ستترك تشوّهات لن تُمحى بسهولة… بل يمكن القول، إن هذا جواب سهل، جواب ينتمي إلى “عهد النظام البائد”، حيث كلّ مشكلة سببها: نظام الأسد! وبالتالي فإن الإجابة عن السؤال يجب أن تبدأ من حيث يصرّ “الجميع” على أنه يفعل ما يفعله، أو ما فعله إلى الآن، في سبيله: سوريا نفسها… هذه الفكرة التي صارت، ومنذ أكثر من نصف قرن بكثير، مصيدة للموت. 

من أين نبدأ؟

يمكن الرجوع بتاريخ تأسيس الكيان السوري كدولة تمّ الإعلان عنها بصفة محدّدة، وبمساحة جغرافية محدّدة، أي ذات شخصيّة سياسية ودستورية محدّدة، إلى تاريخ 14 أيار 1930، تاريخ وضع الدستور السوري من قِبل جمعية تأسيسية سورية. وهو الدستور الذي أصدرته سلطات الانتداب الفرنسي تحت عنوان “دستور الجمهورية السورية”. 

إطلالة سريعة على هذا التاريخ، خصوصاً بمقارنة لحظات من هذا التاريخ مع البؤس الأسدي البالغ السواد، ترافق دائماً مع قول مكرور، أو غنائية بلغت درجة الملل فعلاً، حول دور “العرب السنّة” في سوريا، كحامل رئيسي للمشروع الوطني الجامع.

 قيل هذا، وكُرّر، وتمّ الإشادة والتغنّي به، وأن “العرب السنّة” لم يمارسوا الدور السياسي المنتظر منهم، بصفتهم “الأغلبية” العددية بين السكان، وضامن وحدة الوطن، إلا لفترات قليلة جداً من عمر الكيان الوليد. 

وهؤلاء حتى يمارسوا هذا الدور فعلياً، وبما يجعلهم يتولّون دفّة القيادة نحو برّ أمان يحوي الجميع، وخلال زمن قصير، يمتدّ إلى 95 عاماً حتى يومنا هذا، أي عمر الكيان السوري، كانوا بحاجة إلى صيغة وهياكل مؤسّسية ليتمكّنوا من الحكم بصفتهم هذه الأغلبية. أي إلى جمهورية دستورية، وبرلمان، ومؤسّسات حكم متعدّدة خاضعة لقرار الأغلبية حسب صناديق الاقتراع، بحرّية كاملة للمقترعين لممارسة دورهم، وعمل وفعّالية حقيقيين للمؤسّسات الدستورية، ودون هيمنة خارجية أو داخلية، من قِبل قوى خارج تلك المؤسّسات، قوى هي بالضرورة مسلّحة دائماً. 

هذه الحالة عاشتها سوريا فعلياً، خلال السنوات المذكورة أعلاه، لكن ضمن فترات بحاجة إلى مجهر فعلاً حتى يمكن تمييزها: سنة وأحد عشر شهراً من تاريخ الاستقلال حتى تاريخ الانقلاب العسكري الأوّل، وثلاث سنوات وأحد عشر شهراً، من تاريخ سقوط نظام أديب الشيشكلي حتى قيام الوحدة مع مصر، وسنة وخمسة أشهر، من تاريخ الانفصال عن مصر حتى انقلاب “البعث”. المجموع: سبع سنوات وثلاثة أشهر فقط لا غير، من أصل 95 عاماً، عاشها السوريون في ظلّ حكم استبدادي فُرض عليهم بـ”البسطار العسكري”… وهذا يتضمّن أيضاً السنة الأولى من حكم أحمد الشرع.

في ظلّ هكذا “تاريخ” فإن ردّة الفعل الطبيعية لأية مجموعة بشرية، مهما كان حجمها ضمن أي كيان، هي أن يذهب هذا الكيان إلى الجحيم إن كنّا سندفع ثمن وحدته وبقائه. وهذا كان فعلياً حال “سنّة سوريا العرب” وهم يرزحون تحت نير الظلم الأسدي المدمّر، الذي كرّس امتيازات “الطائفة الحاكمة” طيلة أكثر من نصف عدد سنوات عمر الكيان. هكذا كان حالهم وهم يطالبون بحماية دولية في المظاهرات منذ العام 2011 ، ويحلمون بتدخّل دولي مسلّح لكفّ أذى النظام المفترس عنهم، وهكذا سيكون حال، أيّ طائفة، أو عرق، أو مجموعة بشرية مختلفة عن “الطائفة الحاكمة” أياً كانت تلك الطائفة.

وبالتالي، فإن الفكرة الأساسية لـ “تاريخ نضالات السوريين” في حقيقته، يمكن الافتراض بأنه لم يكن إلا حول من يتولّى الحكم، وينتفع من امتيازاته، وليس حول حقّ الجميع في تشارك المكان بصفته وطناً لهم جميعاً… هذا ما يقوله سبعة وثمانون عاماً وتسعة أشهر، من أصل خمسة وتسعين عاماً من تأسيس الكيان السوري!

نسب وأرقام لا تعني أحداً 

هل كان “الشهيد” ابن صديقي في جبلة، يؤمن بوطن لجميع السوريين عندما حمل السلاح ضدّ نظام الاستبداد الأسدي؟ في ظلّ الوضع القائم آنذاك، ما كان أمامه أيّ خيار سوى المضيّ برهانه إلى آخره. كثر خرجوا في المظاهرات السلمية في بداية الثورة مطالبين بوطن للجميع، واعتُقلوا وقُتلوا تحت التعذيب، ودُمّرت بلداتهم وقراهم، وأُحرقت حقولهم، وفي النهاية، ما كان أمامهم من بدّ سوى المضيّ في معركتهم إلى نهاياتها.

 الآن، وبعد سنوات من الدمار والتخريب والدم، بات طبيعياً أن نرى من يريد أن ينتقم. طبيعي ليس بمعنى أن نقبله، بل أن نفهم بأنه ذلك الشرّ الذي لا مجال لتجاوزه، وهو فعلياً قد بلغ أدنى وأحطّ درك له، في قاع جهنم نفسها، منذ خمسة عشر عاماً.

 منذ انطلق أوّل هتاف للحرّية من أمام المسجد الأموي في قلب دمشق القديمة، في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، إلى يومنا هذا، ومنذ أن أعقبت تلك المظاهرة، الخجولة، بالذات، وبعد أقلّ من ساعة، مظاهرة عارمة من قِبل عناصر الأمن، ومن صادف وجودهم في المكان وأُجبروا على الانخراط، وفي مكان مجاور لمكان المظاهرة الأولى، تهتف لبشّار الأسد ونظامه…

لم تعمّر تلك المرحلة “الرومنطيقية” المطالبة بالحرّية والكرامة وبوطن للجميع، أكثر مما عمّرت دولة المؤسّسات في عمر الكيان السوري. هي سنة أولى فقط من عمر “الثورة”، التي يُفترض أنها دامت أربعة عشر عاماً… ويا للعجب، كلاهما، المرحلة السلمية الديمقراطية من عمر “ثورة” السوريين، والحكم الدستوري الديمقراطي من عمر الكيان السوري، داما في حدود الـ 7% من كلا المرحلتين… النسبة نفسها! 

هل كان ابن صديقي، وكلّ الشهداء الجميلون مثله، يراهنون على تلك النسبة الضئيلة فعلاً؟! وهل الأمّ التي قالت “فشرتوا” بوجه من قتل أبناءها، أو الشبّان الذين تمّ إلقاؤهم من شرفة منزلهم في السويداء، يعرفون كم هي النسبة تلك ضئيلة وغير كافية أبداً لحمايتهم من مصير لا يقلّ سواداً، عن مصير الذين سبقوهم إلى أقبية التعذيب الأسدية؟ 

لا أظنّ أن أحداً معنيّ بنسب، لا معنى لها في كلّ الأحوال، وهناك أناس الآن يُقتلون ولأسباب بات الجميع يعرفها، وإن ادّعى الجميع أيضاً، أنهم لا يقبلون بها. أو أن تلك الأسباب غير صحيحة، تحت أية ذريعة عديمة الأخلاق. الذرائع الأقبح من ذنب، التي تقول إن أولئك الذين ماتوا كانوا إرهابيين، فلولاً، انفصاليين، عملاء لإسرائيل… إلى آخره من المبرّرات التي تحاول أن تقول كلّ شيء، إلا الشيء الوحيد الذي له معنى: أنا أقتلك لأني أمتلك السلاح، ولأنه يمكنني فعل هذا بك متى شئت… 

وهذا فعلياً هو السلاح الذي ينصّب “الشهيد” شهيداً، أكان شهيداً جميلاً فعلاً، ومات وهو يحاول جعل حياته وحياة أهله أقلّ موتاً، أو لو مات وهو يقوم بسرقة قنّ دجاج من مزرعة رجل فقير، جثّته كانت سلاحه الوحيد للدفاع عن آخر ما يملك. السلاح أيضاً، هو ما يفرض على “الجميع” أن يرضخوا لـ “حبّ” وحدة وطنية، رُفع وسط المظاهرات المطالبة بها “صندوق بويا” لتعيير مكوّن كامل من السوريين، يشكّل أكثر من 10% من تعداد السكان…

في النهاية هناك سلاح، وهناك “بسطار” يحمله، وهناك من يريد الخروج من تحت هذا النير بأيّ ثمن. هذا بالذات، هو من يستحقّ كلّ تعاطفنا. وهذا التعاطف، لا يملك أيّ معنى، حتى أخلاقي، وهذا آخر ما نملكه في كلّ الأحوال، إن بقينا نصرّ على أن تلك المقبرة، سوريا، هي وطن ما زال صالحاً لجميع سكّانه.   

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
08.12.2025
زمن القراءة: 9 minutes

أكثر ما آلمني، ليست حيرتي تجاه استجابة الحاضرين، ورغبتي في أن تكون باهتة، بينما هي كانت ربما، على العكس تماماً، وفي سياق مشحون حدّ المذبحة. ما آلمني فعلاً، هو تلك الذكرى التي عادت إليّ عن أحد “شهداء” المدينة، وهو واحد من الأسماء التي ذُكرت في قائمة شهدائها. 

 في مدينة جبلة على الساحل السوري، وفي اليوم التالي لخروج مظاهرات لأبناء الطائفة العلوية احتجاجاً على الظلم الواقع بحقّهم من جهة حكومة دمشق، الظلم الذي بلغ حدّ المجزرة، أُقيم حفل تكريمي لـ”شهداء الثورة السورية” من أبناء المدينة، أولئك الذي قُتلوا في الحرب ضدّ نظام الأسد. 

إقامة هذا الحفل، في هذا الوقت بالذات، لم يكن مستغرباً ضمن الجو المشحون الذي تعيشه المدينة، وباقي مدن الساحل السوري، وعموم سوريا، بسبب الحقن الطائفي الذي عاد يطفو على السطح منذ شهر آذار/ مارس الماضي. 

أصرّت زوجتي على متابعة الفيديو المصوّر للحفل على شاشة موبايلها، لتتأمّل وجوهاً ألفتها، وأحبّتها من بين أُسر الضحايا،  وأوجهاً من المدينة التي عاشت فيها جزءاً حميمياً من طفولتها، وما تخيّلته وأنا أستمع من بعيد إلى عرّيف الحفل، هو استجابة باهتة للحضور مقابل العرّيف الذي  يكاد ينفجر زعيقاً، مصرّاً على استعادة “روحية” أيام الثورة الأولى ومن أمام مسجد أبو بكر الصدّيق في المدينة، طلب عرّيف الحفل من الشباب الحاضرين استعادة هتافات تلك الفترة نفسها، وبالحماسة نفسها أيضاً. 

وما كان للقصد من وراء هذا الإلحاح، من جهة عرّيف الحفل عضو “الهيئة السياسية”، أن يغيب عني، أو عمّن حضر المناسبة أو شاهدها، خصوصاً في السياق شديد التوتّر والاستقطاب، الذي يشهده الساحل السوري وسوريا بشكل عام، ولم يغب عن الحفل “الأحداث” حسب اللغة الرسمية التي شهدها الساحل، أي المجازر، إذ قال المحافظ عثمان حينها “شاركنا في فعّالية لوزارة الدفاع لتكريم الجرحى والمصابين خلال العمليّات العسكرية، سواء في معركة التحرير أو في المعركة الأخيرة ضدّ الفلول في اللاذقية”.

البكاء بصوت مخنوق

أكثر ما آلمني، ليست حيرتي تجاه استجابة الحاضرين، ورغبتي في أن تكون باهتة، بينما هي كانت ربما، على العكس تماماً، وفي سياق مشحون حدّ المذبحة. ما آلمني فعلاً، هو تلك الذكرى التي عادت إليّ عن أحد “شهداء” المدينة، وهو واحد من الأسماء التي ذُكرت في قائمة شهدائها. 

أذكر أنه عند وصول نبأ مقتله لم أتمكّن، وأنا أتّصل بأبيه، من أن أقول له كلمة عزاء واحدة، ولا هو أصلاً كان ينتظر مني هذا. كان في ذلك خطر مميت علينا نحن الاثنين، ففي الزمن الأسدي، الهواتف، والجدران، بل وحتى نسمة الهواء، كان لها آذان… تبادلنا كلاماً لا معنى له، بينما كنا نبكي بصمت. 

لم يكن الشابّ، ابن صديقي، قد بلغ السابعة والعشرين من عمره، عند مقتله على أحد خطوط القتال بين قوّات النظام وقوّات المعارضة في الريف الشمالي لمدينة اللاذقية، وما كان يجب أن تكون هكذا نهايته، ولا نهاية من مات من أيّ طرف من الأطراف المتحاربة، في مثل عمره أو من جيله، أو من أيّ عمر، أو جيل، أو طائفة، أو جنسيّة، ولكنّه في النهاية اختار، ومضى في طريقه، كما اختار غيره ومضى لمواجهة المصير نفسه: الموت. 

مهما كانت دوافع الذين انخرطوا في القتال، فإن النظر إلى جثث القتلى في المأساة السورية من زاوية محدّدة، وبعد معركة بالسلاح بين طرفين متأهّبين، وبما لا يدع لأحد فرصة إلا ليرى بعين واحدة، فيرى هذا مات على حقّ، أي شهيد، والآخر مات على باطل، أي “فطيس”. النظر بهذه الطريقة يقودنا إلى شيء واحد: تقسيم الموت. 

وتقسيم الموت بهذه الطريقة، يجعله مستساغاً أكثر، وبالتالي “عادياً” بالنسبة لنا، وكارثة على أعدائنا، تماماً كأية مذبحة عابرة. أظنّ أن مشكلتي مع الاحتفالية، كانت في هذه النقطة بالذات: باعتبار من ماتوا ضمن سياق محدّد وحصري، هم وحدهم الشهداء، أما غيرهم، وبالذات ممن قاتلوا إلى جانب النظام السوري، فهم “فطائس”. كيف يمكننا الحديث عن “مصالحة” بينما ما نزال حتى اللحظة نتعامل مع حدث من مستوى الموت نفسه، وبحجم مجازر جابت الجغرافيا السورية كلّها، بهذا التقسيم؟! 

“شارع” يواجه “شارع” 

يروّج في سوريا حالياً، أو على الأقلّ، في مناطق سيطرة حكومة الشرع، لخطاب فجّ واضح: “كراهية كلّ ما هو غير سنّي”، ولا نتحدّث هنا عن المجازر والفزعات، بل عن جهود مؤثّرين وموظّفين في مؤسّسات إعلامية، يرون أنه “حان وقتهم”، وكلّ ما هو غير سنّي لا يعني الطوائف فقط، بل الرموز التاريخية والتماثيل لمحسوبين على “البعث”، هذا الخطاب تتبنّاه شخصيّات مؤثّرة بارزة، وحشود قرّرت أنها “الأغلبية”، وأنها  على “قلب رجل واحد”، ومن يشذّ فهو “مارق كافر انفصالي خائن”، وفي أحسن الأحوال “كيوت”. 

هذا الخطاب والفاعلون فيه، يوصف أحياناً من قِبل البعض بـ”اللحظة الفاشية السنّية”، يرى أن السنّة وفقط السنّة، هم “الضحيّة”؛ بأل التعريف، لكلّ ممارسات النظام السابق الوحشية، وأنهم (السنّة فقط) وحدهم من قام بالثورة على هذا الظلم، وهم من دفعوا الثمن. 

حالة كهذه، تدفع المرء إلى طرح سؤال، من هو صاحب المصلحة في انتشار هكذا خطاب/ سعار؟! ولماذا كلّ هذا الصخب، سواء في حفل يُفترض أنه لتكريم “شهداء”، أو حتى في مسيرة يُفترض أنها لإحياء فكرة “الوحدة الوطنية”؟ صراخ ورغي وزبد في مناسبة يُفترض أنها للتذكير بمن قضوا، أو للتعايش بين من بقوا على قيد الحياة، لِمَ كلّ هذا في لحظة من المفترض أن تكون للتأمّل، للمسامحة، والأهمّ، للحداد الذي ما زال السوريون محرومون منه؟!

ما نراه ليس بجديد، فالقدرة على الحشد وتحريك الجموع، كانت دائماً بيد  من يشغل قصر الشعب في دمشق. نعم، ثورة 2011، كسرت هذا الاحتكار، وخرجت الجموع طوعاً للتظاهر، لكنّ هذا لم يُفقد “القصر” القدرة على التحشيد،  وهدف حشود القصر دائماً واحد: تقسيم “الجميع” إلى مع وضدّ، وتصنيف “الجميع” ضمن أبسط معاني السياسي: رسم الخطّ بين الأصدقاء والأعداء.

كيف وصلنا إلى هنا؟ سؤال لا يمكن للإجابة عنه أن تختصر أن 54 عاماً من الاستبداد الأسدي ستترك تشوّهات لن تُمحى بسهولة… بل يمكن القول، إن هذا جواب سهل، جواب ينتمي إلى “عهد النظام البائد”، حيث كلّ مشكلة سببها: نظام الأسد! وبالتالي فإن الإجابة عن السؤال يجب أن تبدأ من حيث يصرّ “الجميع” على أنه يفعل ما يفعله، أو ما فعله إلى الآن، في سبيله: سوريا نفسها… هذه الفكرة التي صارت، ومنذ أكثر من نصف قرن بكثير، مصيدة للموت. 

من أين نبدأ؟

يمكن الرجوع بتاريخ تأسيس الكيان السوري كدولة تمّ الإعلان عنها بصفة محدّدة، وبمساحة جغرافية محدّدة، أي ذات شخصيّة سياسية ودستورية محدّدة، إلى تاريخ 14 أيار 1930، تاريخ وضع الدستور السوري من قِبل جمعية تأسيسية سورية. وهو الدستور الذي أصدرته سلطات الانتداب الفرنسي تحت عنوان “دستور الجمهورية السورية”. 

إطلالة سريعة على هذا التاريخ، خصوصاً بمقارنة لحظات من هذا التاريخ مع البؤس الأسدي البالغ السواد، ترافق دائماً مع قول مكرور، أو غنائية بلغت درجة الملل فعلاً، حول دور “العرب السنّة” في سوريا، كحامل رئيسي للمشروع الوطني الجامع.

 قيل هذا، وكُرّر، وتمّ الإشادة والتغنّي به، وأن “العرب السنّة” لم يمارسوا الدور السياسي المنتظر منهم، بصفتهم “الأغلبية” العددية بين السكان، وضامن وحدة الوطن، إلا لفترات قليلة جداً من عمر الكيان الوليد. 

وهؤلاء حتى يمارسوا هذا الدور فعلياً، وبما يجعلهم يتولّون دفّة القيادة نحو برّ أمان يحوي الجميع، وخلال زمن قصير، يمتدّ إلى 95 عاماً حتى يومنا هذا، أي عمر الكيان السوري، كانوا بحاجة إلى صيغة وهياكل مؤسّسية ليتمكّنوا من الحكم بصفتهم هذه الأغلبية. أي إلى جمهورية دستورية، وبرلمان، ومؤسّسات حكم متعدّدة خاضعة لقرار الأغلبية حسب صناديق الاقتراع، بحرّية كاملة للمقترعين لممارسة دورهم، وعمل وفعّالية حقيقيين للمؤسّسات الدستورية، ودون هيمنة خارجية أو داخلية، من قِبل قوى خارج تلك المؤسّسات، قوى هي بالضرورة مسلّحة دائماً. 

هذه الحالة عاشتها سوريا فعلياً، خلال السنوات المذكورة أعلاه، لكن ضمن فترات بحاجة إلى مجهر فعلاً حتى يمكن تمييزها: سنة وأحد عشر شهراً من تاريخ الاستقلال حتى تاريخ الانقلاب العسكري الأوّل، وثلاث سنوات وأحد عشر شهراً، من تاريخ سقوط نظام أديب الشيشكلي حتى قيام الوحدة مع مصر، وسنة وخمسة أشهر، من تاريخ الانفصال عن مصر حتى انقلاب “البعث”. المجموع: سبع سنوات وثلاثة أشهر فقط لا غير، من أصل 95 عاماً، عاشها السوريون في ظلّ حكم استبدادي فُرض عليهم بـ”البسطار العسكري”… وهذا يتضمّن أيضاً السنة الأولى من حكم أحمد الشرع.

في ظلّ هكذا “تاريخ” فإن ردّة الفعل الطبيعية لأية مجموعة بشرية، مهما كان حجمها ضمن أي كيان، هي أن يذهب هذا الكيان إلى الجحيم إن كنّا سندفع ثمن وحدته وبقائه. وهذا كان فعلياً حال “سنّة سوريا العرب” وهم يرزحون تحت نير الظلم الأسدي المدمّر، الذي كرّس امتيازات “الطائفة الحاكمة” طيلة أكثر من نصف عدد سنوات عمر الكيان. هكذا كان حالهم وهم يطالبون بحماية دولية في المظاهرات منذ العام 2011 ، ويحلمون بتدخّل دولي مسلّح لكفّ أذى النظام المفترس عنهم، وهكذا سيكون حال، أيّ طائفة، أو عرق، أو مجموعة بشرية مختلفة عن “الطائفة الحاكمة” أياً كانت تلك الطائفة.

وبالتالي، فإن الفكرة الأساسية لـ “تاريخ نضالات السوريين” في حقيقته، يمكن الافتراض بأنه لم يكن إلا حول من يتولّى الحكم، وينتفع من امتيازاته، وليس حول حقّ الجميع في تشارك المكان بصفته وطناً لهم جميعاً… هذا ما يقوله سبعة وثمانون عاماً وتسعة أشهر، من أصل خمسة وتسعين عاماً من تأسيس الكيان السوري!

نسب وأرقام لا تعني أحداً 

هل كان “الشهيد” ابن صديقي في جبلة، يؤمن بوطن لجميع السوريين عندما حمل السلاح ضدّ نظام الاستبداد الأسدي؟ في ظلّ الوضع القائم آنذاك، ما كان أمامه أيّ خيار سوى المضيّ برهانه إلى آخره. كثر خرجوا في المظاهرات السلمية في بداية الثورة مطالبين بوطن للجميع، واعتُقلوا وقُتلوا تحت التعذيب، ودُمّرت بلداتهم وقراهم، وأُحرقت حقولهم، وفي النهاية، ما كان أمامهم من بدّ سوى المضيّ في معركتهم إلى نهاياتها.

 الآن، وبعد سنوات من الدمار والتخريب والدم، بات طبيعياً أن نرى من يريد أن ينتقم. طبيعي ليس بمعنى أن نقبله، بل أن نفهم بأنه ذلك الشرّ الذي لا مجال لتجاوزه، وهو فعلياً قد بلغ أدنى وأحطّ درك له، في قاع جهنم نفسها، منذ خمسة عشر عاماً.

 منذ انطلق أوّل هتاف للحرّية من أمام المسجد الأموي في قلب دمشق القديمة، في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، إلى يومنا هذا، ومنذ أن أعقبت تلك المظاهرة، الخجولة، بالذات، وبعد أقلّ من ساعة، مظاهرة عارمة من قِبل عناصر الأمن، ومن صادف وجودهم في المكان وأُجبروا على الانخراط، وفي مكان مجاور لمكان المظاهرة الأولى، تهتف لبشّار الأسد ونظامه…

لم تعمّر تلك المرحلة “الرومنطيقية” المطالبة بالحرّية والكرامة وبوطن للجميع، أكثر مما عمّرت دولة المؤسّسات في عمر الكيان السوري. هي سنة أولى فقط من عمر “الثورة”، التي يُفترض أنها دامت أربعة عشر عاماً… ويا للعجب، كلاهما، المرحلة السلمية الديمقراطية من عمر “ثورة” السوريين، والحكم الدستوري الديمقراطي من عمر الكيان السوري، داما في حدود الـ 7% من كلا المرحلتين… النسبة نفسها! 

هل كان ابن صديقي، وكلّ الشهداء الجميلون مثله، يراهنون على تلك النسبة الضئيلة فعلاً؟! وهل الأمّ التي قالت “فشرتوا” بوجه من قتل أبناءها، أو الشبّان الذين تمّ إلقاؤهم من شرفة منزلهم في السويداء، يعرفون كم هي النسبة تلك ضئيلة وغير كافية أبداً لحمايتهم من مصير لا يقلّ سواداً، عن مصير الذين سبقوهم إلى أقبية التعذيب الأسدية؟ 

لا أظنّ أن أحداً معنيّ بنسب، لا معنى لها في كلّ الأحوال، وهناك أناس الآن يُقتلون ولأسباب بات الجميع يعرفها، وإن ادّعى الجميع أيضاً، أنهم لا يقبلون بها. أو أن تلك الأسباب غير صحيحة، تحت أية ذريعة عديمة الأخلاق. الذرائع الأقبح من ذنب، التي تقول إن أولئك الذين ماتوا كانوا إرهابيين، فلولاً، انفصاليين، عملاء لإسرائيل… إلى آخره من المبرّرات التي تحاول أن تقول كلّ شيء، إلا الشيء الوحيد الذي له معنى: أنا أقتلك لأني أمتلك السلاح، ولأنه يمكنني فعل هذا بك متى شئت… 

وهذا فعلياً هو السلاح الذي ينصّب “الشهيد” شهيداً، أكان شهيداً جميلاً فعلاً، ومات وهو يحاول جعل حياته وحياة أهله أقلّ موتاً، أو لو مات وهو يقوم بسرقة قنّ دجاج من مزرعة رجل فقير، جثّته كانت سلاحه الوحيد للدفاع عن آخر ما يملك. السلاح أيضاً، هو ما يفرض على “الجميع” أن يرضخوا لـ “حبّ” وحدة وطنية، رُفع وسط المظاهرات المطالبة بها “صندوق بويا” لتعيير مكوّن كامل من السوريين، يشكّل أكثر من 10% من تعداد السكان…

في النهاية هناك سلاح، وهناك “بسطار” يحمله، وهناك من يريد الخروج من تحت هذا النير بأيّ ثمن. هذا بالذات، هو من يستحقّ كلّ تعاطفنا. وهذا التعاطف، لا يملك أيّ معنى، حتى أخلاقي، وهذا آخر ما نملكه في كلّ الأحوال، إن بقينا نصرّ على أن تلك المقبرة، سوريا، هي وطن ما زال صالحاً لجميع سكّانه.