ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

«أصوات من جبل عامل»

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أنتجنا ضمن مشروع «دورنا» 49 مادّة صحافية: 29 مقالاً ومنشوراً، و20 فيديو وريل. وتناولت هذه الموادّ أربعة محاور أساسية: المواطنة والتعدّدية؛ الحكم و”حزب الله” والأصوات المعترضة؛ الحرب وإعادة الإعمار والنزوح؛ والثقافة والبيئة والصمود المحلّي. بالنسبة لنا، المقالات كانت الأساس الذي أعطى المشروع عمقه، بينما ساعدتنا الفيديوهات على نقل هذه الأفكار والتجارب إلى جمهور أوسع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أطلقت منظّمة «دورنا»، عبر مبادرة «دورنا نحكي» وبرعاية وزير الثقافة الدكتور غسّان سلامة، ورقة المناصرة «أصوات من جبل عامل: محاولة للخروج من النكبة»، في حفل أُقيم في مسرح مونو في بيروت في الثلاثين من تمّوز/ يوليو 2026.

أعدّ الورقة الصحافية بادية فحص والمدير التنفيذي لمنظّمة «دورنا» علي مصرّح، بعد مسار تشاركي امتدّ لأكثر من عام، شارك فيه صحافيون وباحثون وفاعلون ثقافيون ومدنيون من جبل عامل والجنوب. وتطرح الورقة رؤية سياسية واجتماعية لمستقبل الجنوب بعد الحرب، انطلاقاً من أن إعادة الإعمار لا تقتصر على ترميم المنازل والبنى التحتية، بل تتطلّب استعادة دور الدولة، وحماية الحرّيات، ودعم المؤسّسات العامّة، وتوسيع مساحة التعدّد داخل المجتمع الجنوبي والشيعي، وهي موجَّهة إلى ثماني وزارات.

وكان موقعا «درج» و«مناطق نت» شريكين إعلاميين للمبادرة، ونشرنا على مدى أربعة عشر شهراً تسعاً وأربعين مادّة، بين مقال وتحقيق وفيديو من ضمن العمل نفسه. وألقت عليا إبراهيم، الشريكة المؤسِّسة لـ«درج»، هذه الكلمة في حفل الإطلاق، وهذا نصّها كما أُلقيت.

الأصدقاء في منظّمة «دورنا»، ورفاق مبادرة «دورنا نحكي»، الزميلات والزملاء، الحضور الكريم، مساء الخير.

سأبدأ باعتراف: حين وصلتني هذه التوصيات، لم أقرأها كورقة مناصرة. قرأتها كخطٍّ زمني لحياتي. كأن كلّ توصية تفتح باباً على ذاكرة، أو على قصّة، أو على محطّة عشتها وشاهدت من خلالها كيف وصلنا إلى هنا.

وأعتقد أن هذا لا يخصّني وحدي. معظم الموجودين في هذه القاعة عاشوا؛ كلّ من موقعه، جزءاً من هذه القصّة.

أنا كبرت في طرابلس خلال الحرب الأهلية، وفي ذاكرتي كطفلة، كانت الحرب في لبنان بين المسلمين والمسيحيين. لم أكن قد سمعت تقريباً بالشيعة كهويّة سياسية مستقلّة، ولم أكن أعرف شيئاً عن جبل عامل، ولا عن تعقيدات ما نسمّيه اليوم «المسألة الشيعية».

تعرّفت إلى هذه التعقيدات لاحقاً، عندما دخلت الجامعة الأميركية، وكانت الحرب قد انتهت للتوّ.

أتذكّر شابّات من “حزب الله” كنّ يطرقن باب غرفتي في السكن الجامعي، ويدعونني إلى اجتماعاتهنّ، ويقلن لي إنهنّ يستطعن مساعدتي في الأقساط. وأنا، بصراحة، لم أكن حتى فضوليّة بما يكفي لأذهب وأرى.

أقولها اليوم بشيء من الأسف المهني: لم أذهب لأفهم. وقد استغرق منّي الأمر عمراً كي أفهم.

وعندما أتذكّر هذه القصّة اليوم، أفهم معناها بطريقة مختلفة. لم تكن مجرّد دعوة إلى اجتماع سياسي. كان هناك مشروع حزبي يعرف تماماً من أين يدخل: من الأبواب التي تتركها الدولة مفتوحة. التعليم، المساعدة الاجتماعية، الشعور بالانتماء، والحاجة إلى الحماية.

لأنّ الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغاً.

في العام 1996، كنت لا أزال طالبة، وكانت تغطية مجزرة قانا من الأسباب الأساسية التي جعلتني أريد أن أصبح صحافية. لم يكن ذلك قراراً مهنيّاً محسوباً. لكنّني، للمرّة الأولى، شعرت بهذا الوضوح أن الصحافة تستطيع أن توثّق ما يُراد له أن يضيع، وأن تنقل تجربة الناس وخساراتهم من مكان بعيد عن الضوء إلى قلب النقاش العامّ.

ثمّ وصلت إلى توصيات وزارة التربية… فعدتُ إلى أوّل تحقيق في حياتي.

كان عن الجامعة اللبنانية، كليّة الحقوق تحديداً. لا أتذكّر ماذا كتبت، أتذكّر تماماً كيف قابلت الطلاب: في سيّارات، بعيداً عن الحرم الجامعي. كانوا خائفين من أن يراهم أحد وهم يتحدّثون إلى صحافية.

كان ذلك، ربّما، أوّل تحقيق أختبر فيه هذا النوع من «الحساسية»، وكانت أوّل مرّة يصلني فيها اتّصال من مكتب رئيس مجلس النوّاب. الله يرحمه عرفات حجازي، قال لي: «الرئيس زعلان من التحقيق».

وهذه من القصص القليلة التي مرّ عليها ثلاثون سنة وتغيّر معظم أبطالها: الطلاب تخرّجوا وسافروا، وولادهم عم يتخرّجوا… إلا الرئيس برّي طبعاً، ما تغيّر.

أقول هذا لأنّ التوصية الواردة في هذه الورقة — بوقف تدخّل الأحزاب في آليّات تعيين أساتذة المدرسة الرسمية والجامعة الوطنية، وبوضع قيود واضحة على الدعاية السياسية داخل المدارس — ليست توصية تقنيّة، إنها توصية عن الخوف، وعن وضع صار، بعد ثلاثين سنة، أصعب وأعقد.

الجامعة اللبنانية بقيت، خلال الحرب وكلّ الأزمات التي تلتها، واحدة من المؤسّسات الوطنية القليلة التي ظلّت واقفة.

بعد انهيار 2019، وفي سياق تحرّك لأساتذة الجامعة، تحدّثت إلى أستاذ عاش ودرّس خلال كلّ سنوات الحرب، ولم يترك الجامعة يوماً، وفي أثناء حديثنا، بدأ يبكي.

«كل سنين الحرب ما تركت. بس هلّق ما بقا فيّي. ما في كهربا بالجامعة، والصفّ بالطابق السادس. ما في ورق إطبع للطلاب شو لازم يعملوا. وما في إنترنت إعمل صفّ عن بُعد. ما بعرف شو أعمل».

هذه الجملة بقيت معي، ولم يكن فيها عجز وغضب فقط — كان فيها خوف.

لأن سقوط الجامعة اللبنانية لا يعني خسارة مؤسّسة تعليمية. يعني سقوط واحدة من آخر المؤسّسات التي كانت تجمع اللبنانيين، وتعطي أولادهم فرصة، وتحافظ — رغم كلّ شيء — على فكرة أن هناك دولة، وأن هناك حقّاً عامّاً يفترض أن يكون متاحاً للجميع.

وعندما قرأت التوصيات المتعلّقة بالتعليم وكتابة التاريخ، تذكّرت قصّة صحافية غطّيتها عن الخلاف في مجلس النوّاب حول كتاب التاريخ.

وبعد سنوات، وأنا أساعد ابنتي على دراسة التاريخ والتربية الوطنية للبكالوريا، اختبرت بنفسي ما أوصلتنا إليه التسويات من نصوص نعلّمها لأولادنا. وأقلّ ما يقال إنّها مأساة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. ليس فقط لأنّنا لم نتّفق على سردية مشتركة، بل لأنّ السردية التي قبلنا بها قمعية — مثل كلّ شيء آخر في هذا البلد — وكفيلة بتعميق الهوّة بين الناس.

منذ انتهاء الحرب ونحن نحاول أن نتّفق على ماذا نقول عن الماضي، وكيف نقوله، وما الذي نعلّمه لأولادنا، ولم نتّفق: لا على سردية مشتركة، ولا حتى على مساحة آمنة تسمح لنا بأن نختلف حولها.

ثمّ جاءت موجة الاغتيالات. وجاء 8 و 14 آذار، وصعدت الثنائية الشيعية أكثر فأكثر، ثمّ جاء 7  أيّار، وانتقلنا تدريجياً إلى مرحلة صارت فيها هيمنة “حزب الله” على القرار السياسي والأمني واقعاً يطبع البلد كلّه.

معظم مَن في هذه القاعة عاش هذا كلّه، شخصياً ومهنياً. لم نقرأ كيف وصلنا إلى هنا — نحن عشنا كلّ تفاصيل هذا الوصول.

وحقيقة الأمر ليست أنّنا لم نحاول. حقيقة الأمر أنّنا حاولنا كثيراً — لكن بطريقة مجزّأة: كلّ في مساحته الصغيرة، وكلّ مؤسّسة داخل مشروعها، وكلّ مبادرة تحاول سدّ فجوة منفصلة.

وكلّ مبادرة كنت جزءاً منها كانت تبدأ من السؤال نفسه: هناك عمل يجب أن تقوم به الدولة، والدولة لا تقوم به — فماذا يمكننا أن نفعل نحن؟

وهكذا وجد المجتمع المدني نفسه يقوم بجزء من عمل الدولة، والإعلام يقوم بجزءٍ من عملها، والجامعة، والأستاذ، والمبادرة المحلّية… كلّ يفعل ما يستطيع لكي يمنع جزءاً إضافياً من البلد من السقوط.

لكن لا يمكن أن يبقى المجتمع المدني بديلاً دائماً من الدولة، ولا يمكن للتوصيات أن تصبح طريقة أنيقة لإدارة غيابها.

لأنّ ما نقرأه هنا ليس لائحة مطالب منفصلة موجّهة إلى ثماني وزارات. هذه التوصيات، في جوهرها، مشروع واحد: إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

عندما نتحدّث عن التعليم، لا نتحدّث عن مناهج وكتب فقط، بل عن ذاكرة مشتركة، وعن جامعة وطنية، وعن مكان يلتقي فيه اللبنانيون كمواطنين.

وعندما نتحدّث عن الوزارات والمؤسّسات الاجتماعية والإدارية، نتحدّث عن استعادة الدولة لمسؤوليتها تجاه الناس، لأنّ الحزب يبني سلطته حين يصبح هو مصدر التعليم والمساعدة والحماية وفرص العمل.

وعندما نتحدّث عن الثقافة والإعلام والمساحات العامّة، نقول إنّ المجتمع الشيعي ليس صوتاً واحداً ولا تجربة واحدة، وإنّ حماية التعدّد داخله ليست شأناً شيعياً؛ إنّها شرط لبناء دولة مواطنة لكلّ اللبنانيين.

وما سيجعل هذه التوصيات مختلفة ليس مضمونها وحده، ما سيجعلها مختلفة هو إرادة للعمل معاً، ومسؤولية واضحة عن التنفيذ، وتعاون حقيقي بين الوزارات والمؤسّسات والمجتمع المدني — مع جدول زمني وآليّة للمتابعة والمساءلة.

أمّا بالنسبة إلى درج، فلم نعتبر أنّ دورنا في هذا المشروع هو أن نتحدّث باسم أبناء جبل عامل، أو أن نقرّر عنهم ما الذي يفكّرون فيه وما الذي يريدونه.

كان دورنا أن نفتح المساحة لكي يتحدّثوا هم: بتعدّدهم، واختلافاتهم، وتناقضاتهم أحياناً، وأن ننقل هذه الأصوات من الدوائر المغلقة والهامش إلى النقاش العامّ.

أنتجنا ضمن هذا المشروع 49 مادّة صحافية: 29 مقالاً ومنشوراً، و20 فيديو وريل. وتناولت هذه الموادّ أربعة محاور أساسية: المواطنة والتعدّدية؛ الحكم و”حزب الله” والأصوات المعترضة؛ الحرب وإعادة الإعمار والنزوح؛ والثقافة والبيئة والصمود المحلّي. بالنسبة لنا، المقالات كانت الأساس الذي أعطى المشروع عمقه، بينما ساعدتنا الفيديوهات على نقل هذه الأفكار والتجارب إلى جمهور أوسع.

لكنّ أكثر الموادّ تأثيراً لم تكن تلك التي قدّمت تحليلاً سياسياً مجرّداً. كانت الشهادات الإنسانية، والأصوات الصادرة من داخل التجربة.

كان من بينها سؤال هناء جابر وهي تتحدّث عن تدمير بنت جبيل: «ليش بيكرهونا؟»، وكلام عصمت فاعور: «على حزب الله التوقّف عن الكذب»، والسؤال: «لماذا يخشى حزب الله الأصوات الداخلية المعترضة؟»

هذه الموادّ أكّدت شيئاً نؤمن به في “درج”: الناس قد تختلف مع التحليل والشعار والموقف السياسي، لكنّها لا تستطيع بسهولة أن تتجاهل شهادة إنسانية صادقة، وصوتاً يجرؤ على الكلام من داخل التجربة.

وصل مجموع التعرّض الموثّق لهذه الموادّ إلى نحو 630 ألفاً، وسجّلنا أكثر من 14 ألفاً و500 تفاعل. وجاء 61 في المئة من هذا الوصول عبر الفيديو والريل، بينما شكّل إنستغرام وفيسبوك المحرّك الأساسي للتوزيع.

هذه الأرقام مهمّة، لكنّها ليست الهدف بحدّ ذاتها.

الأهمّ أنّ أصواتاً كانت تتحدّث بخوف، أو في دوائر ضيّقة ومغلقة، أصبحت جزءاً من حوار عامّ، وأصبح من الصعب على أيّ طرف أن يدّعي أنّ المجتمع الشيعي كتلة واحدة، أو أنّ صوتاً واحداً يملك حقّ التحدّث باسمه.

ودور الصحافة أن تستمع، وأن توثّق، وأن تفتح المساحة، وأن تربط بين التجربة الشخصية والسؤال العامّ، لكنّها لا تستطيع تنفيذ التوصيات، ولا يمكنها أن تحلّ محلّ الدولة.

ربّما ليست هذه المرّة الأولى التي تصل فيها توصيات إلى الحكومة، لكنّني أريد أن أصدّق أنّها يمكن أن تكون بداية لطريقة مختلفة في العمل.

لأنّ ما هو على المحكّ ليس مستقبل الجنوب فقط، ولا مستقبل المجتمع الشيعي، ما هو على المحكّ هو شكل البلد الذي نريد أن نعيش فيه جميعاً. بلد آمن، تكون فيه الدولة حاضرة، ويُعامل فيه المواطنون على قدم المساواة، ولا يحتاج أحد فيه إلى حزب أو زعيم أو واسطة لكي يحصل على حقّه، أو لكي يشعر أنّه محميّ، أو لكي يضمن لأولاده تعليماً ومستقبلاً.

لقد أمضينا سنوات طويلة نحاول؛ كلّ من موقعه، أن نسدّ فراغ الدولة.

ربّما حان الوقت لكي نعمل معاً — لا على إدارة هذا الفراغ، بل على إنهائه.

شكراً.

دورنا نحكي

أنتجنا ضمن مشروع «دورنا» 49 مادّة صحافية: 29 مقالاً ومنشوراً، و20 فيديو وريل. وتناولت هذه الموادّ أربعة محاور أساسية: المواطنة والتعدّدية؛ الحكم و”حزب الله” والأصوات المعترضة؛ الحرب وإعادة الإعمار والنزوح؛ والثقافة والبيئة والصمود المحلّي. بالنسبة لنا، المقالات كانت الأساس الذي أعطى المشروع عمقه، بينما ساعدتنا الفيديوهات على نقل هذه الأفكار والتجارب إلى جمهور أوسع.

أطلقت منظّمة «دورنا»، عبر مبادرة «دورنا نحكي» وبرعاية وزير الثقافة الدكتور غسّان سلامة، ورقة المناصرة «أصوات من جبل عامل: محاولة للخروج من النكبة»، في حفل أُقيم في مسرح مونو في بيروت في الثلاثين من تمّوز/ يوليو 2026.

أعدّ الورقة الصحافية بادية فحص والمدير التنفيذي لمنظّمة «دورنا» علي مصرّح، بعد مسار تشاركي امتدّ لأكثر من عام، شارك فيه صحافيون وباحثون وفاعلون ثقافيون ومدنيون من جبل عامل والجنوب. وتطرح الورقة رؤية سياسية واجتماعية لمستقبل الجنوب بعد الحرب، انطلاقاً من أن إعادة الإعمار لا تقتصر على ترميم المنازل والبنى التحتية، بل تتطلّب استعادة دور الدولة، وحماية الحرّيات، ودعم المؤسّسات العامّة، وتوسيع مساحة التعدّد داخل المجتمع الجنوبي والشيعي، وهي موجَّهة إلى ثماني وزارات.

وكان موقعا «درج» و«مناطق نت» شريكين إعلاميين للمبادرة، ونشرنا على مدى أربعة عشر شهراً تسعاً وأربعين مادّة، بين مقال وتحقيق وفيديو من ضمن العمل نفسه. وألقت عليا إبراهيم، الشريكة المؤسِّسة لـ«درج»، هذه الكلمة في حفل الإطلاق، وهذا نصّها كما أُلقيت.

الأصدقاء في منظّمة «دورنا»، ورفاق مبادرة «دورنا نحكي»، الزميلات والزملاء، الحضور الكريم، مساء الخير.

سأبدأ باعتراف: حين وصلتني هذه التوصيات، لم أقرأها كورقة مناصرة. قرأتها كخطٍّ زمني لحياتي. كأن كلّ توصية تفتح باباً على ذاكرة، أو على قصّة، أو على محطّة عشتها وشاهدت من خلالها كيف وصلنا إلى هنا.

وأعتقد أن هذا لا يخصّني وحدي. معظم الموجودين في هذه القاعة عاشوا؛ كلّ من موقعه، جزءاً من هذه القصّة.

أنا كبرت في طرابلس خلال الحرب الأهلية، وفي ذاكرتي كطفلة، كانت الحرب في لبنان بين المسلمين والمسيحيين. لم أكن قد سمعت تقريباً بالشيعة كهويّة سياسية مستقلّة، ولم أكن أعرف شيئاً عن جبل عامل، ولا عن تعقيدات ما نسمّيه اليوم «المسألة الشيعية».

تعرّفت إلى هذه التعقيدات لاحقاً، عندما دخلت الجامعة الأميركية، وكانت الحرب قد انتهت للتوّ.

أتذكّر شابّات من “حزب الله” كنّ يطرقن باب غرفتي في السكن الجامعي، ويدعونني إلى اجتماعاتهنّ، ويقلن لي إنهنّ يستطعن مساعدتي في الأقساط. وأنا، بصراحة، لم أكن حتى فضوليّة بما يكفي لأذهب وأرى.

أقولها اليوم بشيء من الأسف المهني: لم أذهب لأفهم. وقد استغرق منّي الأمر عمراً كي أفهم.

وعندما أتذكّر هذه القصّة اليوم، أفهم معناها بطريقة مختلفة. لم تكن مجرّد دعوة إلى اجتماع سياسي. كان هناك مشروع حزبي يعرف تماماً من أين يدخل: من الأبواب التي تتركها الدولة مفتوحة. التعليم، المساعدة الاجتماعية، الشعور بالانتماء، والحاجة إلى الحماية.

لأنّ الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغاً.

في العام 1996، كنت لا أزال طالبة، وكانت تغطية مجزرة قانا من الأسباب الأساسية التي جعلتني أريد أن أصبح صحافية. لم يكن ذلك قراراً مهنيّاً محسوباً. لكنّني، للمرّة الأولى، شعرت بهذا الوضوح أن الصحافة تستطيع أن توثّق ما يُراد له أن يضيع، وأن تنقل تجربة الناس وخساراتهم من مكان بعيد عن الضوء إلى قلب النقاش العامّ.

ثمّ وصلت إلى توصيات وزارة التربية… فعدتُ إلى أوّل تحقيق في حياتي.

كان عن الجامعة اللبنانية، كليّة الحقوق تحديداً. لا أتذكّر ماذا كتبت، أتذكّر تماماً كيف قابلت الطلاب: في سيّارات، بعيداً عن الحرم الجامعي. كانوا خائفين من أن يراهم أحد وهم يتحدّثون إلى صحافية.

كان ذلك، ربّما، أوّل تحقيق أختبر فيه هذا النوع من «الحساسية»، وكانت أوّل مرّة يصلني فيها اتّصال من مكتب رئيس مجلس النوّاب. الله يرحمه عرفات حجازي، قال لي: «الرئيس زعلان من التحقيق».

وهذه من القصص القليلة التي مرّ عليها ثلاثون سنة وتغيّر معظم أبطالها: الطلاب تخرّجوا وسافروا، وولادهم عم يتخرّجوا… إلا الرئيس برّي طبعاً، ما تغيّر.

أقول هذا لأنّ التوصية الواردة في هذه الورقة — بوقف تدخّل الأحزاب في آليّات تعيين أساتذة المدرسة الرسمية والجامعة الوطنية، وبوضع قيود واضحة على الدعاية السياسية داخل المدارس — ليست توصية تقنيّة، إنها توصية عن الخوف، وعن وضع صار، بعد ثلاثين سنة، أصعب وأعقد.

الجامعة اللبنانية بقيت، خلال الحرب وكلّ الأزمات التي تلتها، واحدة من المؤسّسات الوطنية القليلة التي ظلّت واقفة.

بعد انهيار 2019، وفي سياق تحرّك لأساتذة الجامعة، تحدّثت إلى أستاذ عاش ودرّس خلال كلّ سنوات الحرب، ولم يترك الجامعة يوماً، وفي أثناء حديثنا، بدأ يبكي.

«كل سنين الحرب ما تركت. بس هلّق ما بقا فيّي. ما في كهربا بالجامعة، والصفّ بالطابق السادس. ما في ورق إطبع للطلاب شو لازم يعملوا. وما في إنترنت إعمل صفّ عن بُعد. ما بعرف شو أعمل».

هذه الجملة بقيت معي، ولم يكن فيها عجز وغضب فقط — كان فيها خوف.

لأن سقوط الجامعة اللبنانية لا يعني خسارة مؤسّسة تعليمية. يعني سقوط واحدة من آخر المؤسّسات التي كانت تجمع اللبنانيين، وتعطي أولادهم فرصة، وتحافظ — رغم كلّ شيء — على فكرة أن هناك دولة، وأن هناك حقّاً عامّاً يفترض أن يكون متاحاً للجميع.

وعندما قرأت التوصيات المتعلّقة بالتعليم وكتابة التاريخ، تذكّرت قصّة صحافية غطّيتها عن الخلاف في مجلس النوّاب حول كتاب التاريخ.

وبعد سنوات، وأنا أساعد ابنتي على دراسة التاريخ والتربية الوطنية للبكالوريا، اختبرت بنفسي ما أوصلتنا إليه التسويات من نصوص نعلّمها لأولادنا. وأقلّ ما يقال إنّها مأساة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. ليس فقط لأنّنا لم نتّفق على سردية مشتركة، بل لأنّ السردية التي قبلنا بها قمعية — مثل كلّ شيء آخر في هذا البلد — وكفيلة بتعميق الهوّة بين الناس.

منذ انتهاء الحرب ونحن نحاول أن نتّفق على ماذا نقول عن الماضي، وكيف نقوله، وما الذي نعلّمه لأولادنا، ولم نتّفق: لا على سردية مشتركة، ولا حتى على مساحة آمنة تسمح لنا بأن نختلف حولها.

ثمّ جاءت موجة الاغتيالات. وجاء 8 و 14 آذار، وصعدت الثنائية الشيعية أكثر فأكثر، ثمّ جاء 7  أيّار، وانتقلنا تدريجياً إلى مرحلة صارت فيها هيمنة “حزب الله” على القرار السياسي والأمني واقعاً يطبع البلد كلّه.

معظم مَن في هذه القاعة عاش هذا كلّه، شخصياً ومهنياً. لم نقرأ كيف وصلنا إلى هنا — نحن عشنا كلّ تفاصيل هذا الوصول.

وحقيقة الأمر ليست أنّنا لم نحاول. حقيقة الأمر أنّنا حاولنا كثيراً — لكن بطريقة مجزّأة: كلّ في مساحته الصغيرة، وكلّ مؤسّسة داخل مشروعها، وكلّ مبادرة تحاول سدّ فجوة منفصلة.

وكلّ مبادرة كنت جزءاً منها كانت تبدأ من السؤال نفسه: هناك عمل يجب أن تقوم به الدولة، والدولة لا تقوم به — فماذا يمكننا أن نفعل نحن؟

وهكذا وجد المجتمع المدني نفسه يقوم بجزء من عمل الدولة، والإعلام يقوم بجزءٍ من عملها، والجامعة، والأستاذ، والمبادرة المحلّية… كلّ يفعل ما يستطيع لكي يمنع جزءاً إضافياً من البلد من السقوط.

لكن لا يمكن أن يبقى المجتمع المدني بديلاً دائماً من الدولة، ولا يمكن للتوصيات أن تصبح طريقة أنيقة لإدارة غيابها.

لأنّ ما نقرأه هنا ليس لائحة مطالب منفصلة موجّهة إلى ثماني وزارات. هذه التوصيات، في جوهرها، مشروع واحد: إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

عندما نتحدّث عن التعليم، لا نتحدّث عن مناهج وكتب فقط، بل عن ذاكرة مشتركة، وعن جامعة وطنية، وعن مكان يلتقي فيه اللبنانيون كمواطنين.

وعندما نتحدّث عن الوزارات والمؤسّسات الاجتماعية والإدارية، نتحدّث عن استعادة الدولة لمسؤوليتها تجاه الناس، لأنّ الحزب يبني سلطته حين يصبح هو مصدر التعليم والمساعدة والحماية وفرص العمل.

وعندما نتحدّث عن الثقافة والإعلام والمساحات العامّة، نقول إنّ المجتمع الشيعي ليس صوتاً واحداً ولا تجربة واحدة، وإنّ حماية التعدّد داخله ليست شأناً شيعياً؛ إنّها شرط لبناء دولة مواطنة لكلّ اللبنانيين.

وما سيجعل هذه التوصيات مختلفة ليس مضمونها وحده، ما سيجعلها مختلفة هو إرادة للعمل معاً، ومسؤولية واضحة عن التنفيذ، وتعاون حقيقي بين الوزارات والمؤسّسات والمجتمع المدني — مع جدول زمني وآليّة للمتابعة والمساءلة.

أمّا بالنسبة إلى درج، فلم نعتبر أنّ دورنا في هذا المشروع هو أن نتحدّث باسم أبناء جبل عامل، أو أن نقرّر عنهم ما الذي يفكّرون فيه وما الذي يريدونه.

كان دورنا أن نفتح المساحة لكي يتحدّثوا هم: بتعدّدهم، واختلافاتهم، وتناقضاتهم أحياناً، وأن ننقل هذه الأصوات من الدوائر المغلقة والهامش إلى النقاش العامّ.

أنتجنا ضمن هذا المشروع 49 مادّة صحافية: 29 مقالاً ومنشوراً، و20 فيديو وريل. وتناولت هذه الموادّ أربعة محاور أساسية: المواطنة والتعدّدية؛ الحكم و”حزب الله” والأصوات المعترضة؛ الحرب وإعادة الإعمار والنزوح؛ والثقافة والبيئة والصمود المحلّي. بالنسبة لنا، المقالات كانت الأساس الذي أعطى المشروع عمقه، بينما ساعدتنا الفيديوهات على نقل هذه الأفكار والتجارب إلى جمهور أوسع.

لكنّ أكثر الموادّ تأثيراً لم تكن تلك التي قدّمت تحليلاً سياسياً مجرّداً. كانت الشهادات الإنسانية، والأصوات الصادرة من داخل التجربة.

كان من بينها سؤال هناء جابر وهي تتحدّث عن تدمير بنت جبيل: «ليش بيكرهونا؟»، وكلام عصمت فاعور: «على حزب الله التوقّف عن الكذب»، والسؤال: «لماذا يخشى حزب الله الأصوات الداخلية المعترضة؟»

هذه الموادّ أكّدت شيئاً نؤمن به في “درج”: الناس قد تختلف مع التحليل والشعار والموقف السياسي، لكنّها لا تستطيع بسهولة أن تتجاهل شهادة إنسانية صادقة، وصوتاً يجرؤ على الكلام من داخل التجربة.

وصل مجموع التعرّض الموثّق لهذه الموادّ إلى نحو 630 ألفاً، وسجّلنا أكثر من 14 ألفاً و500 تفاعل. وجاء 61 في المئة من هذا الوصول عبر الفيديو والريل، بينما شكّل إنستغرام وفيسبوك المحرّك الأساسي للتوزيع.

هذه الأرقام مهمّة، لكنّها ليست الهدف بحدّ ذاتها.

الأهمّ أنّ أصواتاً كانت تتحدّث بخوف، أو في دوائر ضيّقة ومغلقة، أصبحت جزءاً من حوار عامّ، وأصبح من الصعب على أيّ طرف أن يدّعي أنّ المجتمع الشيعي كتلة واحدة، أو أنّ صوتاً واحداً يملك حقّ التحدّث باسمه.

ودور الصحافة أن تستمع، وأن توثّق، وأن تفتح المساحة، وأن تربط بين التجربة الشخصية والسؤال العامّ، لكنّها لا تستطيع تنفيذ التوصيات، ولا يمكنها أن تحلّ محلّ الدولة.

ربّما ليست هذه المرّة الأولى التي تصل فيها توصيات إلى الحكومة، لكنّني أريد أن أصدّق أنّها يمكن أن تكون بداية لطريقة مختلفة في العمل.

لأنّ ما هو على المحكّ ليس مستقبل الجنوب فقط، ولا مستقبل المجتمع الشيعي، ما هو على المحكّ هو شكل البلد الذي نريد أن نعيش فيه جميعاً. بلد آمن، تكون فيه الدولة حاضرة، ويُعامل فيه المواطنون على قدم المساواة، ولا يحتاج أحد فيه إلى حزب أو زعيم أو واسطة لكي يحصل على حقّه، أو لكي يشعر أنّه محميّ، أو لكي يضمن لأولاده تعليماً ومستقبلاً.

لقد أمضينا سنوات طويلة نحاول؛ كلّ من موقعه، أن نسدّ فراغ الدولة.

ربّما حان الوقت لكي نعمل معاً — لا على إدارة هذا الفراغ، بل على إنهائه.

شكراً.

دورنا نحكي