ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أصول مصر على طاولة البيع: بين إنقاذ عاجل ورهن للمستقبل

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

اختارت الحكومة طريق بيع الأصول كخيار واقع تحت وطأة الظرف المالي. لكن هذا الطريق يظل مفترقًا: أحد مساريه قد يقود إلى إصلاح اقتصادي حقيقي إذا كان البيع جزءًا من رؤية شاملة تعالج الاختلالات البنيوية وتستثمر في المستقبل، فيما المسار الآخر قد يقود إلى مأزق أعمق إذا كان البيع هروبًا إلى الأمام من دون خطة لما بعد نفاد ما يمكن بيعه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ظهيرة قائظة من آب/ أغسطس 2025، شهدت البورصة المصرية صفقةً أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية. جهاز عسكري حديث التأسيس يُدعى «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» استحوذ بهدوء على 89.6 في المئة من أسهم شركة حكومية لاستصلاح الأراضي، بسعر يكاد لا يُصدَّق: 5 جنيهات للسهم الواحد. كانت القيمة السوقية للسهم تقارب الـ100 جنيه قبل الصفقة، ما يعني أن الأرض الزراعية العامة بيعت بما يعادل 5 في المئة فقط من قيمتها الحقيقية. بلغت الحصيلة الإجمالية نحو 23.3 مليون جنيه بدلًا من نحو 490 مليونًا، وفق تقديرات خبير مستقل، بذريعة أن البيع أُجري على أساس القيمة الدفترية لا السوقية ضمن إعادة هيكلة للشركة.

لم تمضِ أيام قليلة حتى تصاعدت الاحتجاجات: محامون ونواب سابقون طالبوا بالتحقيق وهددوا بدعاوى قضائية لإبطال الصفقة، واصفين إياها بأنها “كارثة” إن صحت تفاصيلها. أحدهم، المخرج والنائب السابق خالد يوسف، كشف أنه تلقى اتصالًا من جهة “سيادية” طالبت بحذف منشوره عن البيع بخمسة جنيهات بدعوى أنه يثير البلبلة. لكنه أصرّ على موقفه: إن كان ما نشره صحيحًا فالمصيبة أعظم، وإن كان خاطئًا فلتُحاسَب الجهات التي بثّت المعلومات.

المشهد يطرح أسئلة مُلحّة تُطارد سياسات بيع أصول الدولة: هل تُباع ثروات البلد في الخفاء وبأبخس الأثمان؟ ومن يحاسب من؟

قانون جديد يرفع القيود القديمة

في 20 آب/ أغسطس الجاري، نشرت الجريدة الرسمية خبرًا قد يبدو تقنيًا وجافًا، لكنه مفصلي: الرئيس عبد الفتاح السيسي يصادق على قانون جديد ينظم ملكية الدولة في الشركات. القانون رقم 170 لسنة 2025 جاء ليزيل قيودًا تشريعية تعود الى عقود، كانت تحدّ من حرية الدولة في بيع حصصها في الشركات العامة.

فعلى سبيل المثال، ألغى القانون المادة 27 من قانون هيئات القطاع العام وشركاته التي كانت تحظر على الجهات والشركات والبنوك المملوكة للدولة بيع أسهم شركات القطاع العام لغير بعضها البعض. بمعنى آخر: كان تداول ممتلكات الدولة محصورًا داخل “الأسرة الحكومية”، فجاء التشريع الجديد ليفتح المزاد على مصراعيه أمام المستثمرين من خارج هذا الإطار التقليدي.

لم يكتف القانون برفع القيود القديمة، بل أنشأ أيضًا وحدة خاصة في مجلس الوزراء باسم “وحدة الشركات المملوكة للدولة” تتولى إدارة تلك الأصول ومتابعتها. مهمتها أشبه بغرفة تحكم عليا: جرد شامل للشركات المملوكة أو المساهمة فيها، ثم تقييم جدوى استمرار حيازتها، واقتراح آليات “التخارج” الأنسب – أي البيع أو نقل الملكية – لكل منها.

ليس هذا فحسب، بل ستُعِد الوحدة قاعدة بيانات عن العمالة في تلك الشركات، وتحدد حجم “الفائض” منها، مع اقتراح سبل للتعامل مع هذا الفائض عند البيع من دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية. بكلمات أخرى: يُلمّح القانون إلى الاستغناء عن العمالة الزائدة بعد الخصخصة، بحيث يتحمل كلفتها المشترون أو العمال أنفسهم، لا خزينة الدولة.

على الورق، يبدو القانون 170/2025 خطوة إصلاحية تهدف إلى تعزيز مرونة إدارة الأصول العامة. فهو يوسّع نطاق تطبيقه ليشمل كل الكيانات المملوكة للدولة، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات تابعة، ويوحّد القواعد التي تحكم التصرف في حصصها. كما يستثني فقط بعض الجهات ذات الطبيعة الخاصة: كالشركات المنشأة بموجب اتفاقيات دولية أو قوانين خاصة، وكذلك الشركات “الاستراتيجية أو القومية” التي يحددها مجلس الوزراء لاحقًا بقرار خاص.

هذا الاستثناء الأخير تحديدًا – المتعلق بالشركات الاستراتيجية – صيغ بعبارات فضفاضة تمنح الحكومة مساحة واسعة لتقرير ما يُباع وما لا يُباع. فالمعيار المطاطي هو حماية ما يعتبره مجلس الوزراء “مصلحة استراتيجية أو أمنًا قوميًّا”، بناءً على عرض من الوزير المختص والجهة المالكة. عمليًا، يمكن أن يشمل هذا البند كل شيء أو لا شيء، وفق ما تراه السلطة التنفيذية. هل ستكون شركات النفط والكهرباء “استراتيجية” مثلًا؟ وماذا عن مصانع الحديد والصلب أو شركات الأدوية؟ لا إجابة واضحة بعد، ما يثير مخاوف من قرارات مزاجية أو انتقائية قد تخفي اعتبارات غير مُعلنة.

باختصار، يؤسس القانون الجديد لبنية حديثة في إدارة ممتلكات الدولة: إزالة العوائق القديمة، وإنشاء وحدة مركزية لتسريع قرارات البيع. وقد جاء متناغمًا مع وثائق حكومية سابقة مثل “وثيقة سياسة ملكية الدولة” (2022) التي حددت قطاعات تعتزم الدولة التخارج منها تدريجيًا، لتوسيع دور القطاع الخاص وتحصيل موارد مالية عبر الخصخصة.

لكن الإصلاح المعلن سرعان ما يصطدم بالأسئلة الجوهرية: كيف سيتم البيع؟ ولمن؟ وبكم؟

شبح البيع بأقل من القيمة في ظل أزمة سيولة

تأتي هذه التحركات الحكومية في سياق أزمة اقتصادية طاحنة تعصف بمصر منذ سنوات. فالنقص الحاد في العملات الأجنبية وارتفاع كلفة التمويل جعلا الدولة عطشى للدولار والسيولة بشكل غير مسبوق.

شهد الجنيه المصري انهيارات عدة في 2022 و2023، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فيما تراكمت التزامات الديون الخارجية التي تستنزف احتياطي النقد الأجنبي. وفي هذا المناخ، صار بيع الأصول العامة أبرز الحلول الترقيعية المطروحة: بيع سريع يجلب عملة صعبة لسد فجوة التمويل الفورية.

المشكلة أن البيع تحت ضغط الحاجة يُضعف الموقف التفاوضي ويهدد بتبديد الممتلكات بأقل من قيمتها. هذا ليس تخمينًا، بل خطر أقرّت به الحكومة نفسها. ففي تموز/ يوليو 2025، وبعد تعثّر تنفيذ برنامج الطروحات المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، خرج رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ليبرر التأخير قائلًا: “أسعار بيع الأصول لم تكن عادلة”. وأوضح أن التريّث كان لحماية أصول الدولة وضمان بيعها بقيمتها الحقيقية، لا مجرد استيفاء مستهدفات شكلية.

بكلمات أخرى: السلطة التنفيذية اعترفت علنًا بأنها تخشى بيع الممتلكات بأبخس الأثمان في مناخ استثماري سيئ، وأنها أوقفت بعض الصفقات لأن المشترين عرضوا أسعارًا زهيدة.

هذه التخوفات تعززها سوابق قريبة. ففي آذار/ مارس 2022، ومع أول صدمة كبرى للجنيه، سارعت مصر إلى عقد صفقة ضخمة مع صندوق أبوظبي السيادي (ADQ). خلال أيام، استحوذ الصندوق الإماراتي على حصص مؤثرة في خمس شركات كبرى بقيمة إجمالية 1.8 مليار دولار. شملت الصفقة أسهم البنك التجاري الدولي، وأبو قير للأسمدة، وموبكو، والإسكندرية لتداول الحاويات، وفوري.

كانت هذه من أكثر الشركات المصرية ربحيةً واستقرارًا، وعلى رغم ذلك بيعت نسب تصل إلى 20 و30 في المئة مباشرةً لمستثمر أجنبي، من دون مزاد علني أو طرح عام. وقد وافقت الحكومة على الصفقة كحل عاجل لتوفير سيولة قبل التفاوض مع صندوق النقد.

يشرح الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن الظروف حينها لم تكن مواتية لطرح الأسهم في اكتتاب عام بسبب اهتزاز السوق، فلجأت الدولة إلى “بيع من تحت الطاولة” لمستثمرين خليجيين: حلّ مزدوج يوفر دولارًا سريعًا ويمنح انطباعًا بانفتاح الاقتصاد. لكنه يتساءل بمرارة: «هل كان الهدف تحقيق استثمار فعلي وتنمية حقيقية، أم مجرد سد عجز مالي مؤقت؟».

النتيجة: الصفقة بدت مكسبًا مذهلًا للمشتري الذي اقتنص الفرصة. فخلال أشهر عززت “القابضة ADQ” حضورها في قطاعات حيوية، باستثمارات تُعد زهيدة بالمعايير الدولية. أما الدولة المصرية فحصلت على دولارات عاجلة لتجنب انهيار وشيك، لكنها خسرت جزءًا من ملكيتها لأصول مُدرّة للأرباح. ولم تمضِ سنة حتى عادت الأزمة مجددًا: تضخم، نقص عملة، وديون متراكمة.

يشير الخبير عبد الحافظ الصاوي إلى أن مديونية مصر المزمنة لا تُحل بصفقات خصخصة معزولة. فمنذ التسعينات، شهدت البلاد موجات بيع متكررة، ومع ذلك استمرت أزمة الدين. ففي نهاية آب/ أغسطس 2025 بلغ الدين الخارجي 155 مليار دولار، وعلى رغم انخفاضه قليلًا عن العام السابق بفضل مدفوعات مستحقة، فإن خدمة الدين صارت عبئًا هائلًا يلتهم أكثر من نصف الإنفاق الحكومي (فوائد الديون وحدها تجاوزت الـ50 في المئة من مصروفات موازنة 2025/2026).

ضمن هذه المعادلة المرهِقة، تبدو حصيلة بيع شركة هنا أو مصنع هناك نقطة في بحر العجز. وإذا لم يأتِ البيع ضمن رؤية إصلاحية شاملة، فقد يتكرر السيناريو العقيم: نبيع الأصول لسداد الديون، ثم تتراكم ديون جديدة، فنبيع أصولًا أخرى. إنها حلقة مفرغة، كما حذّر الصاوي وآخرون، تُبقي الاقتصاد المصري معتمدًا على الحلول السهلة قصيرة الأجل بدلًا من معالجة جذور المشكلة: ضعف الإنتاجية ومحدودية موارد النقد الأجنبي المستدامة.

غياب الشفافية ومصير “الشركات الاستراتيجية”

على جانب آخر من المشهد، تبرز معضلة الشفافية في عملية بيع الأصول. فالتجارب الأخيرة توحي بأن الصفقات تتم خلف أبواب موصدة، سواء عبر تفاهمات مباشرة مع مستثمرين محددين، أو من خلال نقل الأصول إلى صناديق حكومية بعيدة عن الرقابة المباشرة. القانون الجديد لم يطرح آليات واضحة لضمان الشفافية: لا ذكر مثلًا لوجوب طرح الأصول في مناقصات علنية تنافسية، أو للإفصاح المسبق عن قوائم الأصول المعروضة للبيع وتقييماتها المستقلة. وفي غياب هذه الضمانات، يُخشى أن تتحول وحدة إدارة الأصول في مجلس الوزراء إلى غرفة مظلمة تُطبخ فيها الصفقات بعيدًا عن الأعين، ثم يُعلَن عنها كأمر واقع.

قضية الشركة الزراعية التي بيعت أسهمها بخسارة فادحة للقطاع العام العسكري مثال حي على ذلك. تمت الصفقة عبر البورصة نعم، لكنها استندت إلى قرار إداري بنقل ملكية غالبية الأسهم إلى جهة بعينها (جهاز مستقبل مصر) بسعر غير السوق. تبرير “إعادة الهيكلة” استُخدم كغطاء لإتمام البيع بالقيمة الدفترية، ما أعفى المشترين من سداد رسوم وضرائب مستحقة. ما حصل فعليًا هو التفاف على قواعد الحوكمة السوقية: فبدلًا من طرح الأسهم في اكتتاب عام يتنافس فيه المستثمرون على السعر، نُقلت الملكية داخليًا إلى جهة حكومية أخرى تملك امتيازات خاصة. وإذا كان هذا مثالًا لما يمكن أن يحدث تحت سقف التشريع الجديد، فإن المقلق أن الملعب اتسع الآن ليشمل عشرات الشركات في مختلف القطاعات، قد تُباع بأسلوب مشابه ما لم توجد رقابة مستقلة فعّالة.

هنا يبرز سؤال جوهري: “من يقرر ما هي الشركة الاستراتيجية؟”. القانون منح مجلس الوزراء سلطة تحديد الشركات المستثناة من البيع – بدعوى أهميتها الاستراتيجية أو الأمنية – من دون معايير موضوعية معلنة. وهذا يفتح الباب أمام تلاعب محتمل بالمفهوم: فقد تُصنَّف بعض الكيانات استراتيجية لحجبها عن البيع (لأسباب سياسية أو لضغوط مصالح نافذة)، فيما تُترك أخرى مساوية لها، أو حتى أكثر أهمية، من دون حماية.

شركات الجيش ذات النفوذ الاقتصادي الكبير – من محطات الوقود إلى مصانع الغذاء – مثال صارخ على هذه الإشكالية. هل ستُعتبر “استراتيجية” يجب الإبقاء عليها تحت مظلة الدولة؟ أم سيتم طرحها للمستثمرين تنفيذًا لاشتراطات صندوق النقد؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. في مراجعة حديثة للصندوق، وُجّه انتقاد واضح لتباطؤ مصر في طرح شركات القوات المسلحة على رغم التعهدات. الحكومة بدورها أعلنت مرارًا نيتها إدراج شركات مثل “وطنية” و“صافي” (التابعتين للجيش) في البورصة لجذب الاستثمار الخاص. لكن التنفيذ تأخر طويلًا، وربما يفسر هذا الاستعجال التشريعي في إصدار قانون تنظيم الملكية: إذ بات ضروريًا إنهاء الحالة الضبابية والفصل بين ما سيُباع وما سيبقى في يد الدولة. ومع ذلك، فإن الصياغات المبهمة التي كُتب بها الاستثناء الاستراتيجي تجعلنا غير متأكدين إن كان القانون الجديد سيحقق وضوحًا أم سيزيد الغموض.

الرهان هنا معقود على شفافية التنفيذ أكثر من النصوص. فإذا نشرت الحكومة قوائم مفصلة بالشركات والأصول المزمع بيعها، وحددت بدقة لماذا استُثنيت شركة معينة (كأن تقول إنها تتعلق بالأمن الغذائي أو الأمن القومي)، فقد يخلق ذلك مناخًا من الثقة والمساءلة. أما إذا استمرت سياسة الصفقات خلف الكواليس، فسيتعاظم الشك العام في أن عملية بيع الأصول ليست سوى تفريغ ممنهج لممتلكات الدولة لصالح قلة محظوظة – سواء من المستثمرين الخارجيين أو المؤسسات السيادية الداخلية – من دون رقيب ولا حسيب.

صندوق سيادي بلا سيادة كافية؟

لا يمكن تناول ملف الخصخصة الراهنة من دون التوقف عند دور صندوق مصر السيادي، الكيان الذي أُنشئ عام 2018 ليكون الذراع الاستثمارية الحديثة للدولة. هدفه المعلن كان “تعظيم العائد من الأصول العامة” عبر شراكات مع مستثمرين محليين وأجانب. وخلال السنوات الماضية، نُقلت إليه بالفعل عشرات الأصول: من مقرات وزارية تاريخية في قلب القاهرة (بعد انتقال الحكومة إلى العاصمة الجديدة)، إلى شركات حكومية رابحة وبنوك وأراضٍ. حصل الصندوق على تفويض واسع للتصرف في هذه الممتلكات بمرونة تفوق قيود البيروقراطية التقليدية. حتى أن الرئيس أصدر قرارات بنقل ملكية 13 جهة حكومية دفعة واحدة إلى الصندوق مطلع 2023، وإخراج بعض هذه العقارات من حيز “المنفعة العامة” لتسهيل بيعها. وقد صرّح المدير التنفيذي للصندوق آنذاك، أيمن سليمان، بأن الدولة تعتزم تحصيل 50 إلى 60 مليار جنيه من بيع تلك الأصول للمستثمرين، بهدف تخفيض الدين العام وتنشيط الاقتصاد.

لكن حصاد تجربة الصندوق خلال خمس سنوات اتسم بضبابية أكثر مما اتسم بنجاحات ملموسة. فعلى الرغم من بعض الشراكات التي عقدها – في مجالات مثل التعليم والتأمين والصناعة – بقي صندوق مصر السيادي في نظر منتقديه صندوقًا لبيع الأصول أكثر منه لاستثمارها. كثيرًا ما استُخدم كوسيط لنقل حصص الدولة إلى مستثمرين عرب، بحيث تتم العملية بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية التقليدية.

في 2024، جاء تطور لافت عكس جانبًا من هذه الإشكالات: استقالة المدير التنفيذي للصندوق أيمن سليمان فجأة، على خلفية ما قيل إنه “تقدّم محدود” في برنامج الخصخصة، أي أن الصندوق لم يحقق المستهدفات المرجوة من بيع الأصول بالسرعة الكافية. 

مصادر حكومية ألمحت أيضًا إلى رغبة القيادة السياسية في “وجوه جديدة” لإدارة الملف، وعُيّن قائم بأعمال بديل، ثم نُقلت تبعية الصندوق من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء لتعزيز إشراف الحكومة عليه. هذه التطورات أوحت بوجود تململ رسمي من أداء الصندوق، وربما صراع خفي حول مدى الشفافية والسرعة في تنفيذ الصفقات.

الصندوق، الذي كان من المفترض أن يكون أداة للإدارة الرشيدة، تحوّل في نظر البعض إلى “صندوق أسود” تتحرك بداخله الأصول من دون تتبع واضح. حتى مجلس النواب – على محدودية استقلاله – شهد تساؤلات عن نقل الشركات إلى الصندوق، وهل يعني ذلك خصخصة مقنّعة بلا رقابة؟

هذا الإرث جعل الشكوك مبرّرة حين أُعلن عن القانون الجديد. فإذا كان الصندوق السيادي – بكل ما مُنح من إطار قانوني خاص – لم يحقق ما وُعد به من شفافية وفاعلية، فكيف سيكون الحال مع وحدة حكومية مركزية تعمل خلف جدران مجلس الوزراء؟ التجربة السابقة تدق ناقوس الخطر: الإفلات من الرقابة والمساءلة يؤدي إلى قرارات لا تخدم الصالح العام بالضرورة. ومع غياب نشر معلومات تفصيلية للرأي العام عن تقييمات الأصول أو أسس اختيار المشترين، يتفاقم هاجس أن بيع الأصول قد يتم بسيناريوهات ملتوية، كتلك التي شهدناها في صفقة الشركة الزراعية بخُمس قيمتها.

عائدات البيع: بين إغراء الحل السريع وشبح الضياع

ويبقى السؤال الأكبر معلّقًا: ماذا سيحدث بحصيلة بيع هذه الأصول؟ هل ستستخدمها الدولة بحكمة لتغيير المسار الاقتصادي، أم ستذوب كملح في ماء لإطفاء حرائق عاجلة، ثم نعود إلى نقطة الصفر؟

الحكومة تُلمّح رسميًا إلى استخدامها في خفض الدين العام ودعم الاستثمار. هذا ما صرّح به مدير الصندوق السيادي السابق أيمن سليمان حين تحدث عن توظيف عوائد بيع مقرات القاهرة الحكومية القديمة في تخفيف أعباء الديون. كما تؤكد البيانات الرسمية أن تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي هو هدف رئيسي – لسداد أقساط الديون المستحقة وتثبيت سعر الصرف – عبر موجة الخصخصة الجديدة. بعبارة أخرى، تأمل الدولة بأن يؤدي تدفق الدولارات من المستثمرين إلى تسكين ألم الاقتصاد على المدى القصير: انخفاض سعر الدولار محليًا، استقرار الأسعار قليلًا، وتمرير المراجعات المتعثرة مع صندوق النقد الدولي للحصول على شرائح قرضه.

لكن التجارب الدولية والمحلية مع الخصخصة تدعو الى الحذر. في التسعينات وبدايات الألفية، باعت مصر عشرات الشركات والمصانع للقطاع الخاص وضخت الحصيلة في الخزانة العامة. لم يؤد ذلك إلى نهضة اقتصادية مستدامة؛ بل في حالات كثيرة تبخرت الأموال في سد عجز الموازنة أو خدمة الدين، من دون أن تترك أثرًا تنمويًا يُذكر. الموجة الحالية قد تواجه المصير نفسه ما لم يصاحبها تغيير جذري في أسلوب إدارة الاقتصاد.

الخبير عبد الحافظ الصاوي يحذر صراحة: “لم تُساهم عمليات الخصخصة السابقة في حل أزمة الديون… فالمشكلة أن مصر لا تنتج بالقدر الكافي الذي يتيح لها الاستغناء عن الاستدانة”. أي أن جوهر المعضلة اقتصادي هيكلي: إنتاجية متدنية، اعتماد على الاستيراد، تضخم جهاز الدولة. 

بيع الأصول يوفر موارد لمرة واحدة قد تسد فجوة لسنة أو اثنتين؛ لكنه لا يغيّر المعادلة الأساسية. والأسوأ أنه قد يتركنا في المستقبل بلا “شبكة أمان”: فعندما تنفد الأصول الجيدة التي يمكن بيعها، ستبقى الدولة مثقلة بالديون ولكن مجردة من ممتلكاتها الثمينة التي كانت تدر دخلًا أو توفر خدمات.

من جانب آخر، يثير استخدام عائدات البيع لسد عجز الموازنة جدلًا أخلاقيًا واقتصاديًا. إذ يطالب خبراء كُثر بتوجيه الجزء الأكبر من حصيلة الخصخصة لإعادة هيكلة الشركات المتبقية وتطويرها بدلًا من مجرد إطفاء الحرائق المالية. هناك دعوات لاستثمار تلك الأموال في قطاعات إنتاجية جديدة تخلق موارد مستدامة – كالتصنيع الزراعي والتكنولوجيا والطاقة المتجددة – كي لا يتحول بيع الأصول إلى بيع للمستقبل مقابل إنقاذ مؤقت للحاضر.

الحكومة لم تعلن بعد خطة تفصيلية لاستخدام كل جنيه يدخل خزائنها من الخصخصة. هل ستُخصص نسبة لسداد أصل الدين لا مجرد فوائده؟ هل سنرى صندوقًا سياديًا يستثمر جزءًا من العوائد في أسهم أو مشاريع تعود بالنفع طويل الأجل؟ أم أن المبالغ ستتبدد بين بنود الموازنة تحت ضغط اللحظة الراهنة؟ أسئلة بلا إجابات رسمية حتى الآن، ما يعزز المخاوف من ضياع الفرصة.

بين البيع والإصلاح… مفترق طرق

في المشهد الافتتاحي لهذا المقال، رأينا صفقة بيع شركة زراعية جسّدت كل ما يُخشى منه: بيع الأصول بلا شفافية، وبسعر بخس، وتبادل ممتلكات الشعب بين جهات الدولة نفسها تحت مسمّى الخصخصة. وفي المقابل، تحاجج الحكومة بأنها تعرف ما تفعل، وأن القانون الجديد سيضمن حوكمة أفضل واستثمارًا أكفأ للممتلكات العامة. بين الروايتين يقف المواطن المصري حائرًا، يتابع شريط الأخبار: شركات وبنوك تُعرض للبيع، ومستثمرون من الشرق والغرب يتفاوضون على حصص في مؤسسات كانت يومًا “قومية”.

المعضلة إذاً تتجاوز الاقتصاد لتطاول السياسة والثقة. فإذا نجحت الدولة في تبني الشفافية الحقيقية – بنشر المعلومات، وإشراك الرأي العام، وضمان عدالة التقييم، وحماية حقوق العمال – فقد يتحول بيع الأصول إلى فرصة إنقاذ تتيح هيكلة الاقتصاد على أسس أكثر متانة، وتجذب رؤوس أموال جديدة من دون التفريط في الكرامة الاقتصادية. أما إذا استمرت الأمور على النحو الحالي من الغموض والتسرع، فقد يكون القانون الجديد مجرد آلية أخرى لتفريغ خزائن البلد من جواهرها تحت ضغط الحاجة إلى الدولار، بينما تتكرر الأزمة بثوب جديد بعد بضع سنوات.

اختارت الحكومة طريق بيع الأصول كخيار واقع تحت وطأة الظرف المالي. لكن هذا الطريق يظل مفترقًا: أحد مساريه قد يقود إلى إصلاح اقتصادي حقيقي إذا كان البيع جزءًا من رؤية شاملة تعالج الاختلالات البنيوية وتستثمر في المستقبل، فيما المسار الآخر قد يقود إلى مأزق أعمق إذا كان البيع هروبًا الى الأمام من دون خطة لما بعد نفاد ما يمكن بيعه. وكما في كل منعطف تاريخي، سيكون عامل الثقة والشفافية حاسمًا في تقرير أي المسارين ستسلكه مصر. ففي بلد عريق كبلدنا، ليست المشكلة في البيع بحد ذاته، بل في الإجابة عن سؤال أبسط وأخطر: ماذا سنفعل بالثمن، وماذا سيبقى لنا بعد البيع؟

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
15.09.2025
زمن القراءة: 13 minutes

اختارت الحكومة طريق بيع الأصول كخيار واقع تحت وطأة الظرف المالي. لكن هذا الطريق يظل مفترقًا: أحد مساريه قد يقود إلى إصلاح اقتصادي حقيقي إذا كان البيع جزءًا من رؤية شاملة تعالج الاختلالات البنيوية وتستثمر في المستقبل، فيما المسار الآخر قد يقود إلى مأزق أعمق إذا كان البيع هروبًا إلى الأمام من دون خطة لما بعد نفاد ما يمكن بيعه.

في ظهيرة قائظة من آب/ أغسطس 2025، شهدت البورصة المصرية صفقةً أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية. جهاز عسكري حديث التأسيس يُدعى «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» استحوذ بهدوء على 89.6 في المئة من أسهم شركة حكومية لاستصلاح الأراضي، بسعر يكاد لا يُصدَّق: 5 جنيهات للسهم الواحد. كانت القيمة السوقية للسهم تقارب الـ100 جنيه قبل الصفقة، ما يعني أن الأرض الزراعية العامة بيعت بما يعادل 5 في المئة فقط من قيمتها الحقيقية. بلغت الحصيلة الإجمالية نحو 23.3 مليون جنيه بدلًا من نحو 490 مليونًا، وفق تقديرات خبير مستقل، بذريعة أن البيع أُجري على أساس القيمة الدفترية لا السوقية ضمن إعادة هيكلة للشركة.

لم تمضِ أيام قليلة حتى تصاعدت الاحتجاجات: محامون ونواب سابقون طالبوا بالتحقيق وهددوا بدعاوى قضائية لإبطال الصفقة، واصفين إياها بأنها “كارثة” إن صحت تفاصيلها. أحدهم، المخرج والنائب السابق خالد يوسف، كشف أنه تلقى اتصالًا من جهة “سيادية” طالبت بحذف منشوره عن البيع بخمسة جنيهات بدعوى أنه يثير البلبلة. لكنه أصرّ على موقفه: إن كان ما نشره صحيحًا فالمصيبة أعظم، وإن كان خاطئًا فلتُحاسَب الجهات التي بثّت المعلومات.

المشهد يطرح أسئلة مُلحّة تُطارد سياسات بيع أصول الدولة: هل تُباع ثروات البلد في الخفاء وبأبخس الأثمان؟ ومن يحاسب من؟

قانون جديد يرفع القيود القديمة

في 20 آب/ أغسطس الجاري، نشرت الجريدة الرسمية خبرًا قد يبدو تقنيًا وجافًا، لكنه مفصلي: الرئيس عبد الفتاح السيسي يصادق على قانون جديد ينظم ملكية الدولة في الشركات. القانون رقم 170 لسنة 2025 جاء ليزيل قيودًا تشريعية تعود الى عقود، كانت تحدّ من حرية الدولة في بيع حصصها في الشركات العامة.

فعلى سبيل المثال، ألغى القانون المادة 27 من قانون هيئات القطاع العام وشركاته التي كانت تحظر على الجهات والشركات والبنوك المملوكة للدولة بيع أسهم شركات القطاع العام لغير بعضها البعض. بمعنى آخر: كان تداول ممتلكات الدولة محصورًا داخل “الأسرة الحكومية”، فجاء التشريع الجديد ليفتح المزاد على مصراعيه أمام المستثمرين من خارج هذا الإطار التقليدي.

لم يكتف القانون برفع القيود القديمة، بل أنشأ أيضًا وحدة خاصة في مجلس الوزراء باسم “وحدة الشركات المملوكة للدولة” تتولى إدارة تلك الأصول ومتابعتها. مهمتها أشبه بغرفة تحكم عليا: جرد شامل للشركات المملوكة أو المساهمة فيها، ثم تقييم جدوى استمرار حيازتها، واقتراح آليات “التخارج” الأنسب – أي البيع أو نقل الملكية – لكل منها.

ليس هذا فحسب، بل ستُعِد الوحدة قاعدة بيانات عن العمالة في تلك الشركات، وتحدد حجم “الفائض” منها، مع اقتراح سبل للتعامل مع هذا الفائض عند البيع من دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية. بكلمات أخرى: يُلمّح القانون إلى الاستغناء عن العمالة الزائدة بعد الخصخصة، بحيث يتحمل كلفتها المشترون أو العمال أنفسهم، لا خزينة الدولة.

على الورق، يبدو القانون 170/2025 خطوة إصلاحية تهدف إلى تعزيز مرونة إدارة الأصول العامة. فهو يوسّع نطاق تطبيقه ليشمل كل الكيانات المملوكة للدولة، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات تابعة، ويوحّد القواعد التي تحكم التصرف في حصصها. كما يستثني فقط بعض الجهات ذات الطبيعة الخاصة: كالشركات المنشأة بموجب اتفاقيات دولية أو قوانين خاصة، وكذلك الشركات “الاستراتيجية أو القومية” التي يحددها مجلس الوزراء لاحقًا بقرار خاص.

هذا الاستثناء الأخير تحديدًا – المتعلق بالشركات الاستراتيجية – صيغ بعبارات فضفاضة تمنح الحكومة مساحة واسعة لتقرير ما يُباع وما لا يُباع. فالمعيار المطاطي هو حماية ما يعتبره مجلس الوزراء “مصلحة استراتيجية أو أمنًا قوميًّا”، بناءً على عرض من الوزير المختص والجهة المالكة. عمليًا، يمكن أن يشمل هذا البند كل شيء أو لا شيء، وفق ما تراه السلطة التنفيذية. هل ستكون شركات النفط والكهرباء “استراتيجية” مثلًا؟ وماذا عن مصانع الحديد والصلب أو شركات الأدوية؟ لا إجابة واضحة بعد، ما يثير مخاوف من قرارات مزاجية أو انتقائية قد تخفي اعتبارات غير مُعلنة.

باختصار، يؤسس القانون الجديد لبنية حديثة في إدارة ممتلكات الدولة: إزالة العوائق القديمة، وإنشاء وحدة مركزية لتسريع قرارات البيع. وقد جاء متناغمًا مع وثائق حكومية سابقة مثل “وثيقة سياسة ملكية الدولة” (2022) التي حددت قطاعات تعتزم الدولة التخارج منها تدريجيًا، لتوسيع دور القطاع الخاص وتحصيل موارد مالية عبر الخصخصة.

لكن الإصلاح المعلن سرعان ما يصطدم بالأسئلة الجوهرية: كيف سيتم البيع؟ ولمن؟ وبكم؟

شبح البيع بأقل من القيمة في ظل أزمة سيولة

تأتي هذه التحركات الحكومية في سياق أزمة اقتصادية طاحنة تعصف بمصر منذ سنوات. فالنقص الحاد في العملات الأجنبية وارتفاع كلفة التمويل جعلا الدولة عطشى للدولار والسيولة بشكل غير مسبوق.

شهد الجنيه المصري انهيارات عدة في 2022 و2023، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فيما تراكمت التزامات الديون الخارجية التي تستنزف احتياطي النقد الأجنبي. وفي هذا المناخ، صار بيع الأصول العامة أبرز الحلول الترقيعية المطروحة: بيع سريع يجلب عملة صعبة لسد فجوة التمويل الفورية.

المشكلة أن البيع تحت ضغط الحاجة يُضعف الموقف التفاوضي ويهدد بتبديد الممتلكات بأقل من قيمتها. هذا ليس تخمينًا، بل خطر أقرّت به الحكومة نفسها. ففي تموز/ يوليو 2025، وبعد تعثّر تنفيذ برنامج الطروحات المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، خرج رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ليبرر التأخير قائلًا: “أسعار بيع الأصول لم تكن عادلة”. وأوضح أن التريّث كان لحماية أصول الدولة وضمان بيعها بقيمتها الحقيقية، لا مجرد استيفاء مستهدفات شكلية.

بكلمات أخرى: السلطة التنفيذية اعترفت علنًا بأنها تخشى بيع الممتلكات بأبخس الأثمان في مناخ استثماري سيئ، وأنها أوقفت بعض الصفقات لأن المشترين عرضوا أسعارًا زهيدة.

هذه التخوفات تعززها سوابق قريبة. ففي آذار/ مارس 2022، ومع أول صدمة كبرى للجنيه، سارعت مصر إلى عقد صفقة ضخمة مع صندوق أبوظبي السيادي (ADQ). خلال أيام، استحوذ الصندوق الإماراتي على حصص مؤثرة في خمس شركات كبرى بقيمة إجمالية 1.8 مليار دولار. شملت الصفقة أسهم البنك التجاري الدولي، وأبو قير للأسمدة، وموبكو، والإسكندرية لتداول الحاويات، وفوري.

كانت هذه من أكثر الشركات المصرية ربحيةً واستقرارًا، وعلى رغم ذلك بيعت نسب تصل إلى 20 و30 في المئة مباشرةً لمستثمر أجنبي، من دون مزاد علني أو طرح عام. وقد وافقت الحكومة على الصفقة كحل عاجل لتوفير سيولة قبل التفاوض مع صندوق النقد.

يشرح الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن الظروف حينها لم تكن مواتية لطرح الأسهم في اكتتاب عام بسبب اهتزاز السوق، فلجأت الدولة إلى “بيع من تحت الطاولة” لمستثمرين خليجيين: حلّ مزدوج يوفر دولارًا سريعًا ويمنح انطباعًا بانفتاح الاقتصاد. لكنه يتساءل بمرارة: «هل كان الهدف تحقيق استثمار فعلي وتنمية حقيقية، أم مجرد سد عجز مالي مؤقت؟».

النتيجة: الصفقة بدت مكسبًا مذهلًا للمشتري الذي اقتنص الفرصة. فخلال أشهر عززت “القابضة ADQ” حضورها في قطاعات حيوية، باستثمارات تُعد زهيدة بالمعايير الدولية. أما الدولة المصرية فحصلت على دولارات عاجلة لتجنب انهيار وشيك، لكنها خسرت جزءًا من ملكيتها لأصول مُدرّة للأرباح. ولم تمضِ سنة حتى عادت الأزمة مجددًا: تضخم، نقص عملة، وديون متراكمة.

يشير الخبير عبد الحافظ الصاوي إلى أن مديونية مصر المزمنة لا تُحل بصفقات خصخصة معزولة. فمنذ التسعينات، شهدت البلاد موجات بيع متكررة، ومع ذلك استمرت أزمة الدين. ففي نهاية آب/ أغسطس 2025 بلغ الدين الخارجي 155 مليار دولار، وعلى رغم انخفاضه قليلًا عن العام السابق بفضل مدفوعات مستحقة، فإن خدمة الدين صارت عبئًا هائلًا يلتهم أكثر من نصف الإنفاق الحكومي (فوائد الديون وحدها تجاوزت الـ50 في المئة من مصروفات موازنة 2025/2026).

ضمن هذه المعادلة المرهِقة، تبدو حصيلة بيع شركة هنا أو مصنع هناك نقطة في بحر العجز. وإذا لم يأتِ البيع ضمن رؤية إصلاحية شاملة، فقد يتكرر السيناريو العقيم: نبيع الأصول لسداد الديون، ثم تتراكم ديون جديدة، فنبيع أصولًا أخرى. إنها حلقة مفرغة، كما حذّر الصاوي وآخرون، تُبقي الاقتصاد المصري معتمدًا على الحلول السهلة قصيرة الأجل بدلًا من معالجة جذور المشكلة: ضعف الإنتاجية ومحدودية موارد النقد الأجنبي المستدامة.

غياب الشفافية ومصير “الشركات الاستراتيجية”

على جانب آخر من المشهد، تبرز معضلة الشفافية في عملية بيع الأصول. فالتجارب الأخيرة توحي بأن الصفقات تتم خلف أبواب موصدة، سواء عبر تفاهمات مباشرة مع مستثمرين محددين، أو من خلال نقل الأصول إلى صناديق حكومية بعيدة عن الرقابة المباشرة. القانون الجديد لم يطرح آليات واضحة لضمان الشفافية: لا ذكر مثلًا لوجوب طرح الأصول في مناقصات علنية تنافسية، أو للإفصاح المسبق عن قوائم الأصول المعروضة للبيع وتقييماتها المستقلة. وفي غياب هذه الضمانات، يُخشى أن تتحول وحدة إدارة الأصول في مجلس الوزراء إلى غرفة مظلمة تُطبخ فيها الصفقات بعيدًا عن الأعين، ثم يُعلَن عنها كأمر واقع.

قضية الشركة الزراعية التي بيعت أسهمها بخسارة فادحة للقطاع العام العسكري مثال حي على ذلك. تمت الصفقة عبر البورصة نعم، لكنها استندت إلى قرار إداري بنقل ملكية غالبية الأسهم إلى جهة بعينها (جهاز مستقبل مصر) بسعر غير السوق. تبرير “إعادة الهيكلة” استُخدم كغطاء لإتمام البيع بالقيمة الدفترية، ما أعفى المشترين من سداد رسوم وضرائب مستحقة. ما حصل فعليًا هو التفاف على قواعد الحوكمة السوقية: فبدلًا من طرح الأسهم في اكتتاب عام يتنافس فيه المستثمرون على السعر، نُقلت الملكية داخليًا إلى جهة حكومية أخرى تملك امتيازات خاصة. وإذا كان هذا مثالًا لما يمكن أن يحدث تحت سقف التشريع الجديد، فإن المقلق أن الملعب اتسع الآن ليشمل عشرات الشركات في مختلف القطاعات، قد تُباع بأسلوب مشابه ما لم توجد رقابة مستقلة فعّالة.

هنا يبرز سؤال جوهري: “من يقرر ما هي الشركة الاستراتيجية؟”. القانون منح مجلس الوزراء سلطة تحديد الشركات المستثناة من البيع – بدعوى أهميتها الاستراتيجية أو الأمنية – من دون معايير موضوعية معلنة. وهذا يفتح الباب أمام تلاعب محتمل بالمفهوم: فقد تُصنَّف بعض الكيانات استراتيجية لحجبها عن البيع (لأسباب سياسية أو لضغوط مصالح نافذة)، فيما تُترك أخرى مساوية لها، أو حتى أكثر أهمية، من دون حماية.

شركات الجيش ذات النفوذ الاقتصادي الكبير – من محطات الوقود إلى مصانع الغذاء – مثال صارخ على هذه الإشكالية. هل ستُعتبر “استراتيجية” يجب الإبقاء عليها تحت مظلة الدولة؟ أم سيتم طرحها للمستثمرين تنفيذًا لاشتراطات صندوق النقد؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. في مراجعة حديثة للصندوق، وُجّه انتقاد واضح لتباطؤ مصر في طرح شركات القوات المسلحة على رغم التعهدات. الحكومة بدورها أعلنت مرارًا نيتها إدراج شركات مثل “وطنية” و“صافي” (التابعتين للجيش) في البورصة لجذب الاستثمار الخاص. لكن التنفيذ تأخر طويلًا، وربما يفسر هذا الاستعجال التشريعي في إصدار قانون تنظيم الملكية: إذ بات ضروريًا إنهاء الحالة الضبابية والفصل بين ما سيُباع وما سيبقى في يد الدولة. ومع ذلك، فإن الصياغات المبهمة التي كُتب بها الاستثناء الاستراتيجي تجعلنا غير متأكدين إن كان القانون الجديد سيحقق وضوحًا أم سيزيد الغموض.

الرهان هنا معقود على شفافية التنفيذ أكثر من النصوص. فإذا نشرت الحكومة قوائم مفصلة بالشركات والأصول المزمع بيعها، وحددت بدقة لماذا استُثنيت شركة معينة (كأن تقول إنها تتعلق بالأمن الغذائي أو الأمن القومي)، فقد يخلق ذلك مناخًا من الثقة والمساءلة. أما إذا استمرت سياسة الصفقات خلف الكواليس، فسيتعاظم الشك العام في أن عملية بيع الأصول ليست سوى تفريغ ممنهج لممتلكات الدولة لصالح قلة محظوظة – سواء من المستثمرين الخارجيين أو المؤسسات السيادية الداخلية – من دون رقيب ولا حسيب.

صندوق سيادي بلا سيادة كافية؟

لا يمكن تناول ملف الخصخصة الراهنة من دون التوقف عند دور صندوق مصر السيادي، الكيان الذي أُنشئ عام 2018 ليكون الذراع الاستثمارية الحديثة للدولة. هدفه المعلن كان “تعظيم العائد من الأصول العامة” عبر شراكات مع مستثمرين محليين وأجانب. وخلال السنوات الماضية، نُقلت إليه بالفعل عشرات الأصول: من مقرات وزارية تاريخية في قلب القاهرة (بعد انتقال الحكومة إلى العاصمة الجديدة)، إلى شركات حكومية رابحة وبنوك وأراضٍ. حصل الصندوق على تفويض واسع للتصرف في هذه الممتلكات بمرونة تفوق قيود البيروقراطية التقليدية. حتى أن الرئيس أصدر قرارات بنقل ملكية 13 جهة حكومية دفعة واحدة إلى الصندوق مطلع 2023، وإخراج بعض هذه العقارات من حيز “المنفعة العامة” لتسهيل بيعها. وقد صرّح المدير التنفيذي للصندوق آنذاك، أيمن سليمان، بأن الدولة تعتزم تحصيل 50 إلى 60 مليار جنيه من بيع تلك الأصول للمستثمرين، بهدف تخفيض الدين العام وتنشيط الاقتصاد.

لكن حصاد تجربة الصندوق خلال خمس سنوات اتسم بضبابية أكثر مما اتسم بنجاحات ملموسة. فعلى الرغم من بعض الشراكات التي عقدها – في مجالات مثل التعليم والتأمين والصناعة – بقي صندوق مصر السيادي في نظر منتقديه صندوقًا لبيع الأصول أكثر منه لاستثمارها. كثيرًا ما استُخدم كوسيط لنقل حصص الدولة إلى مستثمرين عرب، بحيث تتم العملية بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية التقليدية.

في 2024، جاء تطور لافت عكس جانبًا من هذه الإشكالات: استقالة المدير التنفيذي للصندوق أيمن سليمان فجأة، على خلفية ما قيل إنه “تقدّم محدود” في برنامج الخصخصة، أي أن الصندوق لم يحقق المستهدفات المرجوة من بيع الأصول بالسرعة الكافية. 

مصادر حكومية ألمحت أيضًا إلى رغبة القيادة السياسية في “وجوه جديدة” لإدارة الملف، وعُيّن قائم بأعمال بديل، ثم نُقلت تبعية الصندوق من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء لتعزيز إشراف الحكومة عليه. هذه التطورات أوحت بوجود تململ رسمي من أداء الصندوق، وربما صراع خفي حول مدى الشفافية والسرعة في تنفيذ الصفقات.

الصندوق، الذي كان من المفترض أن يكون أداة للإدارة الرشيدة، تحوّل في نظر البعض إلى “صندوق أسود” تتحرك بداخله الأصول من دون تتبع واضح. حتى مجلس النواب – على محدودية استقلاله – شهد تساؤلات عن نقل الشركات إلى الصندوق، وهل يعني ذلك خصخصة مقنّعة بلا رقابة؟

هذا الإرث جعل الشكوك مبرّرة حين أُعلن عن القانون الجديد. فإذا كان الصندوق السيادي – بكل ما مُنح من إطار قانوني خاص – لم يحقق ما وُعد به من شفافية وفاعلية، فكيف سيكون الحال مع وحدة حكومية مركزية تعمل خلف جدران مجلس الوزراء؟ التجربة السابقة تدق ناقوس الخطر: الإفلات من الرقابة والمساءلة يؤدي إلى قرارات لا تخدم الصالح العام بالضرورة. ومع غياب نشر معلومات تفصيلية للرأي العام عن تقييمات الأصول أو أسس اختيار المشترين، يتفاقم هاجس أن بيع الأصول قد يتم بسيناريوهات ملتوية، كتلك التي شهدناها في صفقة الشركة الزراعية بخُمس قيمتها.

عائدات البيع: بين إغراء الحل السريع وشبح الضياع

ويبقى السؤال الأكبر معلّقًا: ماذا سيحدث بحصيلة بيع هذه الأصول؟ هل ستستخدمها الدولة بحكمة لتغيير المسار الاقتصادي، أم ستذوب كملح في ماء لإطفاء حرائق عاجلة، ثم نعود إلى نقطة الصفر؟

الحكومة تُلمّح رسميًا إلى استخدامها في خفض الدين العام ودعم الاستثمار. هذا ما صرّح به مدير الصندوق السيادي السابق أيمن سليمان حين تحدث عن توظيف عوائد بيع مقرات القاهرة الحكومية القديمة في تخفيف أعباء الديون. كما تؤكد البيانات الرسمية أن تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي هو هدف رئيسي – لسداد أقساط الديون المستحقة وتثبيت سعر الصرف – عبر موجة الخصخصة الجديدة. بعبارة أخرى، تأمل الدولة بأن يؤدي تدفق الدولارات من المستثمرين إلى تسكين ألم الاقتصاد على المدى القصير: انخفاض سعر الدولار محليًا، استقرار الأسعار قليلًا، وتمرير المراجعات المتعثرة مع صندوق النقد الدولي للحصول على شرائح قرضه.

لكن التجارب الدولية والمحلية مع الخصخصة تدعو الى الحذر. في التسعينات وبدايات الألفية، باعت مصر عشرات الشركات والمصانع للقطاع الخاص وضخت الحصيلة في الخزانة العامة. لم يؤد ذلك إلى نهضة اقتصادية مستدامة؛ بل في حالات كثيرة تبخرت الأموال في سد عجز الموازنة أو خدمة الدين، من دون أن تترك أثرًا تنمويًا يُذكر. الموجة الحالية قد تواجه المصير نفسه ما لم يصاحبها تغيير جذري في أسلوب إدارة الاقتصاد.

الخبير عبد الحافظ الصاوي يحذر صراحة: “لم تُساهم عمليات الخصخصة السابقة في حل أزمة الديون… فالمشكلة أن مصر لا تنتج بالقدر الكافي الذي يتيح لها الاستغناء عن الاستدانة”. أي أن جوهر المعضلة اقتصادي هيكلي: إنتاجية متدنية، اعتماد على الاستيراد، تضخم جهاز الدولة. 

بيع الأصول يوفر موارد لمرة واحدة قد تسد فجوة لسنة أو اثنتين؛ لكنه لا يغيّر المعادلة الأساسية. والأسوأ أنه قد يتركنا في المستقبل بلا “شبكة أمان”: فعندما تنفد الأصول الجيدة التي يمكن بيعها، ستبقى الدولة مثقلة بالديون ولكن مجردة من ممتلكاتها الثمينة التي كانت تدر دخلًا أو توفر خدمات.

من جانب آخر، يثير استخدام عائدات البيع لسد عجز الموازنة جدلًا أخلاقيًا واقتصاديًا. إذ يطالب خبراء كُثر بتوجيه الجزء الأكبر من حصيلة الخصخصة لإعادة هيكلة الشركات المتبقية وتطويرها بدلًا من مجرد إطفاء الحرائق المالية. هناك دعوات لاستثمار تلك الأموال في قطاعات إنتاجية جديدة تخلق موارد مستدامة – كالتصنيع الزراعي والتكنولوجيا والطاقة المتجددة – كي لا يتحول بيع الأصول إلى بيع للمستقبل مقابل إنقاذ مؤقت للحاضر.

الحكومة لم تعلن بعد خطة تفصيلية لاستخدام كل جنيه يدخل خزائنها من الخصخصة. هل ستُخصص نسبة لسداد أصل الدين لا مجرد فوائده؟ هل سنرى صندوقًا سياديًا يستثمر جزءًا من العوائد في أسهم أو مشاريع تعود بالنفع طويل الأجل؟ أم أن المبالغ ستتبدد بين بنود الموازنة تحت ضغط اللحظة الراهنة؟ أسئلة بلا إجابات رسمية حتى الآن، ما يعزز المخاوف من ضياع الفرصة.

بين البيع والإصلاح… مفترق طرق

في المشهد الافتتاحي لهذا المقال، رأينا صفقة بيع شركة زراعية جسّدت كل ما يُخشى منه: بيع الأصول بلا شفافية، وبسعر بخس، وتبادل ممتلكات الشعب بين جهات الدولة نفسها تحت مسمّى الخصخصة. وفي المقابل، تحاجج الحكومة بأنها تعرف ما تفعل، وأن القانون الجديد سيضمن حوكمة أفضل واستثمارًا أكفأ للممتلكات العامة. بين الروايتين يقف المواطن المصري حائرًا، يتابع شريط الأخبار: شركات وبنوك تُعرض للبيع، ومستثمرون من الشرق والغرب يتفاوضون على حصص في مؤسسات كانت يومًا “قومية”.

المعضلة إذاً تتجاوز الاقتصاد لتطاول السياسة والثقة. فإذا نجحت الدولة في تبني الشفافية الحقيقية – بنشر المعلومات، وإشراك الرأي العام، وضمان عدالة التقييم، وحماية حقوق العمال – فقد يتحول بيع الأصول إلى فرصة إنقاذ تتيح هيكلة الاقتصاد على أسس أكثر متانة، وتجذب رؤوس أموال جديدة من دون التفريط في الكرامة الاقتصادية. أما إذا استمرت الأمور على النحو الحالي من الغموض والتسرع، فقد يكون القانون الجديد مجرد آلية أخرى لتفريغ خزائن البلد من جواهرها تحت ضغط الحاجة إلى الدولار، بينما تتكرر الأزمة بثوب جديد بعد بضع سنوات.

اختارت الحكومة طريق بيع الأصول كخيار واقع تحت وطأة الظرف المالي. لكن هذا الطريق يظل مفترقًا: أحد مساريه قد يقود إلى إصلاح اقتصادي حقيقي إذا كان البيع جزءًا من رؤية شاملة تعالج الاختلالات البنيوية وتستثمر في المستقبل، فيما المسار الآخر قد يقود إلى مأزق أعمق إذا كان البيع هروبًا الى الأمام من دون خطة لما بعد نفاد ما يمكن بيعه. وكما في كل منعطف تاريخي، سيكون عامل الثقة والشفافية حاسمًا في تقرير أي المسارين ستسلكه مصر. ففي بلد عريق كبلدنا، ليست المشكلة في البيع بحد ذاته، بل في الإجابة عن سؤال أبسط وأخطر: ماذا سنفعل بالثمن، وماذا سيبقى لنا بعد البيع؟

15.09.2025
زمن القراءة: 13 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية