ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أطفال في مخيم الهول يحكمهم “اقتصاد الانتظار”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يواجه جيل المخيم مخاطر جمّة، ليس على مستوى فقدان التعليم فحسب، بل أيضاً على مستوى فقدان فكرة المستقبل نفسها. وعلى رغم وجود بعض النوافذ التي تتيحها السياسات الرصينة في تحويل خدمات المؤسسات من أدوات ضبط إلى أدوات تمكين، ما زال الطريق طويلاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 على رغم البرد والأمطار التي أحالت بعض الطرقات بين الخيم ومقارّ المنظمات، إلى بركٍ من الماء يصعب معها التنقّل، لم يجد التعب طريقه إلى جسد “ن.ن.” (اسم مستعار)، الطفل مزدوج الجنسية (سوري–عراقي). بجسده النحيل الذي لا تكسوه سترة سميكة تقيه من البرد، يُكرر كل صباح ما أسماه “روتين العمل”.

ما زال مخيم الهول، الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، يحوي عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، الذين تشرف عليهم هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية.
تخرج دفعات من عائلات سورية وعراقية من المخيم تباعاً، وعلى الرغم من التركيز الدولي والإعلامي على المخيم ومصير قاطنيه وأساليب تمويله، ما زال من فيه يعيشون ظروفاً سيئة، خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم وحماية النساء، فالإمكانات المرصودة للمخيم تظل قاصرة أمام حجم احتياجات قاطنيه.

يتشابه “الروتين الصباحي” للطفل “ن.ن” مع عشرات الأطفال والنساء واليافعين/ات، إذ يبدأ النهار بالتجوال بين الخيم ومقارّ المنظمات، لحضور “ورشة” ثم “نشاط” وساعات أمام طاولة للرسم أو لعبة الشطرنج.
هي “الدروس” نفسها التي تتكرر دوماً بمحتوى شبه متطابق كل أسبوع، على رغم أنّ دروس التعليم غير الرسمي تدور غالباً حول تعلّم الحروف والأرقام والكتابة والقراءة، باستخدام مناهج تُشبه كثيرًا “مناهج محو الأمية” التي تشرف عليها منظمات محلية غير حكومية وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات دولية مختلفة.

تحدّثنا مع الطفل “م.م” وهو خارج من إحدى “الورشات”. سألته السؤال التقليدي الذي يوجّه لأي طفل: “ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟” فأجاب: “حلمي أن أعمل مع منظمة دولية”.
وحين سألته: “لم لا تريد أن تصبح طبيباً أو معلماً مثلاً؟”، أجاب بما معناه أن الوظيفة المؤقتة داخل المخيم تؤمّن كسباً مادياً سريعاً. لم أسأل أكثر، ولم أكن في إطار مقابلة رسمية، ليس فقط لأسباب مهنية تتعلق بمقابلة الأطفال، بل أيضًا لأن إجراء لقاء رسمي مع طفل داخل الهول يتطلب موافقات من إدارة المخيم، ومن دونها قد يتعرّض هو وعائلته للخطر.

“اقتصاد الانتظار”: كيف يُصنع “اللامستقبل” في المخيم؟

“اقتصاد الانتظار”، وفقاً للاقتصادي أحمد شوفي، “لا يُصنّف مجرد بطالة مؤقتة، بل نمط حياة مؤسساتياً تُسقطه سياسات الإدارات المحلية والمنظمات على السكان: مواعيد تسجيل متقطعة، سلاسل من الدورات القصيرة التي تحلّ محلّ برامج تعليمية متكاملة، ونظام تتأرجح فيه المساعدات هبوطاً وصعوداً بحيث يبقى الناس في حالة ترقّب دائمة. النتيجة: يتعلّم الأفراد الانتظار أكثر مما يتعلمون البناء”.

يضيف شوفي أن “الانتظار نشاط اقتصادي–اجتماعي يُنتج اعتماداً لا استقلالاً. هذه الحقيقة موثّقة في تقارير متعددة تشير إلى أن برامج التعليم غير الرسمي أو الدعم النفسي–الاجتماعي تصل أحياناً إلى عشرات الآلاف من الأطفال، لكنها لا تُحوّلهم إلى متعلمين حاصلين على شهادات معترف بها أو مهارات حقيقية، بل إن بعضهم لا يجيد القراءة والكتابة”.

تتمحور طرائق ومواد ومناهج التعليم في مخيم الهول حول “البرامج التعليمية غير الرسمية”. ووفقاً لأحد العاملين ضمن هيئة أممية يشرف على قطاع التعليم غير الرسمي، فإن الجلسات هي “تعلّم ذاتي، ومواد دمج لمحو الأمية، إلى جانب حلقات دعم نفسي واجتماعي — كلّها مهمة لكنها محدودة في عمقها ومستوى الاعتراف بها”.
أما عن المنهجية المتّبعة، فقال إنها “تميل إلى أن تكون مختصرة ومصممة لتناسب السياق الطارئ: تقويم محدود، غياب مسارات انتقال واضحة إلى نظام تعليمي وطني، ولا تُفتح أبواب التعليم العالي أو سوق العمل الرسمي”.

وأكد موظف مشرف آخر على عمليات القياس والتقويم والمراقبة، أن “طبيعة وبنية المناهج وآليات التعامل وواقع اقتصاد الانتظار… ذلك كله يفسر لماذا يخرج كثيرون من المخيم بلا مهارات قابلة للاعتماد أو شهادات تُسجّل في النظام التعليمي، مع وجود عدد قليل يمكن القول إنهم استفادوا منها”.
كما تشير تقارير اليونيسف وبرامج مماثلة إلى توسّع طبيعة المناهج ومصادرها، لكنها أيضاً تشير إلى حدودها في تحويل الأطفال إلى طلاب جامعيين أو مهنيين معتمدين.

ما الذي “يتعلمه” الأطفال في المخيم؟

تتشابه الأنشطة التعليمية وبرامج المهارات داخل المخيم: دعم نفسي– اجتماعي، بناء القدرات، ومهارات تقنية قصيرة الأمد (الحلاقة، صيانة الحواسيب والموبايل، الحياكة، الكوافيرة…).

إشكالية هذا النوع من الورش أنها غالباً بلا اعتمادات مهنية يُعترف بها خارج المخيم.

أما “المناهج غير الرسمية”، المُصممة للتعويض والالتحاق بالمدرسة مستقبلاً، فهي وحدات تراكمية في القراءة والكتابة والحساب، تستهدف سنوات دراسية ناقصة، وتصممها غالباً جهات محلية وإقليمية بالتعاون مع منظمات دولية.

الناشط “ريدر مشي” قال إنها تتبع آليات تقييم “ضعيفة أو متقطعة؛ برامج كثيرة تزن الحضور والاشتراك أكثر من قياس التحصيل والانتقال إلى مستويات أعلى”، مضيفاً أن من أبرز عيوبها “ندرة أوراق اعتماد معترف بها من وزارة التربية أو مؤسسات تعليمية وطنية — وهو ما يقفل الطريق أمام التعليم العالي الرسمي أو شهادات مهنية موثوقة”.

أطفال كثر حوّلوا هذه “الدورات” و”الورشات” إلى مصدر رزق وتعويض للنقص المالي لدى عائلاتهم. فحضور جلسة قصيرة هدفه المكافأة الفورية (هدية، أطعمة، شهادة حضور)، وبعضها قابل للبيع لاحقاً. وهكذا تصبح الورشات استراتيجية بقاء، لا وسيلة لبناء المعرفة أو المهارة داخل المخيم، ولا تمهّد للعمل أو التعليم خارجه.

الخروج من المخيم: العودة إلى الدمار

عمليات الإخلاء أو “العودة”، التي تدار أحياناً تحت ضغوط دولية وإقليمية، تفقد معناها إذا لم تقترن بخطط لإعادة الإدماج الشامل. فهي عودة إلى مدن وقرى مدمرة، ومدارس غائبة، ومناطق نفوذ عسكري متقلبة.
وتؤكد تقارير ميدانية حديثة أن الأطفال الخارجين من الهول يواجهون في غالبيتهم صعوبات كبيرة في الالتحاق بالتعليم النظامي، وأن “نافذة الإدماج” تضيق بسرعة مع تقدم العمر الدراسي.

أشادت منى المحمود، التي عادت إلى الطبقة بعد مضيّها قرابة ثلاث سنوات في المخيم، بالدورات والورش التعليمية والتدريبية، وقالت إنها “استفادت كثيراً من خبرتها في المخيم واندَمجت في المجتمع، ولم تتلقَّ أي صدّ من مجتمع الطبقة سواء على المستوى الحوكمي أو الشعبي”.
وحصلت منى على عضوية اللجنة المجتمعية في منظمة “حياة أفضل” نتيجة ما اكتسبته في المخيم، مضيفة أن “خبراتها في الهول ساعدتها في الحصول على فرصة عمل”.

أما أم أحمد التي لم يدم مكوثها في الهول سوى فترة قصيرة، فتقول: “لم نتعلم أنا وأطفالي أي خبرات أو معارف. وبعد الخروج وجدنا صعوبة في التأقلم مع الحياة الجديدة، ولولا المنظمات في الطبقة — تدريبات ودعم نفسي ومبادرات ومشاريع — لما استطعنا الصمود”.

وقال الناشط المدني فراس الحشقم من الطبقة لـ”درج”: “امتازت مدينتنا عن سائر مناطق شمال شرق يسوريا، وكان للمنظمات المدنية دور مهم في حلّ كثير من المشكلات، مثل التعليم والثبوتيات الشخصية، بدءاً من الطبقة، ثم الرقة ودير الزور”.
وأضاف: “تم إحداث سبر تعليمي أحياناً، أو إلحاق الطالب وفقاً لعمره بمرحلة وصف تعليمي، فيما خضع آخرون لدورات محو الأمية”. وختم: “الكثير من الأطفال استفادوا من دروس التعليم في المخيم، وبعض الكبار حصلوا على فرص عمل نتيجة خبراتهم من الورش والدورات، فيما آخرون لم يستفيدوا أبداً”.

لكن الرواية الأخرى تختلف. تقول أم هدى، التي خرجت من المخيم نهاية 2020 وتوجهت إلى الطبقة: “أبنائي لم يستفيدوا، ولم أتلقَّ أي قبول مجتمعي، ولا تعليم لأبنائي. نعيش على المساعدات، ولم أتلقَّ أي دعم من المنظمات”.

يواجه جيل المخيم مخاطر جمّة، ليس على مستوى فقدان التعليم فحسب، بل أيضاً على مستوى فقدان فكرة المستقبل نفسها. وعلى رغم وجود بعض النوافذ التي تتيحها السياسات الرصينة في تحويل خدمات المؤسسات من أدوات ضبط إلى أدوات تمكين، ما زال الطريق طويلاً.

10.12.2025
زمن القراءة: 5 minutes

يواجه جيل المخيم مخاطر جمّة، ليس على مستوى فقدان التعليم فحسب، بل أيضاً على مستوى فقدان فكرة المستقبل نفسها. وعلى رغم وجود بعض النوافذ التي تتيحها السياسات الرصينة في تحويل خدمات المؤسسات من أدوات ضبط إلى أدوات تمكين، ما زال الطريق طويلاً.

 على رغم البرد والأمطار التي أحالت بعض الطرقات بين الخيم ومقارّ المنظمات، إلى بركٍ من الماء يصعب معها التنقّل، لم يجد التعب طريقه إلى جسد “ن.ن.” (اسم مستعار)، الطفل مزدوج الجنسية (سوري–عراقي). بجسده النحيل الذي لا تكسوه سترة سميكة تقيه من البرد، يُكرر كل صباح ما أسماه “روتين العمل”.

ما زال مخيم الهول، الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، يحوي عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، الذين تشرف عليهم هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية.
تخرج دفعات من عائلات سورية وعراقية من المخيم تباعاً، وعلى الرغم من التركيز الدولي والإعلامي على المخيم ومصير قاطنيه وأساليب تمويله، ما زال من فيه يعيشون ظروفاً سيئة، خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم وحماية النساء، فالإمكانات المرصودة للمخيم تظل قاصرة أمام حجم احتياجات قاطنيه.

يتشابه “الروتين الصباحي” للطفل “ن.ن” مع عشرات الأطفال والنساء واليافعين/ات، إذ يبدأ النهار بالتجوال بين الخيم ومقارّ المنظمات، لحضور “ورشة” ثم “نشاط” وساعات أمام طاولة للرسم أو لعبة الشطرنج.
هي “الدروس” نفسها التي تتكرر دوماً بمحتوى شبه متطابق كل أسبوع، على رغم أنّ دروس التعليم غير الرسمي تدور غالباً حول تعلّم الحروف والأرقام والكتابة والقراءة، باستخدام مناهج تُشبه كثيرًا “مناهج محو الأمية” التي تشرف عليها منظمات محلية غير حكومية وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات دولية مختلفة.

تحدّثنا مع الطفل “م.م” وهو خارج من إحدى “الورشات”. سألته السؤال التقليدي الذي يوجّه لأي طفل: “ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟” فأجاب: “حلمي أن أعمل مع منظمة دولية”.
وحين سألته: “لم لا تريد أن تصبح طبيباً أو معلماً مثلاً؟”، أجاب بما معناه أن الوظيفة المؤقتة داخل المخيم تؤمّن كسباً مادياً سريعاً. لم أسأل أكثر، ولم أكن في إطار مقابلة رسمية، ليس فقط لأسباب مهنية تتعلق بمقابلة الأطفال، بل أيضًا لأن إجراء لقاء رسمي مع طفل داخل الهول يتطلب موافقات من إدارة المخيم، ومن دونها قد يتعرّض هو وعائلته للخطر.

“اقتصاد الانتظار”: كيف يُصنع “اللامستقبل” في المخيم؟

“اقتصاد الانتظار”، وفقاً للاقتصادي أحمد شوفي، “لا يُصنّف مجرد بطالة مؤقتة، بل نمط حياة مؤسساتياً تُسقطه سياسات الإدارات المحلية والمنظمات على السكان: مواعيد تسجيل متقطعة، سلاسل من الدورات القصيرة التي تحلّ محلّ برامج تعليمية متكاملة، ونظام تتأرجح فيه المساعدات هبوطاً وصعوداً بحيث يبقى الناس في حالة ترقّب دائمة. النتيجة: يتعلّم الأفراد الانتظار أكثر مما يتعلمون البناء”.

يضيف شوفي أن “الانتظار نشاط اقتصادي–اجتماعي يُنتج اعتماداً لا استقلالاً. هذه الحقيقة موثّقة في تقارير متعددة تشير إلى أن برامج التعليم غير الرسمي أو الدعم النفسي–الاجتماعي تصل أحياناً إلى عشرات الآلاف من الأطفال، لكنها لا تُحوّلهم إلى متعلمين حاصلين على شهادات معترف بها أو مهارات حقيقية، بل إن بعضهم لا يجيد القراءة والكتابة”.

تتمحور طرائق ومواد ومناهج التعليم في مخيم الهول حول “البرامج التعليمية غير الرسمية”. ووفقاً لأحد العاملين ضمن هيئة أممية يشرف على قطاع التعليم غير الرسمي، فإن الجلسات هي “تعلّم ذاتي، ومواد دمج لمحو الأمية، إلى جانب حلقات دعم نفسي واجتماعي — كلّها مهمة لكنها محدودة في عمقها ومستوى الاعتراف بها”.
أما عن المنهجية المتّبعة، فقال إنها “تميل إلى أن تكون مختصرة ومصممة لتناسب السياق الطارئ: تقويم محدود، غياب مسارات انتقال واضحة إلى نظام تعليمي وطني، ولا تُفتح أبواب التعليم العالي أو سوق العمل الرسمي”.

وأكد موظف مشرف آخر على عمليات القياس والتقويم والمراقبة، أن “طبيعة وبنية المناهج وآليات التعامل وواقع اقتصاد الانتظار… ذلك كله يفسر لماذا يخرج كثيرون من المخيم بلا مهارات قابلة للاعتماد أو شهادات تُسجّل في النظام التعليمي، مع وجود عدد قليل يمكن القول إنهم استفادوا منها”.
كما تشير تقارير اليونيسف وبرامج مماثلة إلى توسّع طبيعة المناهج ومصادرها، لكنها أيضاً تشير إلى حدودها في تحويل الأطفال إلى طلاب جامعيين أو مهنيين معتمدين.

ما الذي “يتعلمه” الأطفال في المخيم؟

تتشابه الأنشطة التعليمية وبرامج المهارات داخل المخيم: دعم نفسي– اجتماعي، بناء القدرات، ومهارات تقنية قصيرة الأمد (الحلاقة، صيانة الحواسيب والموبايل، الحياكة، الكوافيرة…).

إشكالية هذا النوع من الورش أنها غالباً بلا اعتمادات مهنية يُعترف بها خارج المخيم.

أما “المناهج غير الرسمية”، المُصممة للتعويض والالتحاق بالمدرسة مستقبلاً، فهي وحدات تراكمية في القراءة والكتابة والحساب، تستهدف سنوات دراسية ناقصة، وتصممها غالباً جهات محلية وإقليمية بالتعاون مع منظمات دولية.

الناشط “ريدر مشي” قال إنها تتبع آليات تقييم “ضعيفة أو متقطعة؛ برامج كثيرة تزن الحضور والاشتراك أكثر من قياس التحصيل والانتقال إلى مستويات أعلى”، مضيفاً أن من أبرز عيوبها “ندرة أوراق اعتماد معترف بها من وزارة التربية أو مؤسسات تعليمية وطنية — وهو ما يقفل الطريق أمام التعليم العالي الرسمي أو شهادات مهنية موثوقة”.

أطفال كثر حوّلوا هذه “الدورات” و”الورشات” إلى مصدر رزق وتعويض للنقص المالي لدى عائلاتهم. فحضور جلسة قصيرة هدفه المكافأة الفورية (هدية، أطعمة، شهادة حضور)، وبعضها قابل للبيع لاحقاً. وهكذا تصبح الورشات استراتيجية بقاء، لا وسيلة لبناء المعرفة أو المهارة داخل المخيم، ولا تمهّد للعمل أو التعليم خارجه.

الخروج من المخيم: العودة إلى الدمار

عمليات الإخلاء أو “العودة”، التي تدار أحياناً تحت ضغوط دولية وإقليمية، تفقد معناها إذا لم تقترن بخطط لإعادة الإدماج الشامل. فهي عودة إلى مدن وقرى مدمرة، ومدارس غائبة، ومناطق نفوذ عسكري متقلبة.
وتؤكد تقارير ميدانية حديثة أن الأطفال الخارجين من الهول يواجهون في غالبيتهم صعوبات كبيرة في الالتحاق بالتعليم النظامي، وأن “نافذة الإدماج” تضيق بسرعة مع تقدم العمر الدراسي.

أشادت منى المحمود، التي عادت إلى الطبقة بعد مضيّها قرابة ثلاث سنوات في المخيم، بالدورات والورش التعليمية والتدريبية، وقالت إنها “استفادت كثيراً من خبرتها في المخيم واندَمجت في المجتمع، ولم تتلقَّ أي صدّ من مجتمع الطبقة سواء على المستوى الحوكمي أو الشعبي”.
وحصلت منى على عضوية اللجنة المجتمعية في منظمة “حياة أفضل” نتيجة ما اكتسبته في المخيم، مضيفة أن “خبراتها في الهول ساعدتها في الحصول على فرصة عمل”.

أما أم أحمد التي لم يدم مكوثها في الهول سوى فترة قصيرة، فتقول: “لم نتعلم أنا وأطفالي أي خبرات أو معارف. وبعد الخروج وجدنا صعوبة في التأقلم مع الحياة الجديدة، ولولا المنظمات في الطبقة — تدريبات ودعم نفسي ومبادرات ومشاريع — لما استطعنا الصمود”.

وقال الناشط المدني فراس الحشقم من الطبقة لـ”درج”: “امتازت مدينتنا عن سائر مناطق شمال شرق يسوريا، وكان للمنظمات المدنية دور مهم في حلّ كثير من المشكلات، مثل التعليم والثبوتيات الشخصية، بدءاً من الطبقة، ثم الرقة ودير الزور”.
وأضاف: “تم إحداث سبر تعليمي أحياناً، أو إلحاق الطالب وفقاً لعمره بمرحلة وصف تعليمي، فيما خضع آخرون لدورات محو الأمية”. وختم: “الكثير من الأطفال استفادوا من دروس التعليم في المخيم، وبعض الكبار حصلوا على فرص عمل نتيجة خبراتهم من الورش والدورات، فيما آخرون لم يستفيدوا أبداً”.

لكن الرواية الأخرى تختلف. تقول أم هدى، التي خرجت من المخيم نهاية 2020 وتوجهت إلى الطبقة: “أبنائي لم يستفيدوا، ولم أتلقَّ أي قبول مجتمعي، ولا تعليم لأبنائي. نعيش على المساعدات، ولم أتلقَّ أي دعم من المنظمات”.

يواجه جيل المخيم مخاطر جمّة، ليس على مستوى فقدان التعليم فحسب، بل أيضاً على مستوى فقدان فكرة المستقبل نفسها. وعلى رغم وجود بعض النوافذ التي تتيحها السياسات الرصينة في تحويل خدمات المؤسسات من أدوات ضبط إلى أدوات تمكين، ما زال الطريق طويلاً.

10.12.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|
آخر القصص
تكيّفات أو “تكويعات” أطراف “المقاومة والممانعة”
ماجد كيالي - صحافي وكاتب فلسطيني - سوري | 19.01.2026
لبنان الذي منعني من زيارة سوريا
غياث الجندي - صحافي سوري | 19.01.2026
لماذا تربكني الراحة؟
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

اشترك بنشرتنا البريدية