fbpx

أعيش الهزيمة لكنني منتصرة في عينيّ أبي 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يهدني رجل غيره وروداً. ربّما لا أستحّق الورود. وربّما أعطتني الدنيا أكثر مما أستحقّ لأنها أعطتني أبي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كانت ابنتي بعمر اكتشاف البحر، وكانت تقتحم الماء وتهاجم الرمال بهوس لحظة وصولها إلى الشاطئ. وفي ذلك اليوم، دخلت إلى البحر  فرأت سرباً من الأسماك الصغيرة تشاركها السباحة، تراجعت إلى الشاطئ وجلست تنظر بخوف. وعندما لمحها جدّها قال لها : ماذا حصل؟ أجابت: هناك سرب من الأسماك يسبح في الماء. فأجابها: وممَّ تخافين؟ قالت: أن تعضّ أقدامي.

– وماذا إن عضت سمكة صغيرة أسفل قدمك؟

 أخبرتني بعد سنين أنها كلما أصيبت بالذعر تسترجع الحادثة فتطمئن.

وأنا في الحقيقة، أطمئن لمجرّد التفكير بملامح وجهه. وأخجل أن أعترف له بأنني أصبت بنوبة ذعر مرضية أخيراً . 

لطالما وجّهنا أبي بكلمات بسيطة ولطيفة وغير مباشرة، لكن الحياة التي عاشها وهو يتجاهل القلق ويدير له ظهره، كانت مثالاً احتذيناه رغم أن أحداً منا نحن أولاده الأربعة، لم يتوصّل إلى مستوى التقيّد بمعاييره الخاصة جداً. ولطالما كان يتهرّب من اعتباره بطلاً بنظرنا. 

في هذا البيت الصغير، رعى أحلامنا الكبيرة. وعاش ليراه قد فرغ من سكانّه، وتبعثرت الأحلام.

مع ذلك، ما زال يلاحق بنظره فراشة على تيراسه، ويهتم بنباتاته التي اختُصرت ببعض أصص في الخارج، يلتفت إلى الوراء قليلاً لكنه لا يتردّد في التقدم إلى الأمام.

“يتردّد الربيع هذا العام”، يقول لي مبتسماً: “هذا طبع الجمال”.  

لم يعد يحصي الرباع . صار وحيداً، الأبناء مشغولون، الأحفاد بعيدون، رفيقة عمره فارقته باكراً. 

كانت أمي تقول إن أجمل ما حدث لها في حياتها هو زواجها من أبي.

وعلى رغم أن هذا الاعتراف ليس متداولاً بين الأزواج وخصوصاً خلال حياتهم، لكنّها كانت تردده كثيراً.

أنا في الحقيقة، أطمئن لمجرّد التفكير بملامح وجهه. وأخجل أن أعترف له بأنني أصبت بنوبة ذعر مرضية أخيراً

كتب لأصغر أحفاده منذ أيام، رسالة على تطبيق الهاتف، يذكر له فيها أنه في شبابه لم يكن يخاف الامتحانات وأنه كان يتوجّه إلى قاعة الامتحان، وعندها يشعر أن الله يفتح عليه فتوح العارفين. لأنه شعر أن الشاب كان متوتراً في أول تجربة له مع الامتحانات، وكان في قرارة نفسه يعرف أن حفيده متدين. 

عندما قررت أن أكتب عنه، عرفت أن تصديقي أمر صعب. ربما كان الأب ربّاً بالنسبة إلى جميع الناس، ولكنه في حالتي حبيب الروح.

وعيت على الدنيا لأجد إلى جانبي أباً لا يشبه بقية الآباء والرجال. وإذا كانت البنات تشتكين من عقد آبائهن، فأنا أشتكي من مثالية هذا الرجل الذي  احتميت بعباءة فكره وأخلاقه، حتى إنني لم أستوعب بشاعة الدنيا بسببه. كان “خارج البيت” بالنسبة إلي  غير محتمل. وكان كل الرجال الآخرين بلا أهميّة، بلا لون.

عاش والدي في ظل مبادئه وأخلاقه، لم يتلوّث بأي تفاهة مرّ عبرها. وعندما تسأله عن رأيه في ما يحدث في هذا البلد، يبقى مصرّاً على أنه لا يصحّ إلاّ الصحيح. 

هذا الرجل خاض حربين وواجه الموت مراراً، سُجن ظلماً مرات عدة، أُبعد من منصبه وعمله، الذي أفنى فيه شبابه الأول، وهو ما زال في قمة عطائه بسبب الولاءات والفساد. وقال لمن عرض عليه وظيفة مدنية بديلة: لا تهمني الوظيفة، سأعود إلى مهنتي الأصلية، سأفلح أرض أجدادي.

قلب صفحة حافلة، وعاد إلى زراعة الأرض واستعاد سلامه الداخلي،  ليصطدم بواقع أكثر مرارة، مكتشفاً أن الفساد يبدأ من القلب ويجري في العروق، وأنّه يلاحق البذرة النظيفة التي تنمو ويقتلها قبل قطاف ثمارها رغم كل شيء.  

بكى في السرّ على أشجار الزيتون التي اقتُلعت لبيعها حطباً خلال سنين الحرب، كما بكى يوم توفيت أمي. ثم وقف منتصباً من جديد. 

 لقد خانه الحظ  والناس مراراً، لكنّه لا يذكر إلاّ مواقف الانتصارات. وبقي محافظاً على معاييره، يعيش يومه الطويل وهو يفكّر كيف يمكنه أن يشارك في المساعدة. يعيد قراءة كتب مكتبته، ويحفظ المعلّقات السبع. 

 بقي مؤمناً بالنظام والقانون، مدافعاً عنهما باستبسال.

أسأله: ما هي توقعاتك للمستقبل؟ فيقول لي: نحن ندافع عن وطن يستحقّ التضحية. أسأله: كيف سنؤمّن خبزنا إذا استمرّ انهيار الليرة كما ترى؟ فيقول لي كلمته الشهيرة: الكلام عن الطعام عيب. كلاب الشوارع شبعانة.

لست متأكّدة أن كلاب الشوارع شبعانة هذه الأيام، ولكنني أحب قناعته بأن كل شيء ما زال بخير. أحب أن أرى الدنيا بعينيه اللتين يخفيهما بمكر وراء نظارة الطيارين الشمسية، وأحب وروده التي يحملها لي في كل مناسبة.

لم يهدني رجل غيره وروداً. ربّما لا أستحّق الورود. وربّما أعطتني الدنيا أكثر مما أستحقّ لأنها أعطتني أبي.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
17.05.2023
زمن القراءة: 3 minutes

لم يهدني رجل غيره وروداً. ربّما لا أستحّق الورود. وربّما أعطتني الدنيا أكثر مما أستحقّ لأنها أعطتني أبي.

كانت ابنتي بعمر اكتشاف البحر، وكانت تقتحم الماء وتهاجم الرمال بهوس لحظة وصولها إلى الشاطئ. وفي ذلك اليوم، دخلت إلى البحر  فرأت سرباً من الأسماك الصغيرة تشاركها السباحة، تراجعت إلى الشاطئ وجلست تنظر بخوف. وعندما لمحها جدّها قال لها : ماذا حصل؟ أجابت: هناك سرب من الأسماك يسبح في الماء. فأجابها: وممَّ تخافين؟ قالت: أن تعضّ أقدامي.

– وماذا إن عضت سمكة صغيرة أسفل قدمك؟

 أخبرتني بعد سنين أنها كلما أصيبت بالذعر تسترجع الحادثة فتطمئن.

وأنا في الحقيقة، أطمئن لمجرّد التفكير بملامح وجهه. وأخجل أن أعترف له بأنني أصبت بنوبة ذعر مرضية أخيراً . 

لطالما وجّهنا أبي بكلمات بسيطة ولطيفة وغير مباشرة، لكن الحياة التي عاشها وهو يتجاهل القلق ويدير له ظهره، كانت مثالاً احتذيناه رغم أن أحداً منا نحن أولاده الأربعة، لم يتوصّل إلى مستوى التقيّد بمعاييره الخاصة جداً. ولطالما كان يتهرّب من اعتباره بطلاً بنظرنا. 

في هذا البيت الصغير، رعى أحلامنا الكبيرة. وعاش ليراه قد فرغ من سكانّه، وتبعثرت الأحلام.

مع ذلك، ما زال يلاحق بنظره فراشة على تيراسه، ويهتم بنباتاته التي اختُصرت ببعض أصص في الخارج، يلتفت إلى الوراء قليلاً لكنه لا يتردّد في التقدم إلى الأمام.

“يتردّد الربيع هذا العام”، يقول لي مبتسماً: “هذا طبع الجمال”.  

لم يعد يحصي الرباع . صار وحيداً، الأبناء مشغولون، الأحفاد بعيدون، رفيقة عمره فارقته باكراً. 

كانت أمي تقول إن أجمل ما حدث لها في حياتها هو زواجها من أبي.

وعلى رغم أن هذا الاعتراف ليس متداولاً بين الأزواج وخصوصاً خلال حياتهم، لكنّها كانت تردده كثيراً.

أنا في الحقيقة، أطمئن لمجرّد التفكير بملامح وجهه. وأخجل أن أعترف له بأنني أصبت بنوبة ذعر مرضية أخيراً

كتب لأصغر أحفاده منذ أيام، رسالة على تطبيق الهاتف، يذكر له فيها أنه في شبابه لم يكن يخاف الامتحانات وأنه كان يتوجّه إلى قاعة الامتحان، وعندها يشعر أن الله يفتح عليه فتوح العارفين. لأنه شعر أن الشاب كان متوتراً في أول تجربة له مع الامتحانات، وكان في قرارة نفسه يعرف أن حفيده متدين. 

عندما قررت أن أكتب عنه، عرفت أن تصديقي أمر صعب. ربما كان الأب ربّاً بالنسبة إلى جميع الناس، ولكنه في حالتي حبيب الروح.

وعيت على الدنيا لأجد إلى جانبي أباً لا يشبه بقية الآباء والرجال. وإذا كانت البنات تشتكين من عقد آبائهن، فأنا أشتكي من مثالية هذا الرجل الذي  احتميت بعباءة فكره وأخلاقه، حتى إنني لم أستوعب بشاعة الدنيا بسببه. كان “خارج البيت” بالنسبة إلي  غير محتمل. وكان كل الرجال الآخرين بلا أهميّة، بلا لون.

عاش والدي في ظل مبادئه وأخلاقه، لم يتلوّث بأي تفاهة مرّ عبرها. وعندما تسأله عن رأيه في ما يحدث في هذا البلد، يبقى مصرّاً على أنه لا يصحّ إلاّ الصحيح. 

هذا الرجل خاض حربين وواجه الموت مراراً، سُجن ظلماً مرات عدة، أُبعد من منصبه وعمله، الذي أفنى فيه شبابه الأول، وهو ما زال في قمة عطائه بسبب الولاءات والفساد. وقال لمن عرض عليه وظيفة مدنية بديلة: لا تهمني الوظيفة، سأعود إلى مهنتي الأصلية، سأفلح أرض أجدادي.

قلب صفحة حافلة، وعاد إلى زراعة الأرض واستعاد سلامه الداخلي،  ليصطدم بواقع أكثر مرارة، مكتشفاً أن الفساد يبدأ من القلب ويجري في العروق، وأنّه يلاحق البذرة النظيفة التي تنمو ويقتلها قبل قطاف ثمارها رغم كل شيء.  

بكى في السرّ على أشجار الزيتون التي اقتُلعت لبيعها حطباً خلال سنين الحرب، كما بكى يوم توفيت أمي. ثم وقف منتصباً من جديد. 

 لقد خانه الحظ  والناس مراراً، لكنّه لا يذكر إلاّ مواقف الانتصارات. وبقي محافظاً على معاييره، يعيش يومه الطويل وهو يفكّر كيف يمكنه أن يشارك في المساعدة. يعيد قراءة كتب مكتبته، ويحفظ المعلّقات السبع. 

 بقي مؤمناً بالنظام والقانون، مدافعاً عنهما باستبسال.

أسأله: ما هي توقعاتك للمستقبل؟ فيقول لي: نحن ندافع عن وطن يستحقّ التضحية. أسأله: كيف سنؤمّن خبزنا إذا استمرّ انهيار الليرة كما ترى؟ فيقول لي كلمته الشهيرة: الكلام عن الطعام عيب. كلاب الشوارع شبعانة.

لست متأكّدة أن كلاب الشوارع شبعانة هذه الأيام، ولكنني أحب قناعته بأن كل شيء ما زال بخير. أحب أن أرى الدنيا بعينيه اللتين يخفيهما بمكر وراء نظارة الطيارين الشمسية، وأحب وروده التي يحملها لي في كل مناسبة.

لم يهدني رجل غيره وروداً. ربّما لا أستحّق الورود. وربّما أعطتني الدنيا أكثر مما أستحقّ لأنها أعطتني أبي.

17.05.2023
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية