ابني يرتب ألعابه فوق السرير، ويأتي ليقاطعني كل خمس دقائق بأسئلة فضولية، أحضنه في كل مرة بقوة أكثر من أي يوم مضى، وهو يتعجب ويضحك، لا أستطيع أن أقول له الحقيقة القاسية، بأنني اليوم تذكرت أننا نجونا من جريمة كادت تسلبنا إياه.
حصل ذلك في غرفة الكشف النسائي قبل ثماني سنوات، حينما أخبرني الطبيب أن طفلي الواقف أمامي الآن “ميت في رحمي” وعلينا القيام بعملية إجهاض سريعة وتنظيف للرحم.
لا أعلم كيف نسيت هذا الموقف كل هذه السنوات، ولا أعلم لماذا لم أحرر محضراً في قسم الشرطة ضد الطبيب والمستشفى. كنت آنذاك في أواخر العشرينات من عمري وتحت صدمة كبرى لا أستطيع استيعابها، أن جنيني الأول والمُنتظر مات في رحمي، وصدمة الفرح بأن ابني حي في الليلة ذاتها.
لم يكن هذا الموقف مجرد خطأ طبي جسيم، لكنه كان أحد أشكال العنف التوليدي في غرف الكشف النسائية، حيث التعامل معي حرفياً كثلاجة، بداخلها طعام انتهت صلاحيته، وعلينا فتحها وإخراج هذا الطعام ثم التنظيف، من دون النظر ليس فقط في احتمالية خطأ التشخيص، بل أيضاً في كيفية استقبال امرأة حامل خبرًا قاسيًا كهذا، وكيف نكون رحماء في إطلاق الرصاصة.
الطبيبة أمنية سويدان أخرجت الذكرى القاسية من الذاكرة، الذكرى التي قبرتُها تمامًا بلا وعي، عادت لتضرب جسدي بالآلام، بعدما كشفت أمنية عن الانتهاكات التي شاهدتها بعينها كطبيبة امتياز في مستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية المصرية. وقد واجهت بسبب هذه الشهادة التحقيق في النيابة لـ24 ساعة، واتهامات لا تزال قائمة بنشر أخبار كاذبة ومحاولة وصمها بالمرض النفسي.
الشهادات التي روتها أمنية أشعرت كل من قرأها بإحساس عام، وهو كيف تتحول غرف الولادة والكشف النسائي في المستشفيات الحكومية أحياناً الى مسلخة. كثيرون شككوا في رواية أمنية، لكن الشهادات التي انتشرت لاحقًا من نساء فقدن أجنتهن في مشوار العنف التوليدي أو لم يفقدن أبناءهن لكنهن فقدن جانباً ليس هيناً من كرامتهن، جعلت شهادة أمنية ليست بعيدة عن التصديق.
صرخات في الفراغ: لماذا لا يصدقون أوجاعنا؟
عكس الرغبة في الإسكات الجمعي، روت إحدى السيدات شهاداتها عن إجهاضها قسريًا نتيجة عنف الفحص المهبلي من إحدى طبيبات مستشفى الشاطبي، وإجبارها على السونار المهبلي في شهور حملها، ما تسبب في إجهاضها وقتيًا، تقول الشاهدة: “الدكتورة اتعاملت بالسونار المهبلي بمنتهى العنف، الدم نزل مني ونزل معاه قطعة لحم بحجم الليمونة، كانت حجمها صغير لكنها مخلوق لطفل، مفيش رحمة في قلوبهم، كان أول طفل ليا، وتركوني أنزف لثلاثة أسابيع”.
شاهدة أخرى كشفت عن انتهاك حرمة الجسد في قسم الطوارئ في المستشفيات الحكومية، وبخاصة مستشفى الشاطبي الذي يتلقى فيه طلاب السنة النهائية من كلية الطب تدريبهم في ما يسمي بسنة “الامتياز”. تقول الشاهدة: “قسم الطوارئ دا عقوبة كل خمس دقائق ييجي طالب أو طالبة يفحصني مهبليا”.
دخلت الشاهدة وهي مشتاقة لتحمل طفلها الأول على يديها بعد تسعة أشهر من التعب، ومشتاقة كي تتخلص من أوجاع الحمل والولادة، لكنها كما تصف: “خرجت حافية وشايلة ابني ميت في كرتونة”.
طبيبة أخرى روت شهادتها أثناء تلقّيها تدريب الامتياز في مستشفي الشاطبي عن طبيب نساء وتوليد اعتاد سب النساء بأفظع الألفاظ وإهانتهن بشتائم جنسية وهن يصرخن من طلق الولادة. تقول إن هذا الطبيب الآن أصبح مشهوراً، وترى لافتات الإعلانات لعياداته منتشرة في الشوارع.
الشهادة الأكثر غرابة هي من سيدة تعرضت للشتم أيضاً وهي في لحظة الولادة، بألفاظ وكأنها عاهرة تركت نفسها لتحمل، فلا داعي لأن تشتكي من طلق الولادة، في احتكار واضح للنساء وللفعل الجنسي نفسه حتى ولو حصل في إطار الزواج.
الرحم ساحة لفرض السيطرة
جانب من العنف التوليدي التي تتعرض له النساء في غرف الولادة في مصر يأتي من نظرة ذكورية مستترة للفعل الجنسي نفسه؛ فجسد المرأة الذي يُختزل في وظيفته الإنجابية أو الجنسية، يُصبح في لحظة الولادة ملكية عامة للمؤسسة الطبية. الطبيب هنا لا يتعامل مع “إنسانة” تتألم، بل مع “مادة” تخضع لقرارات بعض الأطباء الفردية، الى درجة أن بعض الممارسات الطبية تهدف في جوهرها الى ترميم “وظيفة الجسد الجنسية” على حساب صحة المرأة النفسية وتجربتها الإنسانية، وكأن الجسد يجب أن يظل “صالحاً للاستخدام الجنسي”، متجاهلين تماماً أن هذا الجسد هو الآن في لحظة عبور مقدسة بين الموت والحياة.
وفي غرف الولادة، قد يُمارس نوع من الاستلاب النفسي والفوقية على المريضات ربما لأن الولادة في جوهرها هي ذروة القوة الأنثوية، والسيطرة عليها هي محاولة لتدجين هذه القوة وإخضاعها لسيطرة “البالطو الأبيض” الذي يمثل السلطة المعرفية والأبوية في آن.
إقرأوا أيضاً:
المثير للدهشة والمؤلم، هو كيف يتم ربط هذه اللحظة، ولو بشكل غير واعٍ، بالفعل الجنسي؛ إذ يتم التعامل مع جهاز المرأة التناسلي بمنطق “الوظيفة” وليس “الكيان”. الطبيب الذي يستعجل “تنظيف” الرحم أو “شق العجان” أو “القيصرية” من دون ضرورة، يتعامل مع هذا الجسد كأنه أداة يجب إعادتها الى حالتها السابقة بأقل مجهود وبأسرع وقت، متجاهلاً تماماً أن هذه “الأداة” هي إنسانة لها ذاكرة مع الألم، ولها حق أصيل في أن تُحترم قدسية جسدها…
أما عن الوجع، ذلك الوجع الذي يُقابل غالباً ببرود أو سخرية في أروقة المستشفيات، فهو ليس مجرد “تقلصات” يمكن قياسها بالأجهزة، بل هو وجع وجودي كلي. ألم الولادة هو اللحظة التي تتجلى فيها عظمة الجسد وهشاشته في آن، وحين يتم تسخيف هذا الألم، أو اعتباره “تمثيلاً” أو “دلعاً”، فإننا نرتكب جريمة نفسية مكتملة الأركان.
وجع الولادة يستحق الاحترام والتفهم لا السباب، الإنصات لا القمع، فهو ليس ضريبة للأنوثة، بل هو دليل على قدرة هائلة على الاحتمال يجب أن تُحاط بالدعم لا بالتعالي.
ما يزيد المشهد قتامة هو بيانات نقابة الأطباء التي اتخذت دور “حائط الصد” الذي يحمي المهنة على حساب الضحية. فقد أتت البيانات، بلهجتها الدبلوماسية والباردة، قاصرة تماماً عن ملامسة جوهر الكارثة. هي لا تعترف بوجود “عنف توليدي” كظاهرة بنيوية، بل تتعامل مع الأمر كحالات فردية معزولة، بينما الحقيقة أن العنف يكمن في السيستم نفسه.
البيان الذي لا يدين بوضوح صرخات النساء التي تضيع في الممرات، ولا يضع آليات حاسمة للرقابة على كرامة المرأة داخل الغرف المغلقة، هو بيان يساهم في تكريس الصمت.
من حق كل امرأة أن تُسأل قبل أي إجراء، وأن تُحترم صرختها، وأن ترفض أي تدخل يشعرها بالإهانة أو التشييء. الرقابة المطلوبة تعني وجود لجان مستقلة، تضم حقوقيين وعلماء نفس بجانب الأطباء، لتكون صوتاً للمرأة في مواجهة جبروت السلطة الطبية. وتعني أيضاً إعادة صياغة للمناهج التي تُدرس للأطباء، لتتحول من مجرد “كتالوغات” للتعامل مع الأجساد، إلى فلسفة رعاية تحترم الإنسان في المقام الأول.
إقرأوا أيضاً:














