ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ألا تعتاد رائحة الدماء..

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

للذاكرة الساخنة رائحة: صرخة أم، عظمة وجه محفوظة في درج. هذه ذاكرة يسكنها الجسد ولا تحتاج إلى أرشيف. أما الباردة فلها أرقام وبيانات وجمل متوازنة بين “نأسف” و”ندين”. لا رائحة فيها، ولا ارتجاف. العالم يفضّلها نظيفة وقابلة للأرشفة، لكن البرودة لم تكن في البيانات وحدها. كانت أيضاً في الحيّ. من سمع الرصاص وأغلق النافذة، من رأى الجثة وأدار وجهه. الصمت ليس دائماً جبناً، لكنه يبقى لغة: لغة تقول لن أتورط، لن أشهد، لن أسمّي؛ موافقة مكتوبة بالغياب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تعود مجازر الساحل السوري في ذكراها الأولى لتطرق أبواب الذاكرة، حاملةً معها ما عجزت الأرقام عن احتوائه: تفاصيل لم تمت، وروائح عالقة، إذ وثّق الحقوقيون ما حصل في آذار/ مارس الماضي: من قُتل ومن قام بالقتل وعدد الضحايا. لكن أحدهم لم يذكر تلك الأم؛ التي أخبرتني بعينين مرعوبتين كيف طلب منها عنصر ملثم أن تختار واحداً من أولادها الاثنين ليقتله. حتى اليوم تذكر ذلك الجمود الذي أصاب عينيها في محجريهما. تلوم نفسها: لماذا لم تهرع لسحب ولديها؟ الرائحة التي سادت تلك اللحظة، لن تغادر أنفها ولا ذاكرتها.

تلك السيدة تحفظ نظرة قاتل زوجها، النار التي كانت تقدح من عينيه، وتحتفظ بقطعة عظم من وجه زوجها وأسنانه.

رائحة الذاكرة

بعد الموت، تبقى رائحة الموتى عالقة في أنوف أحبتهم. يشمون ملابسهم كل فترة؛ تبقى الرائحة ذاكرة جسدية.

الناجون من مجازر آذار علقت في أنوفهم رائحة الموت، الجثث المحروقة، البيوت المحروقة، رائحة الخوف. الجسد يتذكر ما لا تذكره اللغة. كطبيب، أعرف أن للدم رائحة مختلفة حين يكون حاراً. دم الجرح يختلف عن دم الجثة. في آذار، كان حاراً، لا يُنسى، يعلق بالملابس والذاكرة.

فعندما تترك الرصاصة ثقباً في الجسد، يترك التبرير ثقباً في الذاكرة وفي المعنى. لرائحة الدم  لغة، تقول: أنا هنا، لن تنسوني. فرائحة آذار ليست في الأنف وحسب، بل في الضمير، على الجدران وعلى الإسفلت، وعلى أغطية لُفّ بها الموتى قبل دفنهم.

“معركة” تسمية الدم

في سوريا، لم يكن الغسيل الوردي شعاراً نظرياً، بل ممارسة يومية. أن تُلمَّع الجريمة، أن تُخفَّف لغة الاستنكار، أن يتحول القتل إلى سوء تقدير أو رصاص طائش، وأن يُسوَّق العنف باسم الاستقرار أو الثورة أو الحماية. ليس الغسيل محاولة لفهم ما حدث، بل محاولة لجعل ما حدث أقل فداحة في الوعي العام. فكل سلطة جديدة تُختبر أولاً في لحظة الدم: هل تسميه باسمه، أم تبحث له عن اسمٍ أخف؟

تحدث هذه الأفعال لأسباب تبدو مفهومة أحياناً: خوف من عودة الفوضى، خوف من انهيار الأمل، حاجة إلى رواية أقل رعباً مما حدث. أحياناً لا نغسل الجريمة لنخفيها عن الآخرين، بل لنحتملها نحن. لكن ما يُحتمل بالكلمات لا يخفف من وطأة الدم.

تحولت الكلمات: المجزرة صارت ‘”أحداثاً”، القتل الجماعي صار “أخطاءً فردية”، المدنيون صاروا “فلولاً”، الشهيد بات “مسلحاً”،  والطفل تحول الى “ضحية عرضية”. كل تحول لغوي جريمة موازية، فالفرق بين الرصاصة والكلمة أن الرصاصة تقتل مرة، والكلمة تقتل الذكرى كل يوم.

تبريد الذاكرة

للذاكرة الساخنة رائحة: صرخة أم، عظمة وجه محفوظة في درج. هذه ذاكرة يسكنها الجسد ولا تحتاج إلى أرشيف. أما الباردة فلها أرقام وبيانات وجمل متوازنة بين “نأسف” و”ندين”. لا رائحة فيها، ولا ارتجاف. العالم يفضّلها نظيفة وقابلة للأرشفة، لكن البرودة لم تكن في البيانات وحدها. كانت أيضاً في الحيّ. من سمع الرصاص وأغلق النافذة، من رأى الجثة وأدار وجهه. الصمت ليس دائماً جبناً، لكنه يبقى لغة: لغة تقول لن أتورط، لن أشهد، لن أسمّي؛ موافقة مكتوبة بالغياب.

تكررت عبارة “كنا نتوقع الأسوأ” في الأوساط الحقوقية والناشطة، والتي قيلت بنبرة واقعية، لكنها كشفت شيئاً آخر: متى صار الأسوأ معياراً نقيس به رحمتنا؟ فحين نقيس الفاجعة بما كان يمكن أن تكونه، لا بما كانت عليه، نكون قد بدأنا بتبريدها وهي لا تزال ساخنة. وفي تلك اللغة نفسها، بدا أحياناً أن الخوف من تسمية الجريمة أكبر من الخوف من وقوعها. وكأن التسمية قد تشعل نزاعاً، أو تكسر توازناً هشاً، فاختارت اللغة أن تمشي على أطراف أصابعها حول الدم. هكذا لا يُخفَّف الألم فقط بالمقارنة مع ما كان يمكن أن يحدث، بل أيضاً بتغيير اسمه.

الذاكرة الباردة قد تخدم العدالة، لكنها إذا بقيت وحدها تُبرّد الضمير. يتحول الدم إلى رقم، والصرخة إلى هامش. هكذا لا يُغسل الدم بالكلمات فقط، بل تُغسل حرارته.

روت لي أم من قرى الساحل كيف زحف طفلها ذو السنتين إلى جثة أبيه واحتضنها. لم يبكِ. وضع غطاءه الصغير على صدر والده الميت، كأنه يحاول تدفئته. حين سحبته بصعوبة، تمسك بالغطاء ورفض أن يتركه، حتى اليوم. الأطفال لا يتقنون بعد فن نسيان الرائحة.

الرائحة الأخلاقية

ليست كل الروائح جسدية. بعضها أخلاقي. هناك لحظة تدرك فيها أن المشكلة لم تعد في اختلاف الروايات، بل في فقدان حاسة الشم نفسها: حين لا تعود رائحة الدم تزعجك، يمكنك أن تسميها ما تشاء. عندها يصبح الحياد فضيلة لغوية، لا موقفاً إنسانياً.

أنا من الطائفة التي يُقال إنها “محميّة”، لكنني كنت محاطاً بجدران من السرديات. في المعتقل، كنت الأخ من الطائفة الكريمة، لكنها لم تكن حماية، بل تهمة ثقيلة أُعلّق بها. وفي آذار، حين خرجت لأكتب، اكتشفت أنني صرت بالنسبة الى كثيرين من “الطائفة الكريهة” لمجرد أنني أنعي موتاها.

خفت أن أصمت، وخفت أكثر أن أتكلم. أن أختبئ وراء حيادٍ لا يقبل الأسئلة، وأن أزن الجمل كما تُوزن الاتهامات. كان السؤال يلاحقني: كيف أرثي ضحايا من طائفتي بدون أن أتحول إلى بوق طائفي؟ وكيف أطلب العدالة من دون أن أبدو وكأنني أتهم ثورة بكاملها؟

كنت أشم رائحة آذار في ملابسي وأنا أحاول صياغة جملة محايدة. كانت الرائحة تسبقني إلى الورقة: الحياد أمام جثة طفل ليس فضيلة، بل تواطؤ، النجاة نفسها كانت ذنباً خفياً: كنت أملك رفاهية الكتابة، بينما كان آخرون يملكون مهمة الدفن.

لم أكتب يوماً لأدافع عن طائفة، ولا لأدين أخرى. أكتب لأنني لا أريد أن أعيش بنصف ضمير. وربما لأنني أخاف، أكثر من أي شيء آخر، أن أفقد تلك الحاسة التي تقول لي إن الدم، مهما اختلفت أسماؤه، يظل دماً.

اليوم، بعد عام، الاختلاف لم يُحسم. هناك من يصر على تسمية القتل “قدراً”، وهناك من يسميه “خطأ”، وقليلون فقط يسمونه باسمه: جريمة. وأنا لا أملك جيشاً، ولا منصة، ولا قراراً. أملك فقط ذاكرتي، التي تصرخ في وجهي كل يوم.

سيبقى سؤال والدة أحد الضحايا معلقاً في الهواء: “كيف تبررون موت من كان نائماً؟”، من يستطع الإجابة، فليفعل. أما أنا، فسأظل أشم رائحة آذار…

17.03.2026
زمن القراءة: 4 minutes

للذاكرة الساخنة رائحة: صرخة أم، عظمة وجه محفوظة في درج. هذه ذاكرة يسكنها الجسد ولا تحتاج إلى أرشيف. أما الباردة فلها أرقام وبيانات وجمل متوازنة بين “نأسف” و”ندين”. لا رائحة فيها، ولا ارتجاف. العالم يفضّلها نظيفة وقابلة للأرشفة، لكن البرودة لم تكن في البيانات وحدها. كانت أيضاً في الحيّ. من سمع الرصاص وأغلق النافذة، من رأى الجثة وأدار وجهه. الصمت ليس دائماً جبناً، لكنه يبقى لغة: لغة تقول لن أتورط، لن أشهد، لن أسمّي؛ موافقة مكتوبة بالغياب.

تعود مجازر الساحل السوري في ذكراها الأولى لتطرق أبواب الذاكرة، حاملةً معها ما عجزت الأرقام عن احتوائه: تفاصيل لم تمت، وروائح عالقة، إذ وثّق الحقوقيون ما حصل في آذار/ مارس الماضي: من قُتل ومن قام بالقتل وعدد الضحايا. لكن أحدهم لم يذكر تلك الأم؛ التي أخبرتني بعينين مرعوبتين كيف طلب منها عنصر ملثم أن تختار واحداً من أولادها الاثنين ليقتله. حتى اليوم تذكر ذلك الجمود الذي أصاب عينيها في محجريهما. تلوم نفسها: لماذا لم تهرع لسحب ولديها؟ الرائحة التي سادت تلك اللحظة، لن تغادر أنفها ولا ذاكرتها.

تلك السيدة تحفظ نظرة قاتل زوجها، النار التي كانت تقدح من عينيه، وتحتفظ بقطعة عظم من وجه زوجها وأسنانه.

رائحة الذاكرة

بعد الموت، تبقى رائحة الموتى عالقة في أنوف أحبتهم. يشمون ملابسهم كل فترة؛ تبقى الرائحة ذاكرة جسدية.

الناجون من مجازر آذار علقت في أنوفهم رائحة الموت، الجثث المحروقة، البيوت المحروقة، رائحة الخوف. الجسد يتذكر ما لا تذكره اللغة. كطبيب، أعرف أن للدم رائحة مختلفة حين يكون حاراً. دم الجرح يختلف عن دم الجثة. في آذار، كان حاراً، لا يُنسى، يعلق بالملابس والذاكرة.

فعندما تترك الرصاصة ثقباً في الجسد، يترك التبرير ثقباً في الذاكرة وفي المعنى. لرائحة الدم  لغة، تقول: أنا هنا، لن تنسوني. فرائحة آذار ليست في الأنف وحسب، بل في الضمير، على الجدران وعلى الإسفلت، وعلى أغطية لُفّ بها الموتى قبل دفنهم.

“معركة” تسمية الدم

في سوريا، لم يكن الغسيل الوردي شعاراً نظرياً، بل ممارسة يومية. أن تُلمَّع الجريمة، أن تُخفَّف لغة الاستنكار، أن يتحول القتل إلى سوء تقدير أو رصاص طائش، وأن يُسوَّق العنف باسم الاستقرار أو الثورة أو الحماية. ليس الغسيل محاولة لفهم ما حدث، بل محاولة لجعل ما حدث أقل فداحة في الوعي العام. فكل سلطة جديدة تُختبر أولاً في لحظة الدم: هل تسميه باسمه، أم تبحث له عن اسمٍ أخف؟

تحدث هذه الأفعال لأسباب تبدو مفهومة أحياناً: خوف من عودة الفوضى، خوف من انهيار الأمل، حاجة إلى رواية أقل رعباً مما حدث. أحياناً لا نغسل الجريمة لنخفيها عن الآخرين، بل لنحتملها نحن. لكن ما يُحتمل بالكلمات لا يخفف من وطأة الدم.

تحولت الكلمات: المجزرة صارت ‘”أحداثاً”، القتل الجماعي صار “أخطاءً فردية”، المدنيون صاروا “فلولاً”، الشهيد بات “مسلحاً”،  والطفل تحول الى “ضحية عرضية”. كل تحول لغوي جريمة موازية، فالفرق بين الرصاصة والكلمة أن الرصاصة تقتل مرة، والكلمة تقتل الذكرى كل يوم.

تبريد الذاكرة

للذاكرة الساخنة رائحة: صرخة أم، عظمة وجه محفوظة في درج. هذه ذاكرة يسكنها الجسد ولا تحتاج إلى أرشيف. أما الباردة فلها أرقام وبيانات وجمل متوازنة بين “نأسف” و”ندين”. لا رائحة فيها، ولا ارتجاف. العالم يفضّلها نظيفة وقابلة للأرشفة، لكن البرودة لم تكن في البيانات وحدها. كانت أيضاً في الحيّ. من سمع الرصاص وأغلق النافذة، من رأى الجثة وأدار وجهه. الصمت ليس دائماً جبناً، لكنه يبقى لغة: لغة تقول لن أتورط، لن أشهد، لن أسمّي؛ موافقة مكتوبة بالغياب.

تكررت عبارة “كنا نتوقع الأسوأ” في الأوساط الحقوقية والناشطة، والتي قيلت بنبرة واقعية، لكنها كشفت شيئاً آخر: متى صار الأسوأ معياراً نقيس به رحمتنا؟ فحين نقيس الفاجعة بما كان يمكن أن تكونه، لا بما كانت عليه، نكون قد بدأنا بتبريدها وهي لا تزال ساخنة. وفي تلك اللغة نفسها، بدا أحياناً أن الخوف من تسمية الجريمة أكبر من الخوف من وقوعها. وكأن التسمية قد تشعل نزاعاً، أو تكسر توازناً هشاً، فاختارت اللغة أن تمشي على أطراف أصابعها حول الدم. هكذا لا يُخفَّف الألم فقط بالمقارنة مع ما كان يمكن أن يحدث، بل أيضاً بتغيير اسمه.

الذاكرة الباردة قد تخدم العدالة، لكنها إذا بقيت وحدها تُبرّد الضمير. يتحول الدم إلى رقم، والصرخة إلى هامش. هكذا لا يُغسل الدم بالكلمات فقط، بل تُغسل حرارته.

روت لي أم من قرى الساحل كيف زحف طفلها ذو السنتين إلى جثة أبيه واحتضنها. لم يبكِ. وضع غطاءه الصغير على صدر والده الميت، كأنه يحاول تدفئته. حين سحبته بصعوبة، تمسك بالغطاء ورفض أن يتركه، حتى اليوم. الأطفال لا يتقنون بعد فن نسيان الرائحة.

الرائحة الأخلاقية

ليست كل الروائح جسدية. بعضها أخلاقي. هناك لحظة تدرك فيها أن المشكلة لم تعد في اختلاف الروايات، بل في فقدان حاسة الشم نفسها: حين لا تعود رائحة الدم تزعجك، يمكنك أن تسميها ما تشاء. عندها يصبح الحياد فضيلة لغوية، لا موقفاً إنسانياً.

أنا من الطائفة التي يُقال إنها “محميّة”، لكنني كنت محاطاً بجدران من السرديات. في المعتقل، كنت الأخ من الطائفة الكريمة، لكنها لم تكن حماية، بل تهمة ثقيلة أُعلّق بها. وفي آذار، حين خرجت لأكتب، اكتشفت أنني صرت بالنسبة الى كثيرين من “الطائفة الكريهة” لمجرد أنني أنعي موتاها.

خفت أن أصمت، وخفت أكثر أن أتكلم. أن أختبئ وراء حيادٍ لا يقبل الأسئلة، وأن أزن الجمل كما تُوزن الاتهامات. كان السؤال يلاحقني: كيف أرثي ضحايا من طائفتي بدون أن أتحول إلى بوق طائفي؟ وكيف أطلب العدالة من دون أن أبدو وكأنني أتهم ثورة بكاملها؟

كنت أشم رائحة آذار في ملابسي وأنا أحاول صياغة جملة محايدة. كانت الرائحة تسبقني إلى الورقة: الحياد أمام جثة طفل ليس فضيلة، بل تواطؤ، النجاة نفسها كانت ذنباً خفياً: كنت أملك رفاهية الكتابة، بينما كان آخرون يملكون مهمة الدفن.

لم أكتب يوماً لأدافع عن طائفة، ولا لأدين أخرى. أكتب لأنني لا أريد أن أعيش بنصف ضمير. وربما لأنني أخاف، أكثر من أي شيء آخر، أن أفقد تلك الحاسة التي تقول لي إن الدم، مهما اختلفت أسماؤه، يظل دماً.

اليوم، بعد عام، الاختلاف لم يُحسم. هناك من يصر على تسمية القتل “قدراً”، وهناك من يسميه “خطأ”، وقليلون فقط يسمونه باسمه: جريمة. وأنا لا أملك جيشاً، ولا منصة، ولا قراراً. أملك فقط ذاكرتي، التي تصرخ في وجهي كل يوم.

سيبقى سؤال والدة أحد الضحايا معلقاً في الهواء: “كيف تبررون موت من كان نائماً؟”، من يستطع الإجابة، فليفعل. أما أنا، فسأظل أشم رائحة آذار…