في غزة لا يبدأ الصباح بصوت المنبهات أو حركة الناس وتوجّههم إلى أعمالهم، بل بخروج النساء والأطفال إلى الشوارع بحثًا عن بقايا أكياس النايلون والكرتون وقطع الخشب والبلاستيك. يجمعونها بصمت لإشعال نار صغيرة يطهون عليها ما تيسّر من طعام، أو يغلون إبريق ماء لإعداد كوب من الشاي، في حال وُجد الشاي، ووُجد الماء أصلًا.
لكن المشهد اليوم أكثر قسوة من ذلك. فالناس لم يعودوا يبحثون عن الطعام أولًا، بل عن وسيلة لطهيه إن وُجد. الوجبة سلسلة من المعارك الصغيرة: العثور على ما يمكن أن يحترق، ثم البحث عن الماء، ثم عن حفنة من الدقيق أو العدس أو الأرز، ثم انتظار ألّا تُقصف الخيمة قبل أن ينضج الطعام. في هذه التفاصيل اليومية تُختصر حكاية ألف يوم من الإبادة أكثر مما تختصرها الأرقام والإحصاءات.
هذا ليس مشهدًا استثنائيًا، بل واقع يتكرر كل صباح في أنحاء قطاع غزة. أطفال كان يفترض أن يحملوا حقائبهم المدرسية، يحملون اليوم أكياسًا يجمعون فيها ما يصلح للاحتراق. ونساء كنّ يبدأن يومهن بإعداد الإفطار لأسرهن، أصبحن يمضين ساعات في البحث عن أي شيء يتحول إلى وقود، بعدما صار الغاز والكهرباء والحطب من الكماليات.
هكذا يبدأ اليوم الألف من الإبادة الجماعية. ليس بانفجار كبير أو غارة جديدة، بل بمعركة يومية من أجل البقاء؛ تبدأ بالبحث عن النار، ثم الماء، ثم الطعام، وتنتهي بمحاولة النجاة ليوم آخر.
في غزة اليوم، لم يعد الفقر وصفًا اقتصاديًا، ولا النزوح حالة مؤقتة، بل أصبحا نظامًا للحياة. وتحولت أبسط تفاصيل العيش إلى رحلة شاقة تستنزف الإنسان قبل أن يبدأ يومه. هذا هو الوجه الآخر للإبادة؛ وجه لا تصنعه القنابل وحدها، بل تصنعه أيضًا سياسات التجويع والحرمان، وإجبار الناس على العيش في ظروف لا تليق بالبشر.
اليوم، الجمعة 3 تموز/ يوليو 2026، يمر ألف يوم على الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وألف يوم على واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر. لم تعد القضية مجرد حرب طويلة، ولا مجرد أرقام تتزايد كل يوم، بل تحولت إلى واقع شامل من الموت والاقتلاع والتجويع والانهيار الإنساني، فُرض على أكثر من مليوني إنسان العيش خارج كل ما اعتاده البشر من معنى للحياة.
ليست الألف يوم رقمًا في التقويم، بل زمن ممتد من الخوف والانتظار. ألف صباح بدأ بالسؤال نفسه: من بقي حيًا؟ ومن فقدناه هذه المرة؟ وألف ليلة نام فيها الأطفال على أصوات الطائرات والقصف، أو تحت الخيام، أو فوق أنقاض البيوت، أو في مدارس تحولت إلى ملاجئ، أو في العراء بلا حماية ولا أمل.
وراء هذا الرقم تختبئ أكثر من مئة وسبعين ألف قصة، وآلاف العائلات التي مُحيت من السجل المدني، وعشرات آلاف الشهداء والمفقودين والجرحى، وملايين لحظات الألم والفقد. أكثر من مليوني نازح، ومئات آلاف المنازل التي سُويت بالأرض، ومدن وأحياء اختفت معالمها، ومجتمع بكامله أُعيد تشكيله بالقوة بعدما فقد مقومات الحياة الطبيعية كافة.
لم تعد الحرب مجرد عمليات عسكرية، بل أصبحت عملية متواصلة لإنتاج المعاناة. فالتجويع لم يكن نتيجة جانبية، بل سياسة، والنزوح لم يكن حدثًا عابرًا، بل تحول إلى نمط دائم. أما تدمير المستشفيات والمدارس والجامعات والبنية التحتية، فلم يكن أثرًا عرضيًا للقتال، بل جزءًا من إعادة صياغة الجغرافيا والسكان ومستقبل القطاع.
وعلى الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، ضمن ما عُرف بخطة ترامب للسلام، فإن الوقائع على الأرض أثبتت أن القتل لم يتوقف، وأن التجويع استمر، وأن الاستهداف اليومي للمدنيين لم ينتهِ. تغيرت الأدوات، لكن النتيجة بقيت واحدة: استمرار استنزاف المجتمع الفلسطيني وإبقاؤه في ظروف تجعل الحياة نفسها معركة يومية.
لقد تحول ما يسمى بمجلس السلام، الذي نشأ في إطار تلك الخطة، إلى إطار لإدارة الأزمة لا لإنهائها، وإلى آلية تمنح استمرار الواقع القائم غطاءً سياسيًا، بينما بقي الفلسطيني في غزة يعيش تحت شروط إنسانية طاردة للحياة، وسط حصار وانعدام للأمن وانهيار اقتصادي واجتماعي شامل، مع استمرار التهديد الدائم بالتهجير القسري.
إقرأوا أيضاً:
بعد ألف يوم، لم يعد السؤال: متى تنتهي الحرب؟ بل ماذا بقي من المجتمع بعد كل هذا الخراب؟ وكيف يمكن إعادة بناء حياة فقدت مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها وأسواقها ومؤسساتها، وفقدت أيضًا شعورها بالأمان، وثقتها بالعالم، وإيمانها بأن القانون الدولي قادر على حماية المدنيين؟
لقد كشفت هذه الألف يوم أزمة النظام الدولي بكامله. فالاتفاقيات التي وُضعت لمنع الإبادة الجماعية وحماية المدنيين بقيت عاجزة عن وقف الجريمة، وقرارات المحاكم الدولية لم تتحول إلى إجراءات رادعة، بينما استمرت القوى الكبرى في توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لإسرائيل، أو على الأقل في حمايتها من أي مساءلة حقيقية. ولم يكن العجز الدولي مجرد فشل في تطبيق القانون، بل تحول إلى أحد العوامل التي سمحت باستمرار المأساة وإطالة أمدها.
وإذا كانت إسرائيل قد سعت طوال هذه الحرب إلى إعادة تشكيل قطاع غزة سياسيًا وأمنيًا وديموغرافيًا، وإلى فرض واقع جديد بالقوة العسكرية والتجويع والتهجير، فإنها لم تستطع إنهاء القضية الفلسطينية أو محو هوية الشعب الفلسطيني. لكنها نجحت، في المقابل، في دفع المجتمع الفلسطيني إلى واحدة من أكثر مراحل الإنهاك قسوة منذ النكبة، بعدما استهدفت الإنسان والمكان ومقومات الحياة معًا.
مع ذلك، فإن أخطر ما أنتجته هذه الألف يوم ربما لا يتمثل في حجم الدمار وحده، بل في اعتياد العالم عليه. فقد تحولت صور الأطفال الجوعى، والخيام الممتدة على الرمال، والبيوت المدمرة، وطوابير الباحثين عن الماء والطعام، إلى مشاهد يومية تمر في نشرات الأخبار ووسائل التواصل من دون أن تُحدث الصدمة التي كانت تُحدثها في الأيام الأولى للحرب. وكأن استمرار المأساة جعلها، في نظر العالم، أقل إلحاحًا، لا أكثر.
غير أن غزة ليست خبرًا عابرًا، ولا ملفًا سياسيًا مؤجلًا، ولا قضية إنسانية موسمية. إنها مجتمع كامل ما زال يناضل من أجل حقه الأول والأساسي: أن يعيش بكرامة.
بعد ألف يوم، لم يعد أهل غزة يبدأون صباحهم بالسؤال: ماذا سنأكل؟ بل بالسؤال الأكثر قسوة: كيف سنطهو الطعام إن وجد؟ يبحثون أولًا عن كيس نايلون، أو قطعة كرتون، أو لوح خشب مكسور، ثم عن الماء، ثم عن حفنة من الدقيق أو العدس أو الأرز، ثم ينتظرون أن يكتمل النهار من دون أن تسقط قذيفة على الخيمة قبل أن تنضج الوجبة.
هذه ليست تفاصيل هامشية في حياة الحرب، بل هي الحرب نفسها. فعندما يصبح الوقود أغلى من الطعام، ويغدو إشعال النار معركة يومية، وتتحول أبسط مقومات الحياة إلى مهمة شبه مستحيلة، تكون الإبادة قد تجاوزت القتل المباشر إلى تدمير شروط الحياة ذاتها، وإلى تجريد الإنسان من أبسط حقوقه في العيش بكرامة.
سيكتب المؤرخون يومًا أن غزة عاشت ألف يوم من الإبادة الجماعية، وسيدوّنون أعداد الشهداء والجرحى والمفقودين، وحجم الدمار والخسائر. لكن ما لن تستطيع الأرقام أن ترويه هو حكاية امرأة خرجت مع أطفالها عند الفجر تبحث بين الركام عن قطعة كرتون أو كيس نايلون لإشعال نار صغيرة، لا لتواجه البرد، بل لتطهو وجبة متواضعة، أو تغلي إبريق ماء، أو تعد أكوابًا من الشاي تمنح أسرتها شعورًا عابرًا بأن الحياة لم تغادرهم تمامًا.
وربما ستبقى هذه الصورة، أكثر من أي رقم أو إحصاء، الشاهد الأكثر صدقًا على ألف يوم من الإبادة؛ يوميات شعب لم يكن يقاتل لتحسين شروط حياته، بل للاحتفاظ بالحد الأدنى منها. وستظل شاهدًا أيضًا على زمن أخفقت فيه الإنسانية في الوفاء بوعودها، وبقيت العدالة مؤجلة، بينما استمر الناس في غزة، صباحًا بعد صباح، يبحثون أولًا عن شيء يحترق… كي تستمر الحياة يومًا آخر.
إقرأوا أيضاً:














