ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أنا أيضاً أكره الحرب 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الحرب ستقع على الأرجح، وليتها لا تقع. لكنّ”اللا” لو قُدّر للجنوبيين من نفيها نصيب، فأيّ نفيّ لمآسيها وآثارها في النفس وفي الاجتماع، وقد أشقاهم منها الكثير الكثير؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تكثَّف الخوف في وجوه الجنوبيين مع  كتاب “حزب الله” المفتوح إلى الرؤساء الثلاثة، الذي اعتبر فيه أن مسار الحكومة بسحب سلاحه هو خطيئة، معلناً استمراره بالمقاومة ورفض نزع سلاحه.

والحديث عمّا تحمله وجوه الجنوبيين ليس فراسة، فالمرء، والحال كان أمام وجوه يفضحها الخوف في اللحظة، التي استشرفوا بالكتاب استدراجاً أسرع للحرب.

 من مؤسّسة تربوية، رصد كاتب هذه السطور كثافة الخوف في وجوه معلّميها وطلابها. تأثير الكتاب المفتوح باشر مفعول الخوف من شريحة مدنية وازنة، توفّر على الأرجح معياراً لقياس الخوف العامّ من الحرب، وتهافت أغلب السرديات الرائجة عن مقاربة الجنوبيين لها.

 كتاب “حزب الله ” المفتوح، الذي تخفّف سلباً من المواربة في موضوعي التفاوض وحصر السلاح، تبدّى أيضاً مفتاح الجنوبيين أنفسهم للخروج من تعميتهم على الخوف الساكن في داخلهم، ومؤشّراً على أوهام تسوَّق يومياً عن بيئة تتعاطى مع الحرب بـ”صفر خوف”.

وما تركه كتاب الحزب من التباس ضئيل عن الشعور بالخوف، بدّدته بعد ساعات تهديدات الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.

 تعمّد أفيخاي أدرعي في البداية نشر إنذار بقصف قرى في جنوب لبنان، وبخبث أراد منه وضع الجنوبيين عموماً في دائرة الخوف، وقد فعل. الإنذارات اللاحقة عن أمكنة محدّدة خفّفت ربما من الخوف العميم، لكنّها لم تلغِه أمام حال الترقّب من إنذارات جديدة.

 ولئن كان ادّعاء معاينة الخوف العامّ أمراً شخصياً متعذّراً، لكنّ تقصّيه في قريتي شقرا حيث أعيش وجوارها، يُفضي إلى أرجحية التعميم، ويترجم غالباً بالإقبال على محطّات المحروقات، وحزم الأمتعة،  كمؤشّرين على نزوح مرتقب.

 الطيبة، طيردبا، زوطر الشرقية، كفردونين، عيتا الجبل، قرى جنوبية طالتها إنذارات أدرعي تهديداً، وشهدت نزوحاً كثيفاً نحو قرى مجاورة، أو في أحسن الأحوال، نزوحاً لا  يتكيّف غالباً مع المسافة التي صرنا نحفظها عن أدرعي، وعن ظهر قلب. 

الأمتار الخمسمائة التي “يمنّ” علينا بها الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، تتبدّى عند سكّان قرى الأبنية المهدّدة كإفضاء إلى نمطين متفاوتين في مقاربتها. الأوّل يعبَّر عنه بالنزوح الراجح بما يتعدّى  مسافة طوق النجاة الإسرائيلي، والنمط الآخر يندرج في السياسة أكثر منه في العامّ، ويتناسب طرداً مع “أمتار” أدرعي كمشهدية تسيَّل من خلالها سردية الحزب عن  الخوف المتبدّد.

 لا تسقط الحرب عن ألسنة الجنوبيين. إنها هاجسهم الدائم، وحديثهم الدائم، وخوفهم الدائم. لم تعد السياسة مهنة “أهلها” ومنظّريها. استشراف الحرب من عدمها، حوّل السياسة عند سكّان القرى الجنوبية إلى “كار” قسري يلازم  الجميع، حتى أبي الذي طالما كره السياسة، صار “سياسياً”.  صار أبي رجلاً تسعينياً يقف على حافة الحرب التي يكرهها.

 أنا أيضاً أكره الحرب، أكرهها تصريحاً لا تلميحاً. بوحاً لا مواربة. وأكره صمت الكثيرين المفتعل عن كرهها، كما عن أسبابها. صمت يُفسَّر عند “حزب الله” على غير ما يشتهي الصامتون، و يُدرجه راهناً كمثقّل لكتابه المفتوح إلى رؤساء يكرهون الحرب مثلي، ومثلهم، لكنّهم كرؤساء لا يفعلون شيئاً لتفاديها. 

أكره الحرب، وأعرف أن اتّقاء شرّها ليس طوعياً، وأن اتّقاء بشاعتها، موتاً أو نزوحاً، لن يُتيحه سلاح “حزب الله”، ولا أحاجي جوزاف عون، ولا “شاعرية” نبيه برّي. 

المتاح راهناً هو فقط الخروج من لعنة الوطن، ومن “لبنانية” كانت جنسية، وقد حوّلتها السياسة والسلاح إلى مهنة.

 الحرب ستقع على الأرجح، وليتها لا تقع. لكنّ”اللا” لو قُدّر للجنوبيين من نفيها نصيب، فأيّ نفيّ لمآسيها وآثارها في النفس وفي الاجتماع، وقد أشقاهم منها الكثير الكثير؟

 فأن تكون لبنانياً، وجنوبياً تحديداً، يعني أن يكون حاضرك متشظّياً بين ما تحبّ وما تكره. بين أن تسامر عزلتك بأغنية، ثم لا ينفكّ صوت”المسيّرات” يشاطرك فيها السمر. بين أن تجالس ندماء وأصدقاء على حديث في الحبّ والجنس والفرح، فيستدرجك طيف الحرب إليه ويطغى. بين أن تستدعيك القافية إلى الشعر وبحوره، فترتطم بثقافة سائدة ينقطع الشعر فيها على مديح الشيخ نعيم قاسم، أو “دولة” نبيه برّي. 

والحال، هذه وقائع  تتفشّى في حياة جنوبيين يستهلكون أيّامهم بخوف على حافّة الحرب.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
07.11.2025
زمن القراءة: 3 minutes

الحرب ستقع على الأرجح، وليتها لا تقع. لكنّ”اللا” لو قُدّر للجنوبيين من نفيها نصيب، فأيّ نفيّ لمآسيها وآثارها في النفس وفي الاجتماع، وقد أشقاهم منها الكثير الكثير؟

تكثَّف الخوف في وجوه الجنوبيين مع  كتاب “حزب الله” المفتوح إلى الرؤساء الثلاثة، الذي اعتبر فيه أن مسار الحكومة بسحب سلاحه هو خطيئة، معلناً استمراره بالمقاومة ورفض نزع سلاحه.

والحديث عمّا تحمله وجوه الجنوبيين ليس فراسة، فالمرء، والحال كان أمام وجوه يفضحها الخوف في اللحظة، التي استشرفوا بالكتاب استدراجاً أسرع للحرب.

 من مؤسّسة تربوية، رصد كاتب هذه السطور كثافة الخوف في وجوه معلّميها وطلابها. تأثير الكتاب المفتوح باشر مفعول الخوف من شريحة مدنية وازنة، توفّر على الأرجح معياراً لقياس الخوف العامّ من الحرب، وتهافت أغلب السرديات الرائجة عن مقاربة الجنوبيين لها.

 كتاب “حزب الله ” المفتوح، الذي تخفّف سلباً من المواربة في موضوعي التفاوض وحصر السلاح، تبدّى أيضاً مفتاح الجنوبيين أنفسهم للخروج من تعميتهم على الخوف الساكن في داخلهم، ومؤشّراً على أوهام تسوَّق يومياً عن بيئة تتعاطى مع الحرب بـ”صفر خوف”.

وما تركه كتاب الحزب من التباس ضئيل عن الشعور بالخوف، بدّدته بعد ساعات تهديدات الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.

 تعمّد أفيخاي أدرعي في البداية نشر إنذار بقصف قرى في جنوب لبنان، وبخبث أراد منه وضع الجنوبيين عموماً في دائرة الخوف، وقد فعل. الإنذارات اللاحقة عن أمكنة محدّدة خفّفت ربما من الخوف العميم، لكنّها لم تلغِه أمام حال الترقّب من إنذارات جديدة.

 ولئن كان ادّعاء معاينة الخوف العامّ أمراً شخصياً متعذّراً، لكنّ تقصّيه في قريتي شقرا حيث أعيش وجوارها، يُفضي إلى أرجحية التعميم، ويترجم غالباً بالإقبال على محطّات المحروقات، وحزم الأمتعة،  كمؤشّرين على نزوح مرتقب.

 الطيبة، طيردبا، زوطر الشرقية، كفردونين، عيتا الجبل، قرى جنوبية طالتها إنذارات أدرعي تهديداً، وشهدت نزوحاً كثيفاً نحو قرى مجاورة، أو في أحسن الأحوال، نزوحاً لا  يتكيّف غالباً مع المسافة التي صرنا نحفظها عن أدرعي، وعن ظهر قلب. 

الأمتار الخمسمائة التي “يمنّ” علينا بها الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، تتبدّى عند سكّان قرى الأبنية المهدّدة كإفضاء إلى نمطين متفاوتين في مقاربتها. الأوّل يعبَّر عنه بالنزوح الراجح بما يتعدّى  مسافة طوق النجاة الإسرائيلي، والنمط الآخر يندرج في السياسة أكثر منه في العامّ، ويتناسب طرداً مع “أمتار” أدرعي كمشهدية تسيَّل من خلالها سردية الحزب عن  الخوف المتبدّد.

 لا تسقط الحرب عن ألسنة الجنوبيين. إنها هاجسهم الدائم، وحديثهم الدائم، وخوفهم الدائم. لم تعد السياسة مهنة “أهلها” ومنظّريها. استشراف الحرب من عدمها، حوّل السياسة عند سكّان القرى الجنوبية إلى “كار” قسري يلازم  الجميع، حتى أبي الذي طالما كره السياسة، صار “سياسياً”.  صار أبي رجلاً تسعينياً يقف على حافة الحرب التي يكرهها.

 أنا أيضاً أكره الحرب، أكرهها تصريحاً لا تلميحاً. بوحاً لا مواربة. وأكره صمت الكثيرين المفتعل عن كرهها، كما عن أسبابها. صمت يُفسَّر عند “حزب الله” على غير ما يشتهي الصامتون، و يُدرجه راهناً كمثقّل لكتابه المفتوح إلى رؤساء يكرهون الحرب مثلي، ومثلهم، لكنّهم كرؤساء لا يفعلون شيئاً لتفاديها. 

أكره الحرب، وأعرف أن اتّقاء شرّها ليس طوعياً، وأن اتّقاء بشاعتها، موتاً أو نزوحاً، لن يُتيحه سلاح “حزب الله”، ولا أحاجي جوزاف عون، ولا “شاعرية” نبيه برّي. 

المتاح راهناً هو فقط الخروج من لعنة الوطن، ومن “لبنانية” كانت جنسية، وقد حوّلتها السياسة والسلاح إلى مهنة.

 الحرب ستقع على الأرجح، وليتها لا تقع. لكنّ”اللا” لو قُدّر للجنوبيين من نفيها نصيب، فأيّ نفيّ لمآسيها وآثارها في النفس وفي الاجتماع، وقد أشقاهم منها الكثير الكثير؟

 فأن تكون لبنانياً، وجنوبياً تحديداً، يعني أن يكون حاضرك متشظّياً بين ما تحبّ وما تكره. بين أن تسامر عزلتك بأغنية، ثم لا ينفكّ صوت”المسيّرات” يشاطرك فيها السمر. بين أن تجالس ندماء وأصدقاء على حديث في الحبّ والجنس والفرح، فيستدرجك طيف الحرب إليه ويطغى. بين أن تستدعيك القافية إلى الشعر وبحوره، فترتطم بثقافة سائدة ينقطع الشعر فيها على مديح الشيخ نعيم قاسم، أو “دولة” نبيه برّي. 

والحال، هذه وقائع  تتفشّى في حياة جنوبيين يستهلكون أيّامهم بخوف على حافّة الحرب.