ضاعت سنة دراسية من عمري، لا لكسل ولا لتقصير، بل لأن الموت دخل فصلي من النافذة.
في العام 2014، لم أكن تجاوزت العشرين من عمري ولم أكد أكمل العام الدراسي في الأنبار، اجتزت ثلاثة امتحانات فقط، وفي طريق العودة إلى المدرسة، سبقتنا سيارة مفخخة إلى البوابة، انفجرت، أصيب صديقي عبد الفتاح برأسه، ومات آخر بجانبي، منذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء.
هرب الناس من الأنبار مذعورين، محشورين في برادات البقالة وشاحنات النقل، وجوههم لا تحمل إلا سؤالاً واحداً: إلى أين؟ خياران لا ثالث لهما: إما طريق “داعش”، أو طريق بغداد، الطريق الأهون، لكنه يقودك إلى بوابة إذلال اسمها “معبر بزيبز”، هناك، لا تعبر إلا إذا خضعت، ودفعت من كرامتك ثمناً للمرور.
كانوا يرون فينا خطراً لم نصنعه، يحملوننا وزر جماعة لم نخترها، وأثناء هروبنا من موتٍ واحد، قتلوا الإنسان الذي فينا. في الطريق إلى الجسر، سقط أبي. تمرّغ جسده في التراب وهو يحمل أوراقه الثبوتية، يحاول أن يثبت للفصائل المسيطرة (الإيرانية الولاء ) أنه “موظف عراقي”، فقط ليُسمح لنا بالمرور، هذه اللحظة، لا تزال تلاحقني، تؤلمني أكثر من الجرح، أتعذب بها، وأحياناً أكره نجاتي.
كيف يُطلب مني الآن أن أتصالح مع إيران؟ مع من كانت سبباً في ذل والدي، في نزوح أمي، في ضياع جزء من عمري؟ كيف يُطلب مني أن أغض الطرف عن هذا كله، فقط لأن الشر المقابل اسمه “إسرائيل”؟
كلاهما شر وكلاهما توسّعي وكلاهما قتلنا.
أنا ضد إيران، لأنها شريكة في تدمير مدينة طفولتي، لأن قرى كاملة ما زال مصير أهلها مجهولاً، لأن أطفالاً لم يعرفوا مصير آبائهم منذ اجتياح داعش، غُيبوا على يد الفصائل الإيرانية، لأن عوائل ما زالت تُمنع من العودة إلى بيوتها لأنهم “سُنّة”، متهمون بتهمة داعش.
أي قانون في العالم يُجبرك على الخروج من بيتك، ويمنعك من العودة إليه؟ أي شرعٍ هذا الذي يحمّل الناس ذنباً لم يرتكبوه، فقط لأنهم لا يتبعون طائفتك أو مشروعك؟
أنا ضد إيران، لأنها حرّضت عليّ حين أُحرقت بيوت النازحين في بغداد، لأننا بعد احتراق بيت جارنا في الليل، هربنا إلى شمال العراق، ثلاث ليالٍ في الطرقات، أطفال ينامون تحت الأشجار، إيران قتلت الإنسان فينا، وأنا ضد كل من يقتل إنسانيتي.
وبعد هذا كله، يطالبونني بأن أتصالح، أن أتعاطف، أن أتناسى؟ لا، الذكريات التي زرعتموها فينا لن تمحوها جلسات الطب النفسي، الحقد الذي خلّفته جرائمكم ليس عارضاً، بل هو مكوّن جديد من هويتنا.
الشرّ شر، مهما غيّر زيهّ أو تبدّل لسانه، وقوفي ضد إيران لا يعني أنني مع إسرائيل، كما لا يعني أنني محايد أو بلا موقف، بل يعني أنني ضد الشر، كل الشر.
لن أكون في حفلة التطبيل التي تُقام يومياً على مواقع التواصل لإيران، ولن أكون من أصحاب الأماني ولا كُتّاب القصائد التمجيدية التي تُنسَج على حساب ذاكرتي المرّة.
لا أستطيع أن أشاركهم تلك النشوة، وأحبابي بين الركام أو الغياب، لا يمكن لقصيدة مديح أن تمحو نحيب ليلة نزوح، ولا لتغريدة تمجيد أن تعيد لنا بيوتنا التي أُحرقت عمداً، ولا لراية طائفية أن تُغطّي جريمة إنسانية بحجم ما فعلوه بنا.
أنا مع الإنسان، مع كرامته، مع حقه في الحياة بلا مذلة، مع حقه في العودة إلى بيته من دون إذن من قاتله، موقفي ليس رمادياً ولا رمزيّاً، بل هو واضح: لن أضع يدي في يد من أحرق بيت جاري، ولن أرفع صوتي مع من هجّر أبي، فقط لأن خصمه أسوأ، والعدالة لا تُقسّم على المقاس، والذاكرة لا تُشطب بالتعليمات، وأنا ما زلت أذكر.
أنا أيوب سعد، لا أنتمي إلى محور أحد، ولا أضع وجهاً أبيض على حساب وجه أسود، لا أصالح من هجّرني، ولا أهادن من سلبني، ولا أقبل أن يُطلب مني الاختيار بين شيطانين.









