أوافيكم من محافظة بعيدة، ربما سمعتم عنها وربما لا، لا بأس، لستم وحدكم.
فالبقاع منكوب درجة ثانية، في هذه الحرب المجنونة، البقاع ضحية ثانوية في المجزرة الكبيرة، منسيّ وتلفّه عتمة حالكة حتى حين يُقصف في منتصف النهار، إذ يُطلب من جراحه أن تختم نفسها بنفسها، فالإعلام هناك قليل، وقدرته على التنقل والتصوير بحرية معقدة، إن بسبب سيطرة جهات حزبية أو بسبب جهل بعض المراسلين جغرافية المنطقة.
إنه البقاع البعيد، إنه “الهناك” الذي لا يُعرف فعلياً من أين يُضرب، ويكاد ينسى العدّاد أن يذكر أسماء دمه المسفوك.
تصلنا أخبار الحرب من البقاع بعد حين، وأحياناً بعد أن تبرد الأجساد النائمة، فيما التأكد من الخبر صعب، فالمنطقة غير مجهزة بشيء، وخريجو الصحافة البقاعيون معظمهم يعملون في بيروت أو في مؤسسات خارج لبنان. فعلوا ذلك لأن البقاع لم يكن يوماً الخبر إلا في ما ندر عند اعتقال أحد المطلوبين مثلاً، لذلك مؤسساته الإعلامية متواضعة ومعظمها تابعة سياسياً لجهات أو عائلات سياسية تموّلها. وهي مؤسسات صغيرة أصلاً، ولا تملك المعدات اللازمة لتغطية حرب، وقد لا يملك العاملون فيها إلا قلوبهم الخافقة وأجسادهم القوية للوقوف فوق الأنقاض لالتقاط صورة أو فيديو، لعلّ العالم يبالي قليلاً بمنطقة تُقصف بلا توقّف اسمها البقاع.
لقد أخبرني أصدقائي وجيراني عن أحداث رأوها وعن غارات مدمرة وقرى قُصفت، إلا أننا لم نعرف تفاصيلها في الإعلام ولم تصلنا جميعها، أخبروني عن ليالي رعب أمضوها، عند قصف مخازن أسلحة أو أبنية مأهولة، وهي حكايات وصل بعضها إلينا إنما بصوت خافت وتفاصيل قليلة.
لولا بعض مجموعات “الواتسآب” لكنا ربما لم نعرف أبداً أن البقاع واقع أيضاً ضمن بنك الأهداف الإسرائيلية، وأن داخله مئات الآلاف من النازحين الذين لا مأوى لهم ولا ملجأ، ولا يصلهم من المساعدات سوى الفتات.
سألت أحد الزملاء عن غارة استهدفت مركز الدفاع المدني في دورس البقاعية، حين نفى معرفته بشيء، طفت أعاتبه، “ألم ترَ غروبات الواتسآب البقاعية؟”.
قال إنه ليس في أي منها ولم تكن وسائل الإعلام قد ذكرت شيئاً بعد عن المجزرة التي حلت هناك وأدت إلى مقتل وجرح عدد من العناصر، إضافة إلى تضرّر الأبنية المجاورة.
إنه البقاع البعيد، إنه “الهناك” الذي لا يُعرف فعلياً من أين يُضرب، ويكاد ينسى العدّاد أن يذكر أسماء دمه المسفوك.
هل غروبات “الواتسآب” هي صلتنا الوحيدة بالدم المهدور في البقاع؟ ومن ليس عضواً في أي منها، قد لا يعرف مثلاً أن بعلبك أو شمسطار أو رياق قد قصفت وأن أهلها يركضون بلا وجهة على الطرقات؟
لقد نزلت الصواريخ فوق البيوت والذكريات والصغار والكبار، ولم يصل إلا الفتات والأخبار المتأخّرة والمختصرة.
البقاع يكسر القلب ليس بسبب الحرب وحسب، بل لأنه مبعد ومنسي كما لو أنه جزء غير مرغوب فيه بالعائلة اللبنانية الكبيرة، وهي مأساة نعرفها قبل أن تقصفنا إسرائيل وقبل أن تبدأ الحرب… البقاع منسي حتى في السلم وحتى في القهر وحتى في منتصف النكبة!
في الشتاء يقفل الثلج عدداً كبيراً من قراه ويهجره معظم أهله حتى لا يحتجزهم الطقس بعيداً عن العمل وبيروت… وفي الصيف، لا يخطر للدولة أن تنشئ جسراً أو طريقاً لائقاً وأقل خطورة، يربط البقاع بالأجزاء الأخرى من البلد. مذ كنت مراهقة وأنا أسمع عن أوتوستراد العرب العظيم الذي من شأنه أن يحل مشاكل البقاعيين ويصلهم بالمناطق الأخرى وبسوريا، لكنني كبرت وشاب شعري ولم أرَ هذا الجسر العظيم. المركزية ومحورية بيروت قاتلة أطراف البلاد، ونحنا لسوء حظنا أولاد الأطراف.
والآن أتت الحرب، والبقاع يواصل عدّ خسائره وحيداً كعادته، له ناسه وأهله فقط، وستقفل الطرقات قريباً، ومن يبقى منها مفتوحاً سيكون عبوره بمنتهى الخطورة، بسبب الطقس وأيضاً بسبب القصف؟
إلى دير الأحمر، تلك البلدة النائية القريبة من بعلبك، نزح أكثر من 20 ألف شخص من بعلبك وجوارها، لقد استقبلهم الناس والمتطوعون وساعدوهم بما استطاعوا… أما الجهات الرسمية، فالسلام على الجهات الرسمية.
في تقرير صحافي صورناه من دير الأحمر، شاهدنا ناساً على الطرقات وداخل السيارات في ليلة باردة انهمر فيها المطر بغزارة. إحدى السيدات قالت إنها لم تستطع إحضار ثياب شتويّة لها ولعائلتها، ثم بكت وقالت: لا تطفئوا الكاميرا!
بعد حين وصل شبان من البلدة ووزعوا بعض الأغطية والحرامات على النازحين، الذين أمضى جزء كبير منهم ليلته في العراء في منطقة جبلية بردها ينخر العظام.
بعد أسابيع قليلة، ستتراكم الثلوج على طريق عيناتا- الأرز، وسيتم عزل دير الأحمر وجوارها نهائياً، لا سيما أن طريق ضهر البيدر باتجاه بعلبك منطقة شديدة الخطورة وتتعرض للقصف، وحتى الآن لم تصل المساعدات الغذائية ومستلزمات التدفئة الكافية إلى النازحين هناك… فلنتخيّل أي شتاء إذاً سيمرّ على المهجّرين البقاعيين!
البقاع الحبيب، السهل الواسع المنبسط بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية، الأرض الخصبة التي يجري فيها أكبر نهرين في لبنان، العاصي والليطاني (وكلاهما ملوّث)، خزان بلاد الشام من الحبوب والخضار والفاكهة… هذا البقاع ينزف الآن، وللمرة الأولى قد لا يعرف طريقاً إلى لملمة جراحه بيديه، وحتى الجهات الحزبية التي تحكمه وتقوّضه ليست مهتمّة الآن، لقد أقفِلت صناديق الاقتراع!













