كنتُ أمارس الرياضة في الحي الذي أعيش فيه في فرنسا، مع فريقٍ من غرباء يجتمعون مرّةً في الأسبوع. نتمرّن في الشارع، نصبح فرجةً للمارة، ونُحرّك عضلاتٍ تيبّست بعدما تجاوز معظمنا الأربعين. وهناك أيضًا بعض الشباب، بطبيعة الحال، أكثر حيويةً ونشاطًا.
وصلنا إلى فقرة الركض. إحدى المتسابقات — والحق أن الجميع كانوا يسبقونني — كانت أمامي مباشرة. نظرت إلى شيءٍ على الأرض، وهزّت رأسها يمينًا ويسارًا وهي تلتفت نحونا. توقّعتُ أنها رأت شيئًا مقزّزًا، فلم أتبع نظراتها، بل ركّزت على ضبط شهيقي وزفيري وأنا أركض.
عند محطة المترو أنهينا حصّتنا في قطعة أرضٍ صغيرة، كما نفعل كل ثلاثاء. تمرّ الحافلات بجانبنا، وتنتشر فضلات الكلاب حولنا، فيما يلاحقنا البعوض. ومع ذلك، لن يأتي أحد ليسأل: ماذا تفعلون هنا؟ لعبنا ساعةً كاملة، ثم عدنا ركضًا إلى الشارع نفسه حيث أسكن، قرب المدربة. كان ذلك حظًا حسنًا لي؛ فلولا إلحاحها لما خرجت من المنزل، إذ نادرًا ما أفعل منذ قرابة عامين من عمر الإبادة. ربّيت اكتئابي مع كل ثانيةٍ مرّت على مقتلة غزة.
في طريق العودة، وحين وصلتُ إلى ما كانت تلك الفرنسية تنظر إليه بضيق، رأيت قطةً رمادية مقتولة، على الأرجح بحادث سيارة. خفَتَت عزيمتي، وكانت المدربة تحثّني على الاستمرار، لكن عقلي بدأ يدقّ كملعقةٍ على قدر معدني. توقّفت، ثم دخلتُ إلى مبنى سكني هاربة. قلبي قال لي إنني أعرف هذه القطة.
صعدت مباشرة إلى شقة صاحبتها. كان صوت الصحون يتصادم في المطبخ؛ وقتُ العشاء، والفرنسيون لا يتأخرون عنه ولا يُبكّرون. فتحت جارتي كلير الباب. سألتها: “هل قِطّتُك زُفير في البيت؟”، أجابت: “لا. هل رأيتِها اليوم؟”، قلت: “لا”، وارتجف صوتي وأنا أضيف: “هناك قطةٌ مقتولة في الشارع تشبهها. هل تأتين معي؟”.
ارتدت سترة ونزلنا. وكلما اقتربنا من تلك الكتلة الرمادية عند حافة الرصيف، شعرتُ بها ترتجف إلى جانبي. وصلنا. نظرتْ ثم قالت: “نعم، إنها قطتي”.
تذكرت لحظات تسلّل “زُفير” إلى منزلي لتأكل مع قططي وتلعب معها. قطةٌ جميلة، أنيقة، ذكية. انفجرتُ بالنحيب في الشارع، وبكت صاحبتها. هي تبكي قطتها، وأنا شعرتُ أنني أبكي كل الموتى في مدينتي البعيدة. كأن الحادث كان ذريعةً لأزيح سدّ النهر في داخلي.
حملتها صاحبتها غير آبهةٍ بالدم والذباب الذي تجمّع على الجسد المتيبّس، ما يعني أن الحادث وقع باكرًا صباحًا. غضبت من فكرة أن لا أحد سأل عنها. القطط لا ينبغي أن تغيب طويلًا عن البيت؛ تحتاج إلى روتين صارم في الذهاب والعودة كي لا تتهوّر في اكتشاف الأماكن. وهي ليست سواءً في سلوكها؛ مثل البشر، لكل قطة شخصية.
كان واضحًا أن السيارة ضربت رأسها. ولم أستطع أن أمنع نفسي من رؤية آلاف الشهداء المضرّجين بدمائهم في ذاكرتي الحيّة عن غزة. فكّرت أن هذه القطة الذكية لم تستطع مجابهة حديد سيارة؛ عنفٌ أكبر منها. هكذا هي الإبادة بالضبط: مدينة ملأى بالحياة تأتيها آلةٌ أكبر منها فتنتزع المتمسّكين بالحياة من شوارعهم البسيطة وبيوتهم التي أمضوا أعمارهم في تشييدها، وتدفنهم تحتها.
آلة الموت أقوى من أي روح حيّة. أقوى من عشرات آلاف المكافحين في غزة. بكيتُ كل تلك الأيام التي جلست فيها أراقب أسماء الشهداء، مرعوبةً من أن أجد أسماءً من عائلتي. بكيت القطة التي سحقتها السيارة بدلًا من كل اللحظات التي صمتُّ فيها وأنا أرى صور نعوش عمّتي وابنتها وأحفادها، وأبناء قريباتي الأخريات، وهي تُقاد إلى التراب الأخير.
هذه طريقتي في الحزن؛ طريقتي في النجاة. أهتمّ بقططي وقطط الجيران وأنا مرعوبةٌ من الفقدان. هكذا كنتُ طوال حياتي التي شهدت ثلاث حروب وانقسامًا. فوبيا الفقد. حاولت أن أصلّح نفسي كما يفعل سمكريّ بسيارة خَرِبة، خصوصًا منذ وصلت فرنسا. جرّبت جلسات التفريغ النفسي أونلاين. كتبت كثيرًا. قرّعت ذاتي. وبالتأكيد تشاجرت مع الجميع بحثًا عن الأمان. في النهاية وجدتني متعلّقة بقططي الثلاث، وأبكي قطط الجيران كالمجنونة الوحيدة المهووسة بقططها. لكن الأمر ليس عنهم فقط؛ إنه أعمق: تعويض الفراغ، والعجز، والحزن، والخذلان. (نسيت أن أقول: لديّ أرنبٌ أيضًا).
مشينا في الشارع – أنا وصاحبة القطة – ونحن نحمل الجثمان. باكيتان. كأنه دربُ الآلام. كأنني أمشي في جنازة وحيدة. هنا، من الغريب أن تبكي امرأة في الشارع. في بلدي، تبكي النساء في كلّ مكان، بخاصة في الشارع. لم نثر اهتمام المارة، سوى شابٍ رفع نظارته الشمسية ونظر نحونا بتعاطف.
نحن نكراتٌ بأحزان نكرة في بلاد بعيدة. لو بكيت في شارع من شوارعنا الشرق أوسطية لوجدت عشرة مناديل وعشر أيادٍ تربّت على كتفي. لكنني لم أبك طلبًا لذلك. تفجّر الكبت لأنني شيّعت وجعي مع موت القطة “زُفير”. حمّلت موت هذه الصغيرة الجميلة، ومعه إبادة مكانٍ آخر، معنىً واحدًا انفجر الآن. انتحبت كأنني أنتحب ستين ألف حياة ذهبت بلا رجعة.
إقرأوا أيضاً:
عدنا إلى المنزل. كانت ألعاب القطة عند العتبة. سمع بقية الجيران، فخافوا على قططهم وأدخلوها منازلهم. لفّت صاحبة القطة وزوجها جثمانها في ورق أبيض كبير، وانطلقا بسيارتهما. بقيت أنتظرهما ساعات. أذرع ممرات السكن بين أشجار السرو جيئةً وإيابًا، قلقة أراجع كل شيء في رأسي. صنعت الشاي مرتين والقهوة مرتين. وفي كل مرة أضع فنجانًا إضافيًا لصاحبة القطة؛ لعلها تعود فتشربه. لم تعد. وبرد آخر فنجان على حافة النافذة، وبقي هناك.
لماذا حدث هذا؟ هل لأصحو من اكتئابي؟ أهو ألم فقدان مدينتي التي تدمرت إلى الأبد؟ هل يمكن للإنسان أن يفقد كل أماكن ذاكرته دفعةً واحدة في أقل من عامين؟ هل يغفر موتٌ صغير اليوم لموتٍ كبير يضجّ في رأسي؟ كيف تشعر أمٌّ وهي تمسك جسد طفلها المقتول بيديها؟ كيف تودّعه؟ كيف يكفي الوقت؟ الفكرة التي تفجّر البكاء هي الشفقة على هذه البراءة وهي تُقتل بهذه الوحشية.
حين غطّيت الحروب السابقة بعملي الصحافي في قطاع غزة رأيت الأمهات الثكالى، وأجساد الأطفال والجدّات مقتولة. الحياةُ كانت تتجمّد للتوّ في أجساد وردية تبدو حيّة، من فرط هدوئها، حتى لا تظنّ أنها ميّتة. ومع ذلك، لم أشعر بألمٍ يخصّني كهذا الآن. وكأنّه كان قائمًا دومًا منذ الرصاصة الأولى التي سمعتُها، وقنبلة الغاز المبكّرة التي شممتُها في الانتفاضة الأولى عام 1987، والصاروخ الذي هزّ بيتي في حرب 2008؛ وخرج كلّه الآن.
تساءلت: ماذا سيحدث لي بعدها؟ هل سأمسك القلم من جديد بعدما تركته منذ سبعة أشهر – فقدت الأملَ في أن توقف الكلمات حربًا – أم سأمضي في التخلّي عن أشياء أكثر، وعن الالتزامات الاجتماعية والصحافية كلّها، إلّا قططي وعائلتي الصغيرة؟ هما آخر حصن لئلا أضيع أنا أيضًا في موسم الخسارات هذا. وربما قد ضعتُ بالفعل.
عادت صاحبة القطة – أو “أمّها” كما يسمّون هنا — مثقلةً، حائرةً بما ستقوله لابنها حين يعود من إجازته قريبًا. لم تكن لدي كلمات لأواسيها. لم أسألها أين دفنوها ولا كيف. عدت إلى شقتي، وما زلت أرى شبحها يتسلّل من الشرفة، يلفّ الغرف باحثًا عن الطعام وعن صديقها “مانجو” المفضّل لديها من بين قططي. كانت لا تموء إلا إذا حملتُها، معترضةً على أن يحملها غريب.
أنظر إلى السماء فأرى، في الوقت نفسه، آلاف الأشباح الأخرى من حولي. كان يمكن أن تعيش، وأن تكون لها حياة ومنزل ومدينة. لكنهم قُصفوا بأعتى الأسلحة الحديثة، وقُصفت مدينتهم كأنها بلا بشر.
سلام عليكِ يا غزّة. إن كل ما حولي في الغربة يأخذني إلى محرقتك الأبدية؛ إلى ما تحوّل فيه الإنسان: لطخة دمٍ وعظام.
إقرأوا أيضاً:











