ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“أنا لست شجرة”: النبذ الطائفي باسم العدالة المؤجّلة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كل ما تقدمه حملة “أنا لست شجرة” من لغة عن المحاسبة لا يلغي أصلها التمييزي، فهي لا تسأل أولاً عمّن شارك أو حرّض أو قتل، بل تبدأ من اسم الطائفة، ومن افتراض أن العلوي مدان بهويته قبل أن يُسأل عن فعله.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تحتاج حملة “لست شجرة” إلى تعريف أولي، لأنها لم تعد شعاراً عابراً خرج على وسائل التواصل، فالحملة التي بدأت عبر منصة “أكس” كحملة ضغط ومقاطعة، تحولت إلى صفحة على فيسبوك وروابط عبر التلغرام، لتكتسب انتشاراً وتأييداً على منصات التواصل الاجتماعيّ.

كانت المفاجأة في الطرح نفسه، إذ أوضحت الحملة ما تريده تحديداً، مقاطعة بيئة النظام السوري السابق، مع تركيز خاص على العلويين الذين تسمّيهم “النصيريين”، ثم توصلت إلى شعارات يومية تُطالب بمقاطعة العلويين سواء عبر مقاطعة طبيب أو صاحب تاكسي أجرة، أو صاحب دكان. وعلى الرغم من أن نقد الحملة ودعوتها إلى المقاطعة شملت كل من أيّد نظام الأسد أو شارك في تثبيت سلطته، فإنها احتاجت، مع تراكم الأسئلة وتصعيد المواجهة، إلى شروحات لتبرير تركيزها على العلويين تحديداً. 

هنا بدأت الحملة توضّح نفسها عبر التشبه بحركات المقاطعة وجماعات الضغط، فاختارت تسميات مختلفة لممارسة عزل اجتماعي لمن شارك النظام أو دعمه أو غطى جرائمه أو قبلها.

لكن هذا التعريف الذي تقدمه الحملة عن نفسها عبر صفحاتها الاجتماعية يحتاج إلى تدقيق، لأن المشكلة لا تبدأ من إعلان النية والفكرة. لهذا، خرج ناشط سلفي باسم أبو دجانة ليشرح مبادئ الحملة، فقدمها كحركة مقاطعة ضد كل شريك للنظام، نفياً لمزاعم العنصرية وانتهاك السلم الأهلي. وأكد أبو دجانة أن “الرد على السلم الأهلي هو بالمحاسبة والعدالة، ومقاطعة المؤيديين الذين هم بمجملهم نصيريين”.

 كرّس أبو دجانة ما ادعى نفيه، أي تحميل فئة كاملة وزر نظام. غير أن شرحه لم يبق عند معيار الشراكة الفردية أو المسؤولية السياسية، إذ انتقل إلى تقديم بيانات وإحصاءات عن حجم مشاركة العلويين في جيش النظام وأجهزته، ومن هنا صار الاستنتاج أكثر خطورة: مقاطعة العلويين تبدو، داخل منطقه، نتيجة طبيعية ومفهومة. إنها حملة تنقض على مصطلح السلم الأهلي، من كونه مستحيلاً، هناك طائفة يجب عقابها وأن تتحمل مصيرها، والسلم الأهلي معها انتهاك للعدالة.

كل ما تقدمه الحملة من لغة عن المحاسبة لا يلغي أصلها التمييزي، فهي لا تسأل أولاً عمّن شارك أو حرّض أو قتل، بل تبدأ من اسم الطائفة، ومن افتراض أن العلوي مدان بهويته قبل أن يُسأل عن فعله.

الناشطية السلفيّة الدعويّة

بعيداً عن ضعف الرمزية الآتية من علوم الطبيعة وحملات التنمية البشرية في شعار الحملة، تأتي “أنا لست شجرة”، والتي أوضح أبو دجانة معناها الثنائي: للسني بأنه لا يقف منتظراً وعاجزاً، وللعلوي بأنه يستطيع الخروج من البلاد، داخل طور جديد من الهجوم على العلويين منذ سقوط نظام الأسد، ثم امتداد هذا الهجوم نحو الدروز. 

هنا يتصاعد خطاب أدب الساحات، مؤثري المعارك والإعلام الحربي، وهي مشكلة عويصة، لأن خطاب المعركة حين يخرج من الحرب لا يتحول تلقائياً إلى خطاب مدني، ولا يستعيد وحده معايير إنسانية وصحافية وقانونية. يبقى يرى العالم بعينه العسكرية القديمة، عدو وصديق، جماعة يجب الدفاع عنها، وجماعة يجب تعريتها أمام الناس. المشكلة أن الإعلام العسكري لم يبق عسكرياً، ولم يعد محصوراً بالجبهات أو بمقربي السلطة، إنما انتقل إلى الثقافة اليومية، إلى تيك توك وفيسبوك، وإلى ناس صاروا يتكلمون كأنهم مراسلون ومقاتلون وقضاة في الوقت نفسه.

 الأخطر أن هذا الخطاب لا يقنع الناس بفكرة متماسكة، إنما يمنحهم إحساساً بالانتماء والقوة. المشاهد لا يتلقى الكلام كتحليل، إنما كجزء من جماعة ترى نفسها منتصرة أو مجروحة. لذلك يصبح الفيديو القصير أخطر من كثير من المكتوب، لأنه عفوي وسريع وشفهي، ولا يطلب من الجمهور أن يفكر طويلاً.

فكرة الحملة حين تدخل في تقنية الفعل واللغة والرد وإنتاج المعنى، لا تبقى عند نية صاحبها الأولى. قد يقول أصحاب الحملة إنهم لا يريدون القتل ولا يدعون إليه، وإنهم يريدون المقاطعة كفعل أو عقاب اجتماعي، ثم يربطون ذلك بأنها دعوة سلمية وشائعة عالمياً. لكن الفعل لا يقاس دائماً بما يعلنه عن نفسه، إنما بالمسار الذي يفتحه. 

المقاطعة قد تحدث ضمناً بين الناس، والعلويون أنفسهم قاطعوا مناطق سنّية لسنين طويلة أثناء الثورة بفعل الخوف والحواجز ورؤية الآخر وتجييش النظام والانقسام، ومناطق كاملة من دون حملة. لكن الضمني يبقى أقل خطراً من محاولة جعله متاحاً وتقنياً.

السلمية لا تمنح الفعل براءة تلقائية، العزل الاجتماعي قد يكون عنفاً من دون سلاح، وربما كان أخطر لأنه لا يعلن نفسه كعنف، بل يجعله تلميحاً واضحاً، لا يقتل مباشرة، لكنه يسحب من الإنسان حقه في العلاقة والعمل والحضور، ويحوّله إلى اسم طائفي قابل للنبذ، ما يغيب عن الشروحات المقدمة لنا كتبرير للحملة، أننا في خضم حاجتنا إلى العدالة نحتاج إلى وسيط لها. الانتقال من الألم إلى العقوبة من دون مسافة هو انتقال ثأري فقط، من دون توسطات تُفيد بفتح المسافة بين الفعل ورد الفعل، بين السبب والنتيجة والسياق.. 

هناك فرق بين أن تقول إن جريمة وقعت ويجب أن يحاسب مرتكبوها، وبين أن تلغي أي مسافة بين الجريمة والمعاقبين، وتجعل العقاب عاماً، متاحاً، وموزعاً على جماعة كاملة.

هنا تقع الكارثة. لا يعود السؤال من فعل؟ إنما يصير السؤال من أي أصل أنت؟ هذا ليس طريقاً إلى العدالة، إنما إلى الثأر. العدالة تحتاج إلى شخص يمكن مساءلته، لا إلى جماعة تلقَّن موقع المتهم. 

من الجماعات إلى الأفراد

الذات السورية لن تتطور بالنفي وحده، ولا بالتلقين الطائفي، ولا بتعليمها كيف تعاقب جماعة أخرى. تتطور حين تتحول إلى شخص قانوني، إلى ذات قادرة على المطالبة بحقها من دون أن تسقط حق غيرها، قادرة على محاسبة القاتل من دون تحويل الولادة إلى تهمة، وعلى بناء معيار لا يعمل مرة واحدة ضد جماعة واحدة، إنما يصلح لأن يحكم الجميع. من دون هذا المعيار، لا نكون أمام عدالة، إنما أمام ثأر رُتِّب بلغة سلمية.

اسم الحملة يقوم على صيغة نافية لمتبنّيها: “أنا لست”، والنفي لا يفتح معنى جديداً، إنما يكتفي بإبعاد الذات عن الآخر وعزلها. كأن الفرد يصبح أوضح لأنه قال ما ليس هو، لا لأنه فهم موقعه وعلاقته بالآخرين. الذات لا تتشكل بالنفي والرفض وحدهما، إنما بما تستطيع فهمه والاعتراف به وتحويله إلى علاقة. وحين يصير النفي شعاراً سياسياً، يتحول بسهولة إلى فرز: أنا لست شجرة، أنا لست مثلهم، أنا لست معهم. هكذا يصبح السلب طريقاً سهلاً لعزل جماعة كاملة باستحقاق ضعيف لكلمة “ليس”.

تتبنى الحملة الفرز والتقسيم فعلاً أداتياً يقوم على الأشياء، وفرزها هوياتياً، إذ لا أفراد، بل جماعات محكومة بطوائفها، لا توسط بين الهوية والحكم على الإنسان، لا فعل، لا دليل، لا شهادة، لا تاريخ شخصي، لا موقع فردي داخل السلطة أو خارجها. لا يسألون: هل شارك؟ هل استفاد؟ هل حرض؟ هل قتل؟ هل كان خائفاً؟ هل كان ضحية أيضاً؟ هكذا تنتقل الجملة مباشرة من الهوية إلى العقوبة، وتكرر شيئاً من منطق النظام الأسدي نفسه حين اختصر البشر في أصولهم ومواقعهم وخوفه منهم.

خطورة الحملة أنها تبدأ ككلام عن مقاطعة، ثم تصير تدريباً على التصنيف، ولو كان بشكل ساخر. تحدد من يدخل المجال العام ومن يخرج منه، من يستحق المعاملة الطبيعية ومن يجب عزله، من يبقى شخصاً له اسم، ومن يتحول إلى كتلة وهوية وجماعة. هنا ينفك الفعل الأولي عن نتائجه: شخص يكتب ويتبنى، آخر يكرر أو يسخر، ثالث يحول الكلام إلى موقف أخلاقي، وفتيان وشبان يقرأون من الخلف ويتعلمون كيف يرون الناس بالجملة.

الأخطر أن التقنية تجعل الكلام أسرع من مسؤوليته. المنشور لا يبقى عند صاحبه. ينفصل عنه، يدخل في التداول، يتراكم مع منشورات أخرى، ثم يعود إلى الواقع وقد صار مزاجاً عاماً. لا أحد يمسك النتيجة الأخيرة بيده، لكن الجميع يشاركون في صنع قابلية ما: قابلية العزل، قابلية الشماتة، قابلية أن يصير الإنسان مختصراً في أصله ومذهبه وخوف الآخرين منه، وهو نفسه خائف.

وراء الحملة  تعليقات ومحاولات تفسير، لا تخفف العنف، وإنما تجعله أذكى وأعمق أثراً، وتمنحه شكلاً أنظف وأسلس. يراد للتحريض أن يصير حجة، وللفرز أن يصير تحليلاً ووعياً، ولكراهية الآخر أن تأخذ هيئة عقلانية، كأن هناك طريقة أخلاقية لعقاب جماعة كاملة بسبب تاريخ سلطة عمرها خمسون عاماً.

مشكلة هذه الحملة أنها لا ترى المجتمع كعلاقات طويلة بين بشر عاشوا الخوف والسلطة والانقسام والحرب الأهلية. إنها تسقط العقل في أسهل أشكال عمله وأسذجها: التصنيف. اسم الطائفة كاف!

يساعدنا روبرت باكستون، في كتابه “تشريح الفاشية”، على فهم ما لا تريد الحملة رؤيته في نفسها. الفاشية عنده لا تبدأ دائماً من حزب كامل أو دولة جاهزة أو قائد يرفع يده في الساحات، هي تبدأ من عواطف أصغر، عواطف معقدة جداً، وذاكرة جماعة مجروحة أو مُهانة، والأهم مُهددة، ثم تبحث عن طهارتها في عدو داخلي. بالتالي تبدأ من إحساس بالضحية يتحول إلى حق في الفرز والتنقية، لكن العلويين اليوم فقدوا أي دور في السلطة أو بالقوة أو حتى القدرة على المقاومة، إنهم الأضعف.

لذلك، لا تكمن خطورة  حملة ” لست شجرة” في أنها تعلن القتل، فهي لا تفعل ذلك، ولن تفعل ذلك، إنما في أنها تجعل النبذ يبدو عقلانياً، وتجعل المقاطعة طقساً للانتماء إلى الجماعة “المنتصرة” التي تتعالى على القانون بحكم الهوية، وتسيس الأفراد عبر معادلة بسيطة: قل إنك لست منهم، لا تعاملهم، لا تثق بهم، لا ترهم إلا من أصلهم وهويتهم. هنا تصير السياسة تمريناً على اختصار الإنسان في طائفته.

الطريق إلى الفاشية لا يبدأ دائماً بضجيج هائل، قد يبدأ بجملة صغيرة، بصورة، بوسم، بقائمة، بمزحة، بمقاطعة تبدو هادئة، ثم تتراكم هذه الأشياء حتى تصير مزاجاً عاماً. وحين يصبح المزاج العام قادراً على رؤية جماعة كاملة كخطر أو عبء أو بقايا نظام، تكون الحرب الأهلية قد وجدت لغتها الأولى قبل أن تجد سلاحها.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
08.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

كل ما تقدمه حملة “أنا لست شجرة” من لغة عن المحاسبة لا يلغي أصلها التمييزي، فهي لا تسأل أولاً عمّن شارك أو حرّض أو قتل، بل تبدأ من اسم الطائفة، ومن افتراض أن العلوي مدان بهويته قبل أن يُسأل عن فعله.


تحتاج حملة “لست شجرة” إلى تعريف أولي، لأنها لم تعد شعاراً عابراً خرج على وسائل التواصل، فالحملة التي بدأت عبر منصة “أكس” كحملة ضغط ومقاطعة، تحولت إلى صفحة على فيسبوك وروابط عبر التلغرام، لتكتسب انتشاراً وتأييداً على منصات التواصل الاجتماعيّ.

كانت المفاجأة في الطرح نفسه، إذ أوضحت الحملة ما تريده تحديداً، مقاطعة بيئة النظام السوري السابق، مع تركيز خاص على العلويين الذين تسمّيهم “النصيريين”، ثم توصلت إلى شعارات يومية تُطالب بمقاطعة العلويين سواء عبر مقاطعة طبيب أو صاحب تاكسي أجرة، أو صاحب دكان. وعلى الرغم من أن نقد الحملة ودعوتها إلى المقاطعة شملت كل من أيّد نظام الأسد أو شارك في تثبيت سلطته، فإنها احتاجت، مع تراكم الأسئلة وتصعيد المواجهة، إلى شروحات لتبرير تركيزها على العلويين تحديداً. 

هنا بدأت الحملة توضّح نفسها عبر التشبه بحركات المقاطعة وجماعات الضغط، فاختارت تسميات مختلفة لممارسة عزل اجتماعي لمن شارك النظام أو دعمه أو غطى جرائمه أو قبلها.

لكن هذا التعريف الذي تقدمه الحملة عن نفسها عبر صفحاتها الاجتماعية يحتاج إلى تدقيق، لأن المشكلة لا تبدأ من إعلان النية والفكرة. لهذا، خرج ناشط سلفي باسم أبو دجانة ليشرح مبادئ الحملة، فقدمها كحركة مقاطعة ضد كل شريك للنظام، نفياً لمزاعم العنصرية وانتهاك السلم الأهلي. وأكد أبو دجانة أن “الرد على السلم الأهلي هو بالمحاسبة والعدالة، ومقاطعة المؤيديين الذين هم بمجملهم نصيريين”.

 كرّس أبو دجانة ما ادعى نفيه، أي تحميل فئة كاملة وزر نظام. غير أن شرحه لم يبق عند معيار الشراكة الفردية أو المسؤولية السياسية، إذ انتقل إلى تقديم بيانات وإحصاءات عن حجم مشاركة العلويين في جيش النظام وأجهزته، ومن هنا صار الاستنتاج أكثر خطورة: مقاطعة العلويين تبدو، داخل منطقه، نتيجة طبيعية ومفهومة. إنها حملة تنقض على مصطلح السلم الأهلي، من كونه مستحيلاً، هناك طائفة يجب عقابها وأن تتحمل مصيرها، والسلم الأهلي معها انتهاك للعدالة.

كل ما تقدمه الحملة من لغة عن المحاسبة لا يلغي أصلها التمييزي، فهي لا تسأل أولاً عمّن شارك أو حرّض أو قتل، بل تبدأ من اسم الطائفة، ومن افتراض أن العلوي مدان بهويته قبل أن يُسأل عن فعله.

الناشطية السلفيّة الدعويّة

بعيداً عن ضعف الرمزية الآتية من علوم الطبيعة وحملات التنمية البشرية في شعار الحملة، تأتي “أنا لست شجرة”، والتي أوضح أبو دجانة معناها الثنائي: للسني بأنه لا يقف منتظراً وعاجزاً، وللعلوي بأنه يستطيع الخروج من البلاد، داخل طور جديد من الهجوم على العلويين منذ سقوط نظام الأسد، ثم امتداد هذا الهجوم نحو الدروز. 

هنا يتصاعد خطاب أدب الساحات، مؤثري المعارك والإعلام الحربي، وهي مشكلة عويصة، لأن خطاب المعركة حين يخرج من الحرب لا يتحول تلقائياً إلى خطاب مدني، ولا يستعيد وحده معايير إنسانية وصحافية وقانونية. يبقى يرى العالم بعينه العسكرية القديمة، عدو وصديق، جماعة يجب الدفاع عنها، وجماعة يجب تعريتها أمام الناس. المشكلة أن الإعلام العسكري لم يبق عسكرياً، ولم يعد محصوراً بالجبهات أو بمقربي السلطة، إنما انتقل إلى الثقافة اليومية، إلى تيك توك وفيسبوك، وإلى ناس صاروا يتكلمون كأنهم مراسلون ومقاتلون وقضاة في الوقت نفسه.

 الأخطر أن هذا الخطاب لا يقنع الناس بفكرة متماسكة، إنما يمنحهم إحساساً بالانتماء والقوة. المشاهد لا يتلقى الكلام كتحليل، إنما كجزء من جماعة ترى نفسها منتصرة أو مجروحة. لذلك يصبح الفيديو القصير أخطر من كثير من المكتوب، لأنه عفوي وسريع وشفهي، ولا يطلب من الجمهور أن يفكر طويلاً.

فكرة الحملة حين تدخل في تقنية الفعل واللغة والرد وإنتاج المعنى، لا تبقى عند نية صاحبها الأولى. قد يقول أصحاب الحملة إنهم لا يريدون القتل ولا يدعون إليه، وإنهم يريدون المقاطعة كفعل أو عقاب اجتماعي، ثم يربطون ذلك بأنها دعوة سلمية وشائعة عالمياً. لكن الفعل لا يقاس دائماً بما يعلنه عن نفسه، إنما بالمسار الذي يفتحه. 

المقاطعة قد تحدث ضمناً بين الناس، والعلويون أنفسهم قاطعوا مناطق سنّية لسنين طويلة أثناء الثورة بفعل الخوف والحواجز ورؤية الآخر وتجييش النظام والانقسام، ومناطق كاملة من دون حملة. لكن الضمني يبقى أقل خطراً من محاولة جعله متاحاً وتقنياً.

السلمية لا تمنح الفعل براءة تلقائية، العزل الاجتماعي قد يكون عنفاً من دون سلاح، وربما كان أخطر لأنه لا يعلن نفسه كعنف، بل يجعله تلميحاً واضحاً، لا يقتل مباشرة، لكنه يسحب من الإنسان حقه في العلاقة والعمل والحضور، ويحوّله إلى اسم طائفي قابل للنبذ، ما يغيب عن الشروحات المقدمة لنا كتبرير للحملة، أننا في خضم حاجتنا إلى العدالة نحتاج إلى وسيط لها. الانتقال من الألم إلى العقوبة من دون مسافة هو انتقال ثأري فقط، من دون توسطات تُفيد بفتح المسافة بين الفعل ورد الفعل، بين السبب والنتيجة والسياق.. 

هناك فرق بين أن تقول إن جريمة وقعت ويجب أن يحاسب مرتكبوها، وبين أن تلغي أي مسافة بين الجريمة والمعاقبين، وتجعل العقاب عاماً، متاحاً، وموزعاً على جماعة كاملة.

هنا تقع الكارثة. لا يعود السؤال من فعل؟ إنما يصير السؤال من أي أصل أنت؟ هذا ليس طريقاً إلى العدالة، إنما إلى الثأر. العدالة تحتاج إلى شخص يمكن مساءلته، لا إلى جماعة تلقَّن موقع المتهم. 

من الجماعات إلى الأفراد

الذات السورية لن تتطور بالنفي وحده، ولا بالتلقين الطائفي، ولا بتعليمها كيف تعاقب جماعة أخرى. تتطور حين تتحول إلى شخص قانوني، إلى ذات قادرة على المطالبة بحقها من دون أن تسقط حق غيرها، قادرة على محاسبة القاتل من دون تحويل الولادة إلى تهمة، وعلى بناء معيار لا يعمل مرة واحدة ضد جماعة واحدة، إنما يصلح لأن يحكم الجميع. من دون هذا المعيار، لا نكون أمام عدالة، إنما أمام ثأر رُتِّب بلغة سلمية.

اسم الحملة يقوم على صيغة نافية لمتبنّيها: “أنا لست”، والنفي لا يفتح معنى جديداً، إنما يكتفي بإبعاد الذات عن الآخر وعزلها. كأن الفرد يصبح أوضح لأنه قال ما ليس هو، لا لأنه فهم موقعه وعلاقته بالآخرين. الذات لا تتشكل بالنفي والرفض وحدهما، إنما بما تستطيع فهمه والاعتراف به وتحويله إلى علاقة. وحين يصير النفي شعاراً سياسياً، يتحول بسهولة إلى فرز: أنا لست شجرة، أنا لست مثلهم، أنا لست معهم. هكذا يصبح السلب طريقاً سهلاً لعزل جماعة كاملة باستحقاق ضعيف لكلمة “ليس”.

تتبنى الحملة الفرز والتقسيم فعلاً أداتياً يقوم على الأشياء، وفرزها هوياتياً، إذ لا أفراد، بل جماعات محكومة بطوائفها، لا توسط بين الهوية والحكم على الإنسان، لا فعل، لا دليل، لا شهادة، لا تاريخ شخصي، لا موقع فردي داخل السلطة أو خارجها. لا يسألون: هل شارك؟ هل استفاد؟ هل حرض؟ هل قتل؟ هل كان خائفاً؟ هل كان ضحية أيضاً؟ هكذا تنتقل الجملة مباشرة من الهوية إلى العقوبة، وتكرر شيئاً من منطق النظام الأسدي نفسه حين اختصر البشر في أصولهم ومواقعهم وخوفه منهم.

خطورة الحملة أنها تبدأ ككلام عن مقاطعة، ثم تصير تدريباً على التصنيف، ولو كان بشكل ساخر. تحدد من يدخل المجال العام ومن يخرج منه، من يستحق المعاملة الطبيعية ومن يجب عزله، من يبقى شخصاً له اسم، ومن يتحول إلى كتلة وهوية وجماعة. هنا ينفك الفعل الأولي عن نتائجه: شخص يكتب ويتبنى، آخر يكرر أو يسخر، ثالث يحول الكلام إلى موقف أخلاقي، وفتيان وشبان يقرأون من الخلف ويتعلمون كيف يرون الناس بالجملة.

الأخطر أن التقنية تجعل الكلام أسرع من مسؤوليته. المنشور لا يبقى عند صاحبه. ينفصل عنه، يدخل في التداول، يتراكم مع منشورات أخرى، ثم يعود إلى الواقع وقد صار مزاجاً عاماً. لا أحد يمسك النتيجة الأخيرة بيده، لكن الجميع يشاركون في صنع قابلية ما: قابلية العزل، قابلية الشماتة، قابلية أن يصير الإنسان مختصراً في أصله ومذهبه وخوف الآخرين منه، وهو نفسه خائف.

وراء الحملة  تعليقات ومحاولات تفسير، لا تخفف العنف، وإنما تجعله أذكى وأعمق أثراً، وتمنحه شكلاً أنظف وأسلس. يراد للتحريض أن يصير حجة، وللفرز أن يصير تحليلاً ووعياً، ولكراهية الآخر أن تأخذ هيئة عقلانية، كأن هناك طريقة أخلاقية لعقاب جماعة كاملة بسبب تاريخ سلطة عمرها خمسون عاماً.

مشكلة هذه الحملة أنها لا ترى المجتمع كعلاقات طويلة بين بشر عاشوا الخوف والسلطة والانقسام والحرب الأهلية. إنها تسقط العقل في أسهل أشكال عمله وأسذجها: التصنيف. اسم الطائفة كاف!

يساعدنا روبرت باكستون، في كتابه “تشريح الفاشية”، على فهم ما لا تريد الحملة رؤيته في نفسها. الفاشية عنده لا تبدأ دائماً من حزب كامل أو دولة جاهزة أو قائد يرفع يده في الساحات، هي تبدأ من عواطف أصغر، عواطف معقدة جداً، وذاكرة جماعة مجروحة أو مُهانة، والأهم مُهددة، ثم تبحث عن طهارتها في عدو داخلي. بالتالي تبدأ من إحساس بالضحية يتحول إلى حق في الفرز والتنقية، لكن العلويين اليوم فقدوا أي دور في السلطة أو بالقوة أو حتى القدرة على المقاومة، إنهم الأضعف.

لذلك، لا تكمن خطورة  حملة ” لست شجرة” في أنها تعلن القتل، فهي لا تفعل ذلك، ولن تفعل ذلك، إنما في أنها تجعل النبذ يبدو عقلانياً، وتجعل المقاطعة طقساً للانتماء إلى الجماعة “المنتصرة” التي تتعالى على القانون بحكم الهوية، وتسيس الأفراد عبر معادلة بسيطة: قل إنك لست منهم، لا تعاملهم، لا تثق بهم، لا ترهم إلا من أصلهم وهويتهم. هنا تصير السياسة تمريناً على اختصار الإنسان في طائفته.

الطريق إلى الفاشية لا يبدأ دائماً بضجيج هائل، قد يبدأ بجملة صغيرة، بصورة، بوسم، بقائمة، بمزحة، بمقاطعة تبدو هادئة، ثم تتراكم هذه الأشياء حتى تصير مزاجاً عاماً. وحين يصبح المزاج العام قادراً على رؤية جماعة كاملة كخطر أو عبء أو بقايا نظام، تكون الحرب الأهلية قد وجدت لغتها الأولى قبل أن تجد سلاحها.

08.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية