ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أنا ملكةٌ في بيتي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حين نترك البيت نحن لا نترك المكان فقط، وإنما نترك إيقاع جهازنا العصبي والعاطفي، وكل نسيج كينونتنا ومزاجنا الذي حكناه مع الزمن. البيت هو “زمكاننا”. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ماذا يعني أن تغادر البيت؟

كلمة مغادرة توحي بأن الأمر طوعيّ، حتى وإن كانت لا تعني ذلك تماماً. وعندما لا يكون الأمر طوعيّاً، تبدو كلمة “مغادرة” أضعف من أن تعبّر عن الحدث وهو جللٌ. 

بعد كل تهديد بإخلاء القرى، نحن لا نغادر البيت، بل نتركه. وفي الترك تخلٍّ ليس فقط عن البيت، بل عن كل العادات الصغيرة التي أسّسناها فيه ومعه. 

ترك البيت لا يؤدّي بالضرورة الى التشرّد، أو الإقامة في خيمة أو مركز إيواء. فترك البيت وإن كان للانتقال إلى بيتٍ ثانٍ، لن يقلّ عن انسلاخ… الترك مجرد بداية له.

لم أشعر بهذا التخلي مباشرة عندما تركت البيت، إنما عندما وجدت نفسي أقف كالضائعة في وسط الشقة ولا أعرف عمّا أبحث. ثم فهمت أنني أبحث عن الضوء الذي يرشدني وينظم إيقاع يومي، وعن الحائط الذي أدير له وجهي عندما آخذ قيلولتي على كنبتي، وعن الصمت الذي يصبح مدوياً بعد أذان الظهر تحديداً، وعن العتمة التي تتسلل إلى عيوني بعد انتهاء حصة النهار، وعن أشيائي التي أجدها وأنا مغمضة العينين، وعن مزاجي. ثم وجدتني أسارع في الخروج من الشقة بحثاً عن تفصيل مألوف لم أجده فيها. 

في بيروت، المقهى هو التفصيل المألوف، أهرب إليه كي يتوقف البحث. 

عندما تركت البيت، إنما تركت الكنبة التي اتفقنا أنا وإياها وباقي كنبات البيت والنوافذ والأبواب والبلاط والجدران والصور واللوحات المعلقة عليها والشراشف، على أنها مكاني الأنسب الذي صار مفضلاً في ذاك التوقيت من النهار وفي تلك العتمة. وكي أستبدلها بأخرى في بيت آخر، عليّ أن أعيد نسج كل ما نسجته مع كل أشياء البيت إنما هذه المرة ليس بشكلٍ عضويٍّ كما حدث مع أشياء بيتي. الزمن في بيتي كان شريكاً بما نسجت، ولا ينفع تقليد ما نُسج فيه في مكان آخر. 

في المكان الآخر، سيحدث تراكم آخر مرتبط بإيقاع زمني مختلف وضوء مختلف ونافذة مختلفة، والمقارنة لا يجب أن تكون جزءاً من المعادلة لأنها ليست في صالح المكان الجديد ولا في تأقلمي فيه. والتأسيس لتراكمٍ جديدٍ خاص بالمكان الجديد سيتطلب فهماً للزمن الذي ستقيم خلاله فيه. وإذا كان زمن البقاء فيه مبهماً لأن كل الظرف مبهم، ستطول وقفتي وسط الشقة ليس فقط للبحث عما ألفته بل عما أريد أن يصير مألوفاً.

حين نترك البيت نحن لا نترك المكان فقط، وإنما نترك إيقاع جهازنا العصبي والعاطفي، وكل نسيج كينونتنا ومزاجنا الذي حكناه مع الزمن. البيت هو “زمكاننا”. 

في البيت وعلى مدار إقامتنا فيه، تنشأ ببطئ علاقة مع الأشياء والزوايا، ومع التشققات في الحائط والنمل الذي نتبعه لنكتشف من أي شق خرج. نحيك فيه على مدار الملل والتعب والمناسبات قصصاً تُثبت وتُثبِّت علاقتنا به من دون أن تكون علاقة ناجحة أو حلوة طيلة الوقت. مع الوقت أو مع الظرف الذي قد لا يقل عن ظرف مغادرة قسرية، نعي أننا لم نكن نقيم في البيت بل نسكن فيه ويسكننا، نعيش فيه ويعيش فينا. لأن كلمة “نقيم” أيضاً تبدو أضعف من أن تعبر عن علاقتنا بالبيت.

نحن لا نحب بيوتنا كل الوقت، على الأقل ليس طيلة الوقت الذي نعيش فيه. نكره بيوتنا في أحيان كثيرة ربما بسبب التعب من حمل امتلاكنا لها والارتباط والقيد الذي نرزح تحت ضغط الحفاظ عليها، أو بسبب تراكم تصليحات وتعديلات فيها لم نتمكن من إجرائها، أو لأن بيوتنا لا تشبه البيوت التي تمنيناها ويبدو أنها لن تصيرها.

لكننا، في سائر الأوقات، لا نحبّ بيوتنا لأنها جميلة، بل تصبح جميلة لأنها بيوتنا. ولأنها بيوتنا نحبّها، ولأننا نحبّها ننقص بعيدًا عنها، ثم نختفي . 

أنا لم أغادر ولم أترك ولم أتخلَّ. أنا انسلخت عن مكاني ومكانتي التي منحني إياها بيتي بعدما أثبتُّ له استحقاقي لها. 

أنا ملكة في بيتي، وخارجه أقف ضائعةً أبحث عني وعن مزاجي.

إقرأوا أيضاً:

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
09.06.2026
زمن القراءة: 3 minutes

حين نترك البيت نحن لا نترك المكان فقط، وإنما نترك إيقاع جهازنا العصبي والعاطفي، وكل نسيج كينونتنا ومزاجنا الذي حكناه مع الزمن. البيت هو “زمكاننا”. 


ماذا يعني أن تغادر البيت؟

كلمة مغادرة توحي بأن الأمر طوعيّ، حتى وإن كانت لا تعني ذلك تماماً. وعندما لا يكون الأمر طوعيّاً، تبدو كلمة “مغادرة” أضعف من أن تعبّر عن الحدث وهو جللٌ. 

بعد كل تهديد بإخلاء القرى، نحن لا نغادر البيت، بل نتركه. وفي الترك تخلٍّ ليس فقط عن البيت، بل عن كل العادات الصغيرة التي أسّسناها فيه ومعه. 

ترك البيت لا يؤدّي بالضرورة الى التشرّد، أو الإقامة في خيمة أو مركز إيواء. فترك البيت وإن كان للانتقال إلى بيتٍ ثانٍ، لن يقلّ عن انسلاخ… الترك مجرد بداية له.

لم أشعر بهذا التخلي مباشرة عندما تركت البيت، إنما عندما وجدت نفسي أقف كالضائعة في وسط الشقة ولا أعرف عمّا أبحث. ثم فهمت أنني أبحث عن الضوء الذي يرشدني وينظم إيقاع يومي، وعن الحائط الذي أدير له وجهي عندما آخذ قيلولتي على كنبتي، وعن الصمت الذي يصبح مدوياً بعد أذان الظهر تحديداً، وعن العتمة التي تتسلل إلى عيوني بعد انتهاء حصة النهار، وعن أشيائي التي أجدها وأنا مغمضة العينين، وعن مزاجي. ثم وجدتني أسارع في الخروج من الشقة بحثاً عن تفصيل مألوف لم أجده فيها. 

في بيروت، المقهى هو التفصيل المألوف، أهرب إليه كي يتوقف البحث. 

عندما تركت البيت، إنما تركت الكنبة التي اتفقنا أنا وإياها وباقي كنبات البيت والنوافذ والأبواب والبلاط والجدران والصور واللوحات المعلقة عليها والشراشف، على أنها مكاني الأنسب الذي صار مفضلاً في ذاك التوقيت من النهار وفي تلك العتمة. وكي أستبدلها بأخرى في بيت آخر، عليّ أن أعيد نسج كل ما نسجته مع كل أشياء البيت إنما هذه المرة ليس بشكلٍ عضويٍّ كما حدث مع أشياء بيتي. الزمن في بيتي كان شريكاً بما نسجت، ولا ينفع تقليد ما نُسج فيه في مكان آخر. 

في المكان الآخر، سيحدث تراكم آخر مرتبط بإيقاع زمني مختلف وضوء مختلف ونافذة مختلفة، والمقارنة لا يجب أن تكون جزءاً من المعادلة لأنها ليست في صالح المكان الجديد ولا في تأقلمي فيه. والتأسيس لتراكمٍ جديدٍ خاص بالمكان الجديد سيتطلب فهماً للزمن الذي ستقيم خلاله فيه. وإذا كان زمن البقاء فيه مبهماً لأن كل الظرف مبهم، ستطول وقفتي وسط الشقة ليس فقط للبحث عما ألفته بل عما أريد أن يصير مألوفاً.

حين نترك البيت نحن لا نترك المكان فقط، وإنما نترك إيقاع جهازنا العصبي والعاطفي، وكل نسيج كينونتنا ومزاجنا الذي حكناه مع الزمن. البيت هو “زمكاننا”. 

في البيت وعلى مدار إقامتنا فيه، تنشأ ببطئ علاقة مع الأشياء والزوايا، ومع التشققات في الحائط والنمل الذي نتبعه لنكتشف من أي شق خرج. نحيك فيه على مدار الملل والتعب والمناسبات قصصاً تُثبت وتُثبِّت علاقتنا به من دون أن تكون علاقة ناجحة أو حلوة طيلة الوقت. مع الوقت أو مع الظرف الذي قد لا يقل عن ظرف مغادرة قسرية، نعي أننا لم نكن نقيم في البيت بل نسكن فيه ويسكننا، نعيش فيه ويعيش فينا. لأن كلمة “نقيم” أيضاً تبدو أضعف من أن تعبر عن علاقتنا بالبيت.

نحن لا نحب بيوتنا كل الوقت، على الأقل ليس طيلة الوقت الذي نعيش فيه. نكره بيوتنا في أحيان كثيرة ربما بسبب التعب من حمل امتلاكنا لها والارتباط والقيد الذي نرزح تحت ضغط الحفاظ عليها، أو بسبب تراكم تصليحات وتعديلات فيها لم نتمكن من إجرائها، أو لأن بيوتنا لا تشبه البيوت التي تمنيناها ويبدو أنها لن تصيرها.

لكننا، في سائر الأوقات، لا نحبّ بيوتنا لأنها جميلة، بل تصبح جميلة لأنها بيوتنا. ولأنها بيوتنا نحبّها، ولأننا نحبّها ننقص بعيدًا عنها، ثم نختفي . 

أنا لم أغادر ولم أترك ولم أتخلَّ. أنا انسلخت عن مكاني ومكانتي التي منحني إياها بيتي بعدما أثبتُّ له استحقاقي لها. 

أنا ملكة في بيتي، وخارجه أقف ضائعةً أبحث عني وعن مزاجي.

إقرأوا أيضاً: