ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أنماط الإبادة الإسرائيلية على الجسد الفلسطيني

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منذ السابع من أكتوبر، دخل الجيش الإسرائيلي السجن الذي صنعه للغزّيين، ليُحاول السيطرة عليه من قريب، في تشابه مع أي منظومة سجنية تدخل بقواتها لتسيطر وتعذب وتضرب وتقتل السجناء المتمرّدين في زنازينهم. تحوّلت غزة من سجن واسع، زنازينه مفتوحة على بعضها بعضاً إلى سجن ضيق، زنازينه من نار ورماد وأشلاء ومرض وجوع، وبدأ الجيش الإسرائيلي، في تشكيل هذه الأجساد الغزّية السجينة المدنية غير المقاومة، أي منزوعة السلاح، عبر تمثّلات مختلفة من المحو والقتل والتقطيع والسجن والإخفاء والدروع وغير ذلك.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في حربها الإبادية، أصبحت إسرائيل وحشاً يتفنن بشكل ممنهج، في قتل الفلسطينيين العُزّل واستباحة أجسادهم. أجساد ينظر إليها الإسرائيلي منذ بداية الاحتلال، وخصوصاً ما بعد السابع من أكتوبر على أنها خرجت من الرؤى الإنسانية، بل هي أجساد “حيوانات بشرية”، كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في بداية حرب الإبادة، أو أقل من حيوانية، يجب محاصرتها بقوة في مكان مغلق، كي يُمارَس عليها أشكال تجريبية متنوعة ومتداخلة من التوحش  السادي الإسرائيلي.

تنوّعت أشكال القتل الإسرائيلي بحق الفلسطينيين؛ كما يرى الجميع، من حيث مدى قوتها ونوعيتها. إذ ترى الجسد الذي قُتل، بأشكال مختلفة، بدءاً من القتل بإصابة مباشرة، التي تُبقيه مرئياً وتتيح التعرَّف عليه بواسطة العين، وفي حالات أخرى، تجد الجسد مشوّهاً بسبب تعدد الإصابات، وقد تراه مقطّعاً، متحولاً إلى أشلاء، يستطيع الناس جمعها كلها أو بعضها، وفي أوقات كثيرة لا يستطيعون أبداً لأن حجم الإصابة تكون قد تسببت في محو الجسد تماماً، ونثرت عظامه ولحمه في أماكن يصعب الوصول إليها فيستحيل جمع ما تبقّى منه. 

هنا يتمثّل التوحش في أبشع صوره، عبر  محو الجسد نهائياً؛ ربما يتبقّى يد أو رأس أو قدم، كما نرى في التسجيلات المصورة بعد القصف، وربما يتبخر الجسد تماماً ويتحلل ويذوب، كأنه لم يكن موجوداً من قبل. بعد عام من الإبادة، هذه حقيقة ما أصاب لآلاف الأجساد الفلسطينية، المفقودة تحت الأرض والسماء وخارج المكان والزمان، حسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان. 

علاوة على القتل الوحشي، اعتقل الجيش الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين من دون تهم، وبعد أن يسيطر على أجسادهم، تبدأ ممارسات الانتهاك. التعذيب، بما يشمل الضرب والإجبار على التعرّي الجسدي عدا النفسي، وهو الممارسة المشتركة بين كل الأجساد التي قيدتها قوات الجيش الإسرائيلي، إذ كانت تجمع (الأجساد) في فضاءات خاصة وعامة، ضيقة وواسعة، وتقوم بتعريتها وضربها، وإجبارها على إيماءات جسدية ولسانية محددة، لتعترف من خلالها بتدنّيها الذاتي والإنساني أمام الآخر، أي إسرائيل، وحتى السياسي والوطني من خلال التبرّؤ وسبّ حركة “حماس” وقيادتها. 

استخدمت إسرائيل أيضاً العنف الجنسي، تجاه الرجال والنساء المعتقلين والمعتقلات، كنوع من الإخضاع الجنسي/ النفسي. تاريخياً، معروف أن الاعتداء الجنسي بكافة أشكاله الجسدية واللفظية، هو أداة إخضاع في الحروب، إذ يقول الطرف المنتصر عبر لسانه الجنسي وعُضوه القضيبي، أنه حقق؛ حتى وإن كان هذا غير حقيقي ميدانياً، عبر اعتدائه، انتصاراً سياسياً وعسكرياً ونفسياً تجاه الطرف الآخر. 

ثم تأتي بعد ذلك مراحل أخرى؛ وما زالت الأجساد قيد السجن والتعذيب، مثل الترحيل إلى أماكن التحقيق والسجون المختلفة، وهؤلاء ممن عُرف مكانهم، إذ تُخفي إسرائيل عدداً ممن اعتقلتهم في سجون غير مُعلن عنها، ولا يُعرف مصيرهم، وخلال هذه المرحلة، تُقتل الأجساد ببطء تام، تحت التعذيب أو سوء الحالة الصحية، حتى أن الجيش الإسرائيلي دفن البعض منهم في مقابر جماعية، للتخلّص من فائض الأجساد، التي لا تُريد اعتقالهم أو إخفائهم أحياء. 

هنا إسرائيل تُخفي الأجساد بعدما قتلتهم، في تطهير جزئي للأجساد التي سيطرت عليها، كما أنها تمارس أقصى حالات الاستثناء، بخطف أجساد مُحددة، مثلما فعلت مع جسد زعيم “حماس” يحيى السنوار، بعد مقتله، إذ أخذته إلى تل أبيب وقامت بتشريحِه، وأخفتْ جسده تماماً، وربما إلى الأبد، كعادة فعلها التاريخي مع الكثير من أجساد الفلسطينيين المسروقة والمحتجزة عندها. فتصل إسرائيل مع رموز المقاومة الفلسطينية إلى أقصى درجة من الاستثناء، بسرقة أجسادهم وإخفائها بعد قتلها، في محاولة لمحو وجود هذا الجسد من الذاكرة والتاريخ، فلا رؤية و لا مكان له للزيارة بعد الموت، وأسباب أُخرى. وهذا عبر التاريخ، ما تفعله الأنظمة شديدة القمع مع أجساد بعينها هددت وجودها. 

وفي أوقات أُخرى، تأخذ إسرائيل من اعتقلتهم ولم تقتلهم، في معاركها مع مقاتلي حركة “حماس” كدروع بشرية متقدمة، إذ تقدّمهم أمامها نحو أماكن القتال، فوق الأرض حين اقتحام البيوت، لرؤية ما إذا كانت الأرض والبيوت ملغمة أو مفخخة، ومن ثم يبدأون هم في اقتحامها. أو تحت الأرض، في الأنفاق، حتى إذا أُطلق الرصاص من مقاتلي “حماس”، تُقتل الدروع البشرية (الفلسطينيين) وينسحب جنود الجيش الإسرائيلي، ويغيرون تكتيكات الهجوم. هذا لم تقتصر مشاهده على الغزّيين فحسب، بل  وُجد أيضاً في معارك الجيش الإسرائيلي مع الأجساد المقاومة في الضفة الغربية. 

أما الأجساد التي لم تطلها تمثّلات التوحش الإسرائيلي من قتل وسجن وتعذيب وتقطيع ومحو وإخفاء، فبقيت كما هي، تجري من مكان لآخر، هرباً من هذه التمثّلات. لكن، حتى إن نجحت، تبقى أجساداً تائهة، مشرّدة، ومريضة، من خلال حصار الجيش الإسرائيلي، ومنعه دخول المساعدات الغذائية والطبية. تجوع وتمرض الأجساد، وتعيش هشّة متعبة، تنتظر الطعام والعلاج أو الموت، أيهما يأتي أسرع، وقد رصدت المنظمات المعنية عشرات من أطفال الموت جوعاً، في تجلٍ واضح للتعامل المنهجي مع الجسد الفلسطيني، مما يجعل منه آلة صناعية تهمّش وتُترك من دون ما تحتاجه لتشغيلها، فَتصدأ وتموت. 

هذه التمثّلات التي تُشكّلها إسرائيل على الجسد الفلسطيني، تُقابل بمقاومة من أجساد أُخرى، أي أجساد المقاومين التي تحمل سلاحاً، إذ إنهم لا يخضعون بشكل طيع للتوحش الإسرائيلي، بل تقاوم أجسادهم القتل والسجن والتعرّية والإخفاء والمحو، ويصنعون من السجن الذي وضعتهم إسرائيل داخله، أنفاقاً بمثابة زنازين أُخرى، لكنها تحت الأرض، يختبئ فيها السجناء من سجّانهم الذي يبحث عن قتلهم، فيباغتونَه ويقتلونه، ويُقتلون أيضاً، أو يتم اعتقالهم، ويمارَس عليهم أشكال العنف الإبادي وأنماطه. 

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
09.11.2024
زمن القراءة: 4 minutes

منذ السابع من أكتوبر، دخل الجيش الإسرائيلي السجن الذي صنعه للغزّيين، ليُحاول السيطرة عليه من قريب، في تشابه مع أي منظومة سجنية تدخل بقواتها لتسيطر وتعذب وتضرب وتقتل السجناء المتمرّدين في زنازينهم. تحوّلت غزة من سجن واسع، زنازينه مفتوحة على بعضها بعضاً إلى سجن ضيق، زنازينه من نار ورماد وأشلاء ومرض وجوع، وبدأ الجيش الإسرائيلي، في تشكيل هذه الأجساد الغزّية السجينة المدنية غير المقاومة، أي منزوعة السلاح، عبر تمثّلات مختلفة من المحو والقتل والتقطيع والسجن والإخفاء والدروع وغير ذلك.

في حربها الإبادية، أصبحت إسرائيل وحشاً يتفنن بشكل ممنهج، في قتل الفلسطينيين العُزّل واستباحة أجسادهم. أجساد ينظر إليها الإسرائيلي منذ بداية الاحتلال، وخصوصاً ما بعد السابع من أكتوبر على أنها خرجت من الرؤى الإنسانية، بل هي أجساد “حيوانات بشرية”، كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في بداية حرب الإبادة، أو أقل من حيوانية، يجب محاصرتها بقوة في مكان مغلق، كي يُمارَس عليها أشكال تجريبية متنوعة ومتداخلة من التوحش  السادي الإسرائيلي.

تنوّعت أشكال القتل الإسرائيلي بحق الفلسطينيين؛ كما يرى الجميع، من حيث مدى قوتها ونوعيتها. إذ ترى الجسد الذي قُتل، بأشكال مختلفة، بدءاً من القتل بإصابة مباشرة، التي تُبقيه مرئياً وتتيح التعرَّف عليه بواسطة العين، وفي حالات أخرى، تجد الجسد مشوّهاً بسبب تعدد الإصابات، وقد تراه مقطّعاً، متحولاً إلى أشلاء، يستطيع الناس جمعها كلها أو بعضها، وفي أوقات كثيرة لا يستطيعون أبداً لأن حجم الإصابة تكون قد تسببت في محو الجسد تماماً، ونثرت عظامه ولحمه في أماكن يصعب الوصول إليها فيستحيل جمع ما تبقّى منه. 

هنا يتمثّل التوحش في أبشع صوره، عبر  محو الجسد نهائياً؛ ربما يتبقّى يد أو رأس أو قدم، كما نرى في التسجيلات المصورة بعد القصف، وربما يتبخر الجسد تماماً ويتحلل ويذوب، كأنه لم يكن موجوداً من قبل. بعد عام من الإبادة، هذه حقيقة ما أصاب لآلاف الأجساد الفلسطينية، المفقودة تحت الأرض والسماء وخارج المكان والزمان، حسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان. 

علاوة على القتل الوحشي، اعتقل الجيش الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين من دون تهم، وبعد أن يسيطر على أجسادهم، تبدأ ممارسات الانتهاك. التعذيب، بما يشمل الضرب والإجبار على التعرّي الجسدي عدا النفسي، وهو الممارسة المشتركة بين كل الأجساد التي قيدتها قوات الجيش الإسرائيلي، إذ كانت تجمع (الأجساد) في فضاءات خاصة وعامة، ضيقة وواسعة، وتقوم بتعريتها وضربها، وإجبارها على إيماءات جسدية ولسانية محددة، لتعترف من خلالها بتدنّيها الذاتي والإنساني أمام الآخر، أي إسرائيل، وحتى السياسي والوطني من خلال التبرّؤ وسبّ حركة “حماس” وقيادتها. 

استخدمت إسرائيل أيضاً العنف الجنسي، تجاه الرجال والنساء المعتقلين والمعتقلات، كنوع من الإخضاع الجنسي/ النفسي. تاريخياً، معروف أن الاعتداء الجنسي بكافة أشكاله الجسدية واللفظية، هو أداة إخضاع في الحروب، إذ يقول الطرف المنتصر عبر لسانه الجنسي وعُضوه القضيبي، أنه حقق؛ حتى وإن كان هذا غير حقيقي ميدانياً، عبر اعتدائه، انتصاراً سياسياً وعسكرياً ونفسياً تجاه الطرف الآخر. 

ثم تأتي بعد ذلك مراحل أخرى؛ وما زالت الأجساد قيد السجن والتعذيب، مثل الترحيل إلى أماكن التحقيق والسجون المختلفة، وهؤلاء ممن عُرف مكانهم، إذ تُخفي إسرائيل عدداً ممن اعتقلتهم في سجون غير مُعلن عنها، ولا يُعرف مصيرهم، وخلال هذه المرحلة، تُقتل الأجساد ببطء تام، تحت التعذيب أو سوء الحالة الصحية، حتى أن الجيش الإسرائيلي دفن البعض منهم في مقابر جماعية، للتخلّص من فائض الأجساد، التي لا تُريد اعتقالهم أو إخفائهم أحياء. 

هنا إسرائيل تُخفي الأجساد بعدما قتلتهم، في تطهير جزئي للأجساد التي سيطرت عليها، كما أنها تمارس أقصى حالات الاستثناء، بخطف أجساد مُحددة، مثلما فعلت مع جسد زعيم “حماس” يحيى السنوار، بعد مقتله، إذ أخذته إلى تل أبيب وقامت بتشريحِه، وأخفتْ جسده تماماً، وربما إلى الأبد، كعادة فعلها التاريخي مع الكثير من أجساد الفلسطينيين المسروقة والمحتجزة عندها. فتصل إسرائيل مع رموز المقاومة الفلسطينية إلى أقصى درجة من الاستثناء، بسرقة أجسادهم وإخفائها بعد قتلها، في محاولة لمحو وجود هذا الجسد من الذاكرة والتاريخ، فلا رؤية و لا مكان له للزيارة بعد الموت، وأسباب أُخرى. وهذا عبر التاريخ، ما تفعله الأنظمة شديدة القمع مع أجساد بعينها هددت وجودها. 

وفي أوقات أُخرى، تأخذ إسرائيل من اعتقلتهم ولم تقتلهم، في معاركها مع مقاتلي حركة “حماس” كدروع بشرية متقدمة، إذ تقدّمهم أمامها نحو أماكن القتال، فوق الأرض حين اقتحام البيوت، لرؤية ما إذا كانت الأرض والبيوت ملغمة أو مفخخة، ومن ثم يبدأون هم في اقتحامها. أو تحت الأرض، في الأنفاق، حتى إذا أُطلق الرصاص من مقاتلي “حماس”، تُقتل الدروع البشرية (الفلسطينيين) وينسحب جنود الجيش الإسرائيلي، ويغيرون تكتيكات الهجوم. هذا لم تقتصر مشاهده على الغزّيين فحسب، بل  وُجد أيضاً في معارك الجيش الإسرائيلي مع الأجساد المقاومة في الضفة الغربية. 

أما الأجساد التي لم تطلها تمثّلات التوحش الإسرائيلي من قتل وسجن وتعذيب وتقطيع ومحو وإخفاء، فبقيت كما هي، تجري من مكان لآخر، هرباً من هذه التمثّلات. لكن، حتى إن نجحت، تبقى أجساداً تائهة، مشرّدة، ومريضة، من خلال حصار الجيش الإسرائيلي، ومنعه دخول المساعدات الغذائية والطبية. تجوع وتمرض الأجساد، وتعيش هشّة متعبة، تنتظر الطعام والعلاج أو الموت، أيهما يأتي أسرع، وقد رصدت المنظمات المعنية عشرات من أطفال الموت جوعاً، في تجلٍ واضح للتعامل المنهجي مع الجسد الفلسطيني، مما يجعل منه آلة صناعية تهمّش وتُترك من دون ما تحتاجه لتشغيلها، فَتصدأ وتموت. 

هذه التمثّلات التي تُشكّلها إسرائيل على الجسد الفلسطيني، تُقابل بمقاومة من أجساد أُخرى، أي أجساد المقاومين التي تحمل سلاحاً، إذ إنهم لا يخضعون بشكل طيع للتوحش الإسرائيلي، بل تقاوم أجسادهم القتل والسجن والتعرّية والإخفاء والمحو، ويصنعون من السجن الذي وضعتهم إسرائيل داخله، أنفاقاً بمثابة زنازين أُخرى، لكنها تحت الأرض، يختبئ فيها السجناء من سجّانهم الذي يبحث عن قتلهم، فيباغتونَه ويقتلونه، ويُقتلون أيضاً، أو يتم اعتقالهم، ويمارَس عليهم أشكال العنف الإبادي وأنماطه.