إلى “خليل” مريضي…
إلى د. فائز عطاف ود. محمود بكري ود. نور زعتر
يتحوّل الطبيب في زمن الحروب والصراعات المسلّحة، إلى شاهد صامت على مأساة لا تنتهي، تتقاطع مهمة إنقاذ الجسد المُصاب مع محيط العنف والحديد الذي يستهدف الأرض، هذا التناقض الوجودي يجعل المشرط الطبي أداةً لا تقتصر على التشريح الجسدي وحسب، بل تغدو مرآةً لمأساة أعمق، حيث تتشابك مصائر الأفراد مع مصير الوطن. وفي هذا السياق، يُطرح السؤال حول دور الطبيب في الحرب: هل هو المخلّص أم الشاهد على موت مستمر ؟ وهل كل إنقاذ للجسد هو إنقاذ للحياة أم أنه تأجيل للموت وحسب؟
لست طبيباً شرعياً، أنا جراح أطفال، يتمحور عملي كله حول إنقاذ أعمار صغيرة وتسكين الألم. تعلمت أن أقاتل الموت، لا أن أفسّر أسبابه. لكنني اليوم أقف على حافة مشرحة الذاكرة، لا في غرفة العمليات. أكتب هذا النص لا لأحلّل الجريمة، بل كي أفهم نفسي: كيف وصلت إلى هذه اللحظة، حيث أشعر أن المشرط في يدي قد انقلب ضدي، وكيف غدت غرفة العمليات شبيهة بسوريا.
يرمز المشرط في يد الجراح إلى الإنقاذ، يسعى الطبيب إلى بعث الحياة في الجسد المفتوح. وفي زمن العنف، يغدو من المرعب التشابه بين أداة الطبيب في غرفة العمليات وأداة القاتل في ساحات القتال، فالاثنان يتحكمان في مصير الجسد بأداة من حديد، أحدهما يؤجل الموت، والآخر يستحضره برصاصة. يتحول الطبيب هنا إلى شاهد على موتٍ جماعي، يتلمس إيقاع دورة العنف التي تحصد الأرواح.
تكشف هذه الوضعية عن أزمة وجودية ومهنية حادة، حيث يُفرض على الطبيب أن يعمل داخل منظومة عنف لا تنتهي، تضطره إلى التساؤل عن جدوى عمله ومدى تأثيره الحقيقي في إنقاذ الأرواح.
دخلتُ كلية الطب البشري عام 2007، أذكر حين طُلب منا في اليوم الأول في المشرحة الابتعاد قليلاً عن الجثة، التي تنبعث منها رائحة الفورمول القوية. لم أشعر بشيء وقتها، اقتربت أكثر فأكثر، كان ذلك اختباراً على المشاعر المحايدة التي يجب أن يمتلكها الطبيب، هو الشعور نفسه الذي شعرت به في أول يوم حقيقي لي في غرفة العمليات، حين كان يدربني الدكتور فائز عطاف.
قال لي د. فائز: “لا تقترب كثيراً، لعلك لا تحتمل رائحة الدم”، بعد خمس دقائق التفت إلي فوجدني محدقاً في طاولة العمليات، ضحك وقال اقترب وشاهد عن كثب. لم أشم رائحة الدم وقتها، لكن رائحة اللحم الحي المحروق هي ما سدّت أنفي، ففي الجراحة نستخدم “مخثراً” لإرقاء الأوعية النازفة وتنبعث رائحة تشبه رائحة احتراق اللحم.
هل شممتم لحماً يحترق من قبل؟ أكاد أجزم أن السوريين جميعاً اشتموا رائحة لحم أحبّتهم تحترق في كل مدينة سورية، وكان آخر اللحوم المحروقة في الساحل. لكننا، نحن الأطباء نشمّ هذه الرائحة في غرف عملياتنا، ونتعامل مع جسد المريض ككتلة من لحم وعظام وأوعية وأعصاب، لا كروح.
تختفي مشاعر التعاطف داخل غرفة العمليات وتحلّ مكانها المهنية العالية، فالجسد بمثابة ماكينة عاطلة عن العمل وأنت من عليه إصلاحها. هكذا نتعامل مع “اللحم” في غرفة العمليات، ما قد يجعل التشابه بيننا وبين القتلة موجوداً، بصورة ما، كلانا يمتلك “سلطة” إعادة تشكيل الأجساد وتكوينها، أنا أفتح اللحم عن اللحم، وأرتب وأرتق ممرات الحياة، والآخر يفتح وعاء الجسد لتسيل منه الحياة/ الدم، كلانا على تماس مباشر مع هشاشة اللحم البشري، وليس من المستغرب أن يكون بشار الأسد قاتلاً. فأطباء مثل هارولد شيبمان من المملكة المتحدة البريطانية، ومايكل سوانغو وتشارلز كولين من الولايات المتحدة الأميركية، قتلوا مرضى وزملاء للمتعة والهوس فحسب.
“سيّد” أنا في غرفة العمليات، أبعث الروح في اللحم والعظام، وأمارس الجراحة كفعل روتيني. والقاتل، أيضاً ملكُ ساحته ويمارس القتل بشكل روتيني، يضغط على الزناد، المشرط بيدي والبندقية بيده، كلانا نحدد مصير الجسد أمامنا، والفرق ليس في الدور ولكن في الزمن، فالطبيب لا يبعث الحياة في الجسد بقدر ما يؤجّل الموت. في هذا المشهد، يبدو المشرط والرصاصة كأدواتٍ متناقضة في ظاهرها بيد أنها، متشابكة، في جوهرها.
خليل الذي أجّلت موته!
في المذبحة السورية المستمرة يغدو الطبيب ليس المنقذ فحسب، بل شاهداً على مذبحة مفتوحة، شاهداً على مريضٍ نجا اليوم ليواجه الذبح غداً، كما حصل مع مريضي، أو من كان سابقاً مريضي. فأنا لم أنقذه بقدر ما أجّلت موته.
سألتني ممرضة في قسم التلاسيميا: “هل تذكر خليل يا دكتور؟”، كيف لا أذكره وهو من ضمن المرضى الذين أمنت ورفاقي اللقاحات له، قُتل لأنه كان في المكان الخطأ، أو الطائفة الخطأ، أو تحت راية لا تليق به. والأقسى: أن من قتله ليس النظام الذي عارضتُه طوال حياتي، بل من يُفترض أنهم “معي”، في المعسكر نفسه. كأن الحقيقة انشطرت، والأرض تميد بي.
تلاشت في تلك اللحظة الحدود بين الإنقاذ والموت. منحته وقتًا إضافيًا للحياة، لكن المجازر كانت أسرع، تحصد الأرواح التي أنقذتها قبل أن تتاح لها فرصة التنفّس. ومن دون إحساس بدأت أسأل نفسي: أنا والقاتل؛ نملك قرار حياة أو موت، تشابه الى درجة مخيفة ومتناقضة. فهل كنت أمارس الطب بالفعل؟ أم كنتُ مجرد ترسٍ آخر في ماكينة الحياة والموت، متقن في عمله، لكنه عاجزٌ أمام العبث الكلي؟
إقرأوا أيضاً:
كيف تخيط جثّة مجهولة الهويّة؟
أسقط في الحفرة، أمشي فوق الجثث، أتلمس طريق الخروج، أقع فوق جثث أخرى، يداي غارقتان بالدماء ورائحة اللحم المحترق في أنفي، أصحو من نومي، أتلمس جسدي، لا سكين نحرت عنقي، ولا رصاصة اخترقت جسمي، وما من بقعة دم على ملابسي، لكنّ الرائحة تعبق في أنفي وأجساداً سقطت في الحفرة؛ أي حفرة؟ حفرة التضامن أم حفرة الصنوبر؟ في بلاد توصف ببلاد المقابر الجماعية، بدون رفاهية الأرقام، عظام مركونة جانب بعضها على امتداد التراب السوري.
تطاردني تلك المقابر الجماعية في كوابيسي، هي ليست مجرد حفرٍ في الأرض تطمر فيها الأجساد، هي حفر تبتلع أسماء، وملامح، ومصائر. كأن الموت يحتاج إلى ترتيبٍ إضافي، وكأن التاريخ لا يكتب إلا على طبقاتٍ من الجثث. لا ينبع الرعب من القتل وحده، بل من استمراريته. تلك المقابر ليست أحداثًا في الماضي، بل هي أنفاق متصلة، وفي كل طبقةٍ من الجثث المتراصة، تاريخٌ يُطوى، وهويةٌ تُدفن. هنا، الموت ليس نهاية فردٍ، بل فصلٌ جديد في سردية سوريا المستمرة.
أين نذهب حين يصبح اللحم بلا اسم، والعظم بلا ذاكرة؟ فهل يمكن للضماد أن يضمد الخراب؟ هل تصلح الغرز والخيوط الجراحية لجمع ما بعثرته المجازر؟ نسينا كيف نبكي. صارت عيوننا مدربةً على الذهول. نحدق في الأشلاء بحثًا عمّا يدلّ علينا، عن سِوار، عن ضرس مكسور، عن ندبة خلّدتها رصاصة.
في الجراحة يبدو الموت واضحاً ومباشراً والنجاة منه أيضاً واضحة ومباشرة. أما في المجازر، فلا تعرف أي ضربة حظ تنجيك. قلتُ في نفسي هذا ليس أنا. لكن من نحن حين نُستخرج من الأرض؟
أنا من تحمل الزهور إلى قبرها
وتبكي … من شدة الشعر،
أعلى حياتي تُبنى القصور، يُتنزّه … في دمائي،
وزهورُ شقائق النعمان، تخطفُ من حقلي شرودي…
هذه الوسائدُ… لوصيفات، وتلك أحجاري… المسروقة
وسكاكيني يُجفلُ منها، ومن عيوني يهطلُ المطر،
والعالم… داري… أغمضوا… أعينكم
سأمر وحيدةً، كحدّ الرُّمحِ… حين هطول… دموعكُم… /دعد حداد/
مشرط يفتح الجسد وتهجير يشرّح الوطن
نخلع الثياب كما نخلع الهوية في غرفة التشريح، نعلّقها على مشجب الصمت، ونبقي على اللحم والعظم كعلامات استفهام. نعرف الجسد كما لا تعرفه الأمهات، نفتّش فيه كما تُفتَّش البيوت في منتصف الليل… من دون استئذان، من دون رحمة، ومن دون وعدٍ بالعودة.
التهجير لم يكن فقط نفيًا قسريًا من الجغرافيا وحسب، بل كان امتدادًا لعملية تشريحية كبرى، كأن البلاد نفسها وضعت على طاولة العمليات وبدأت المشارط تعبث في جسدها.
يُفرغ القاتل البيوت من ناسها، والطبيب يُفرغ الجسد من الألم. فالبيوت التي غادرها سكانها تكلّمت وحدها، مثل الأجساد التي نزفت ولم تجد يدًا تُنقذها. كل بيتٍ مهجور يشبه جثةً تنتظر من يدفنها. كل نافذةٍ لا تُفتح تذكرنا بمريضٍ لم يصل إليه الطبيب في الوقت المناسب.
في غرفة العمليات، نحاول إنقاذ ما يمكن، نحاول أن نلصق الممزق. أما في الوطن، فالتمزيق لا يقابله ترميم، بل إمعان في الانفصال. وتشريح البلاد لا يرافقه شفاء، بل يُنتج جغرافيا بلا نبض، وخريطة بلا أهل.
كيف تتشابه الجراحة مع فعل التهجير؟ الجراحة تعتمد على علم التشريح، وبالطريقة نفسها التي نشرح بها الأجساد تم تشريح سوريا سياسيًا واجتماعيًا، فُكك هذا المجتمع وركب من جديد مثل أحجية، ثمة ألعاب مثل الجسد البشري لتعليم الأطفال أجهزة الجسم، يركب الطفل هذه الأجهزة ويفكها مراراً، حتى إن طلاب الطب يستخدمونها. وفي سوريا هنالك من أمسك اللعبة الكبيرة، المسماة الوطن، وفكها وركبها من جديد بعمليات تهجير ممنهجة لم تتوقف حتى اللحظة، كما يفكك الجراح الأنسجة والأعضاء ليصلحها من جديد، وفي كل عملية جراحية لمريض ثمة ضرر يصيبه حتى لو استطاع الجراح شفاءه.
في الجراحة، نفتح الجسد بمشرط دقيق، نبحث عن موضع النزف، عن العضو المريض أو عن الجزء الذي يحتاج الى إصلاح أو استئصال، وفي لحظة مرعبة مثل هذه يصبح هذا المشهد صورةً رمزيةً لما حدث ويحدث لسوريا: تم تفكيك البلاد، شُرحت المدن، وقُطعت الأنسجة الاجتماعية كما تُقطع الأوعية الدموية. لم يكن التهجير مجرد نفيٍ جسدي، بل كان امتدادًا للجراحة التي أقوم بها: تشريحٌ للبلاد نفسها، فصلٌ قسريٌ لمكوناتها.
كلّ جسد يستحق الحياة… مهما كانت هويّته
أمضيت فترة اختصاصي أفتح الأجساد بحثًا عن السرطان، عن الالتهابات، عن الأمل المتبقي في الأنسجة. لكن في هذا البلاد، قد تجد في الجسد وثيقةً، قطعةً من هوية، لا خزعة. في زمن المقابر الجماعية، صار التشريحُ بحثًا عن الاسم لا عن السبب.
أخبرتني زوجة أحد الضحايا في الدعتور عن طبيبين مانعاً إخراج جثة زوجها من براد الجثث، بحجة أن زوجها من الفلول، ومن ساعدها وأصرَّ على إخراج الجثة كان عنصراً في الأمن العام. مفارقة مضحكة أن يكون الطبيب في موقع الجلاد في حين أن عنصراً قد لا يحمل شهادة عليا يتصرف بأخلاقية عالية؟
سمعت، في السابق، عن أطباء انحازوا الى صفوف القتلة، لا بل شاركوا بالقتل حسب شهادات الناجين. تراودني الأسئلة؛ هل كان الطريق واضحاً أمامي ولم اضطر للاختيار؟! أم أن الأخلاقية جعلت الطريق واضحاً أمامي!
أذكر تماماً أن فائز عطاف ومحمود بكري أجريا عمليات لا تعد ولا تحصى لسوريين من مختلف الانتماءات، ولم يسألوا مرضاهم من أين أنتم وما هو موقفكم السياسي. كان أبقراط معلمهم والإنسانية دليلهم. وحين سأل المحقق رفيقي في الزنزانة الدكتور نور لماذا عالجت مصابين من الجيش الحر، أجابه “سأعالج أي شخص يطلب مساعدتي من الجيش النظامي أو من الجيش الحر”. قتل نور لاحقاً على يد عناصر النظام السوري.
فائز عطاف ومحمود بكري، اللذان قتلهما الزلزال لم يكونا قتلة، وكذلك صديقي نور لم يكن قاتلاً وكذلك أطباء كثر قتلهم الأسد، وآخرون قتلتهم الفصائل المسلحة لم يكونوا قتلة، في حين كان ثمة أطباء في المعتقلات قتلة حقيقيين، كالطبيب السوري علاء موسى الذي حُكم عليه بالمؤبد في ألمانيا، لعب دور القاتل ذاته، عجّل في الموت عوضاً عن دفعه. فالمشرط أداة واليد أداة، أما القتل فخيار فرديّ وإن تعددت أدواته.
الأزمة النفسية وتشريح الهوية
/دعيني ياقبر احفر ترابك
كرامة عين هالنايم ترا بيك
تنام الناس وعيوني ترا بيك
تهنى يا قبر فيك الحباب/
عتابا محليّة من الساحل السوري
الطب في زمن الحروب ليس مهنة وحسب، بل تجربة إنسانية معقدة تضع الطبيب في مواجهة مستمرة مع مأساة فقدان الأرواح، الصراع بين الإنقاذ والدمار، بين المهنة والواقع السياسي، هذه الظروف تجعل من الطبيب شخصية متناقضة تحاول إيجاد معنى وسط عبثية العنف. هل ما أمارسه في غرفة العمليات مقاومةٌ للموت، أم دورٌ آخر في مسرح الحياة والموت العبثي؟ أن تكون طبيبًا في زمن المجازر، يعني أن تعيش على الحدّ الفاصل بين المعرفة والانهيار. أن تضع يدك في الجرح وأنت تعلم أن النزف لن يتوقف.
أن تكون ابن طائفةٍ وُضعت – عنفًا أو إرغامًا أو صمتًا – في قلب ماكينة القتل، فذلك يُضاعف الصراع: لا لأن الانتماء يعني الإدانة، بل لأن النجاة وحدها لم تعد بريئة. فلم أكن قاتلًا، ولا شاهدًا محايدًا. كنت طبيبًا يحاول أن يُنقذ الأرواح في زمن لا يؤمن بالنجاة. وكنت سوريًا يبحث في وجوه الضحايا عن صورة الوطن، ويخاف أن يراه. الهوية، في مثل هذه اللحظات، لا تعود مسألة انتماء، بل تتحول إلى سؤال:
كيف تكون من هنا، ولا تصير جزءًا من الجريمة؟ وكيف تكتب عن الموت، من دون أن يتحول صوتك إلى تبريرٍ أو تواطؤ؟ كل جثةٍ مرت على طاولة العمليات تركت لي أسئلة تتردد في عقلي، في نومي، في كل مرة أغسل فيها الدم عن يديّ:
هل يستحق البقاء أن نُشرّح أرواحنا من أجله…
كيف تبحث عن الحقيقة من دون أن تبتلعك؟ كيف يمكن التعامل مع هذا الإرث الدموي من دون أن نتحول إلى مجرد شاهد صامت؟
ربما، نحن جميعاً، بحاجة إلى مشرط آخر، مشرط أخلاقي، يشق صدرنا، يخرج منا وهم الانتماء، ويزرع بدلاً منه حسّاً أعلى، أصدق، أقسى: ألا أحد فوق الجريمة، وأن كل رصاصة تُطلق على بريء، أيّاً كان مطلقها، هي رصاصة في قلبي كطبيب.
حين يسيل الدم من جسد أنقذته بيدي، لا يفرق بين نظام ومعارضة، بين راية وراية، بل يسأل سؤالاً واحداً: “لماذا قُتلت؟ ومن سيذكرني؟” أنا أذكره، كما أذكر غيره ممن قتلتهم الحرب اللعينة، وسأحمل موته في قلبي كما حملت حياته في يدي. وسأكتب. ليس من باب الحياد، بل من باب الولاء للضوء الذي يخرج من غرفة العمليات، لا من فوهة البندقية.
إقرأوا أيضاً:











