“على مدار هذه الحرب، فقدت من وزني أكثر من 19 كيلوغراماً، الشغل تراجع، ما في صحة تشتغل، الجسم ذبل، ما في إمكانية تمشي لمسافة طويلة، ما في إمكانية تحكي”. هكذا يصف محمد أبو شحمة، وهو صحافي من غزة، المجاعة في القطاع.
وفي ظل الوضع السائد، وحال الخذلان التي تسود صفوف الصحافيين داخل القطاع، صدر وللمرة الأولى منذ تأسيسها بياناً من وكالة الصحافة الفرنسية جاء في افتتاحيته: “إذا غاب التدخل الفوري، سيموت ما تبقّى من مراسلي غزة”.
وخُتم البيان: “منذ تأسيس وكالة الأنباء الفرنسية عام 1944، خسرنا عددًا من الصحافيين جرّاء الصراعات، وجُرح بعض زملائنا، وتعرض آخرون للسجن. لكن ما لم يشهده أحدٌ منا من قبل هو رؤية زميل يموت من الجوع”.
خمس عشرة حالة، خمسة وعشرون، خمسة وأربعون ألفًا. ترتفع حصيلة الوفيات في غزة يومًا بعد يوم نتيجة القتل الممنهج، ونتخبط في الأرقام ومصداقيتها ومصادرها. ولكن بعيدًا عن الأرقام، والإحصاءات، تواصلنا مع عدد من الصحافيين في غزة للاستماع إلى تجاربهم في التغطية الإعلامية تحت وطأة المجاعة.
وحين نتحدث عن المجاعة، فنحن نتحدث عن الشّح، عن الندرة. في غزة، لا يقتصر الأمر على ارتفاع الأسعار فحسب، كما يخبرني محمد أبو شحمة، وإنما الأزمة الأكبر هي غياب المواد الغذائية من أساسها. وإن وُجدت، فبكميات ضئيلة.
يضيف: “كل الأمور انحصرت، ما في أي نوع من أنواع الأكل. صدقًا، ورق التوت… بالعافية دبّرنا الرز، وأكلناه مع ورق التوت. قرص الفلافل صار بتسعة شيكلات، يعني تقريبًا ثلاثة دولارات. حالة الضعف والذبلان واضحة… عروق الجسم صارت باينة بشكل واضح”.
يتحدث محمد عن سوء الحالة الصحية وانعكاسها على عمله. يقول إن مقدار قدرته على الإنجاز انخفض بنسبة 95 بالمئة. يتنهد محمد وهو يحدثني، ونعلم كلانا أنه يحاول قدر استطاعته إكمال الحديث، علّ صوته يُسمع أو ينجُم عن هذا الإخبار شيء، ولكن في الوقت ذاته يرتابنا الحذر والترقب.
الكتابة عمل يتطلب قدراً من راحة البال “والروقان”، يقول محمد، ويضيف: “شيء من الطاقة يحثك على الحديث، وإذا غاب أيّ من العناصر فقد الإنسان توازنه وقدرته على العطاء، فما بالك بالصحافي؟”
يخبرني أنه تناول قطعة خبز منذ قليل، قسمها من الرغيف وتشاركها مع العائلة. تلك هي وجبة الطعام لليوم. ولكن الحصص ليست من شأن الطعام فحسب، فلكل حركة حساباتها. محمد، الذي عمل بمهنة الصحافة منذ أكثر من ستة عشر عاماً، يحتسب قيمة الحركة الآن، وكل سلوك زائد لا يخدم تأمين وجبة الطعام للنهار فيه ضرر أكثر من فائدة. لم يعد يستطيع العمل على أكثر من مادة صحافية واحدة كل شهرين.
إقرأوا أيضاً:
“لا طاقة للقيام بشيء،” كما يقول، “كل شهرين ببعتلي مادة، لأن مش قادر حرفياً. مش قادر أكتب، ومش قادر أقابل المصادر… لأني بدي أمشي، وأنا مش حقدر أمشي. عايشين بخيمة، وبشهر سبعة، مع الحرارة، وكأننا بمحرقة. وفش مي، بالعافية لنقدر نعبيها…” أولوياته، التي كانت يوماً خدمةً لمهنة الصحافة، باتت تنحصر بمهمة البقاء على قيد الحياة. ليس لأجله، كما يقول، وإنما للعائلة والأطفال.
مع كل محنة تمرّ بها غزة نكرّر القول بأنها الأسوأ من بين كل ما مرّ عليها، ولكن اليوم، في ظل الحر، والجوع، والنزوح، وشحّ الماء والطعام، قد تبدو العشرون يوماً التي مرّت وكأنها دهر. لم يعد لأهل غزة، وأطفالها، وصحافيّيها، الحيل للاستنكار والغضب، فحتى تلك المشاعر تحتاج إلى طاقة. الأطفال لم تعد تبكي حين تشعر بالوجع، على قول محمد، وإنما تنام.
يوم الأربعاء 23 تموز/ يوليو، صدر بيان عن أكثر من مئة منظمة غير حكومية ودولية، تدعو إسرائيل إلى رفع القيود البيروقراطية والإدارية، وفتح المعابر البرية، وضمان وصول الجميع إلى أنحاء غزة كافة. ومن بين المنظمات التي شاركت في توقيع البيان: منظمة أطباء بلا حدود، منظمة العفو الدولية، أوكسفام إنترناشيونال، وفروع منظمتي أطباء العالم وكاريتاس.
علماً أن برنامج توزيع المساعدات الذي تديره مؤسسة “غزة الإنسانية” المدعومة أميركياً، كان قد تعرّض للانتقاد من المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيليب لازاريني، معتبراً أن توزيع المساعدات أصبح “مصيدة للقتل العشوائي”، ومصرّحاً بأن القناصة يطلقون النار عشوائياً على الحشود المتوافدة لتلقّي المساعدات.
يصف سالم الريس، مراسل موقع المنصة المصري، هذه المرحلة بأنها غير مسبوقة من التجويع، على اعتبار أن العملية سابقاً كانت تتم من خلال التضييق على مناطق دون أخرى، أما اليوم، وفي ظل إغلاق المعابر، فإن المساعدات تدخل بشكل مقنّن جداً، لا تكفي المواطن لوجبة واحدة في اليوم. هذا عدا عن إطلاق النار العشوائي في نقاط توزيع المساعدات الأميركية، إضافةً إلى رمي الغازات السامة وعمليات دهس المواطنين بالشاحنات.
يقول سالم إنه عند الاستفسار من سائقي الشاحنات، تبيّن أنهم تلقّوا تعليمات من الجيش الإسرائيلي تأمرهم بالسير في المناطق المكتظة، وعدم التوقف عن الحركة تحت تهديد قصفهم بشكل مباشر، ما أودى بحياة العشرات من المواطنين الذين كانوا يحاولون الحصول على الطرود الغذائية والطحين.
بالنسبة الى سالم، فإن العمل الصحافي اليوم يهدف إلى التوثيق والأرشفة للتاريخ لا أكثر، أما الجدوى من تصدير أخبار غزة إلى العالم، فلعلها لم تعد هدفاً بحدّ ذاتها. يتابع سالم: “أعمل في الجانب المكتوب والمصوّر، أما في بعض الأيام، فلا قدرة بدنية ولا عقلية لي للكتابة”.
ويصرح بأن الأمر نفسه ينطبق على الزملاء والزميلات في غزة، فبسبب عوامل الجوع والحر، والاضطرار للمشي مسافات طويلة للتصوير أو إجراء المقابلات، يصل المراسل إلى مكان الحدث بلا همة لرفع الكاميرا حتى. ويشير إلى أن عدداً من الزملاء والزميلات سقطوا أرضاً، واضطروا لحملهم إلى المستشفيات لتلقّي المحلول الملحي، جراء عدم مقدرة أجسادهم على تحمّل هذا الكم الهائل من التعب.
إقرأوا أيضاً:












