ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أوروبا الملتهبة: باريس “تذوب” وأزمة عمارة لا ترحم المسنّين!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

باتت موجات الحر المضطربة والتغيرات المناخية الحالية تهدد بشكل مباشر نمط حياة الملايين في غرب أوروبا. وعلى الرغم من الحلول الإسعافية الحالية، إلا أن تعديل البنية التحتية بالكامل وتغيير القوانين المنظمة لتركيب المكيفات وتأمين الخدمات الحيوية للمواطنين، يحتاج إلى سنوات طويلة لإنجازها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

​تنطلق رهام حمادة يومياً في رحلة عمل، وهي اختصاصية علاج طبيعي وفيزيائي في العاصمة الباريسية، مستخدمةً المترو وأحياناً تفضّل المشي. لكن في الأسابيع الأخيرة، تحوّل روتين الحياة اليومية إلى جهد “حارق” بفعل موجة حر قياسية تضرب القارة العجوز.

​انتقلت رهام منذ سنوات من لبنان لإكمال دراستها الجامعية في فرنسا لكي تتناسب شهادتها مع متطلبات سوق العمل هناك. تصف رهام الحياة في ظل التطرف المناخي الحالي بأنها “أكثر قسوة مما شعرتُ به سابقاً في بيروت”.

​المترو الباريسي: رحلة داخل “كتلة لهب”

​ما يُفترض أن يكون يوماً عادياً، تحول إلى معاناة يومية. تروي رهام لـ “درج”: “لا أستطيع المشي تحت أشعة الشمس، والمترو الذي أقصدُه يومياً تغير تماماً؛ أصبح مساره بطيئاً ويحتاج إلى أضعاف الوقت المعتاد للوصول، لأن الشبكة غير مجهزة للتعامل مع الحرارة المرتفعة التي تؤثر مباشرة على السكك الحديد. فضلاً عن ذلك، يفتقر المترو إلى مبردات أو مكيفات هواء، ما يجعل ازدحام الناس داخله سيئاً وخانقاً للغاية”.

خلال شهر حزيران/ يونيو الفائت، ​شهدت فرنسا أعلى درجات حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1947، إذ تجاوزت الـ40 درجة مئوية في مناطق فرنسية عدة. وأفادت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية بأن “درجات حرارة غير مسبوقة، ليلاً ونهاراً، أثرت على أكثر من ثلث البلاد”.

​وقد أدت موجة الحرّ هذه إلى تبعات قاسية على المجتمع الفرنسي، إذ أعلنت هيئة الصحة العامة الفرنسية أن الوفيات ارتفعت بنسبة 29 في المئة خلال الأسبوع الأشدّ حرارة، ما يعني تسجيل ما لا يقل عن ألفي حالة وفاة إضافية مقارنة بالمعدل الطبيعي.

​وأوضحت الهيئة أن 85 في المئة من المتوفّين كانوا من المسنين (65 عاماً فأكثر)، مع تسجيل زيادة في الوفيات في جميع الفئات العمرية، خصوصاً في غرب البلاد ووسطها. ​كما تسببت موجة الحرّ في إغلاق آلاف المدارس، وإلغاء المهرجانات، وتأجيل جدول أعمال مؤسسات كثيرة، وسط ضغط هائل وازدحام شديد في المستشفيات.

​وعلى الرغم من خطورة الوضع، يشير الخبراء إلى أن الحصيلة الحالية لا تزال أقل بكثير من موجة الحر التاريخية التي ضربت فرنسا عام 2003، والتي حصدت أرواح نحو 15 ألف شخص.

​بيوت تحولت إلى “بؤر قاتلة”

​انطلاقاً من عملها اليومي مع المسنين، تنقل رهام جانباً مأساوياً من الأزمة: “يستيقظ المسنون الذين لا يملكون قدرة بدنية قوية ليلاً وهم في حالة من القلق وسط غياب ذويهم أو من يعتني بهم. وعند محاولتهم التنقل داخل المنزل، يسقط الكثير منهم أرضاً، ما يتسبب لهم بإصابات وكسور في العظام، وهو ما ملأ المستشفيات سريعاً، يضاف إليهم المرضى الذين يعانون أصلاً من مشاكل تنفسية ولم يكن لديهم أي استعداد للحر الشديد”.

تكمن المشكلة الأساسية في فرنسا والدول المجاورة لها في أن البنية التحتية والمنازل غير مهيّأة للطقس الحار؛ فهي عمارة صُمّمت لحفظ الدفء لا للتبريد. بُنيت الأبنية السكنية في فرنسا وألمانيا لتكون بمثابة “مخازن للدفء” لمواجهة الشتاء القارس، مع تجاهل شبه تام لفصل الصيف الذي كان تاريخياً قصيراً ومعتدلاً. وفي ظل الموجات الحارة الحالية، تتحول هذه الأبنية، من دون تكييف، إلى بؤر تحتفظ بالحرارة طوال اليوم، خصوصاً أن نهار الصيف في فرنسا طويل جداً (يمتد من الخامسة والنصف صباحاً حتى التاسعة والنصف مساءً)، ما يحول دون تبريد المنازل ليلاً. 

الرغبة في تركيب مكيف هواء في باريس تصطدم بجدار من الإجراءات المعقدة، إذ ترفض البلديات غالباً تركيب المكيفات الخارجية بحجة أنها تشوه الفن المعماري التراثي والواجهات الفخمة للأبنية الباريسية القديمة، ناهيك بسوء العزل في الكثير من هذه الأبنية، ومخالفة الكثير منها القواعد البيئيّة، كما يتطلب التركيب موافقة جماعية من سكان البناية، فضلاً عن قيود المجموعات البيئية (الإيكولوجيين) الذين يرفضون المكيفات نظراً الى استهلاكها العالي للطاقة وتلويثها الهواء.

الفرق بين باريس وعواصم الشرق الأوسط

يعقد المهندس أنتوني خوري (ذو الأصول اللبنانية) والمقيم في فرنسا مقارنة سريعة، قائلاً: “لا توجد ثقافة للتكيّف مع الحر. وحتى في ما يتعلق بالعامل البيئي والإيكولوجيين، يُرفض المكيف لأنه يلوّث الهواء، لذا يلجأ الناس إلى الحلول السهلة كالمراوح، التي باتت تُباع بالحجز المسبق لشدة الطلب”. 

​من جانبه، يتحدث عمار عبد ربه (ذو الأصول السورية) والمتنقل بين دول عدة، عن طبيعة باريس الجغرافية قائلاً: “باريس تقع في قعر سهل منخفض، لا تحيط بها جبال ولا تشهد حركة رياح. عندما تشتد الحرارة، تختفي النسمات تماماً. هذا عكس بيروت التي تلطفها رطوبة البحر ونسماته، وعكس دمشق التي يمتاز حرها بأنه جاف ولا يسبب التعرق، كما تنخفض حرارتها ليلاً لتصبح السهرات الخارجية ممتعة”.

​ويضيف: “الأهم من ذلك، أننا في الشرق الأوسط متأقلمون؛ فالمكيفات موجودة في كل مكان وتجفف الرطوبة، أما في باريس فالمطاعم والبيوت مصممة للشتاء، ونسبة وجود المكيفات المركبة متدنية. مشكلة مدن مثل باريس ولندن أنها مبنية لمواجهة البرد، ويحتاج تعديلها الآن ليواكب الظواهر المناخية الجديدة إلى قرارات دولية وتمويل ضخم جداً”.

​سباق فرنسي نحو التبريد… وحلول حكومية طارئة

​مع اقتراب موجة حرّ أخرى، استُدعيت الشرطة إلى بعض السوبر ماركات في منطقة باريس لفض التدافع والازدحام الشديد، إذ تسابق المواطنون على المتاجر للحصول على مراوح أو وحدات تبريد بأسعار معقولة قبل نفادها.

​لمواجهة هذه الأزمة غير المسبوقة، اتخذت السلطات إجراءات حمائية عدة، وخصصت وزارة الصحة الفرنسية حزمة مالية بقيمة 600 مليون يورو (نحو 648 مليون دولار)  كنفقات طارئة لتزويد المستشفيات بمكيفات الهواء والمراوح والمعدات الطبية اللازمة.

​كما أعلنت شركة الكهرباء الفرنسية (EDF) عن تقديم منح مالية بقيمة 400 يورو لكل مروحة أو مكيف تبريد تشتريه المدارس ورياض الأطفال (بحد أقصى 10 أجهزة للمؤسسة)، بالإضافة إلى تقديم منحة بقيمة 10 آلاف يورو لأربعة آلاف مؤسسة رعاية أطفال أخرى، في خطة تبريد إجمالية تبلغ 40 مليون يورو.

باتت موجات الحر المضطربة والتغيرات المناخية الحالية تهدد بشكل مباشر نمط حياة الملايين في غرب أوروبا. وعلى الرغم من الحلول الإسعافية الحالية، إلا أن تعديل البنية التحتية بالكامل وتغيير القوانين المنظمة لتركيب المكيفات وتأمين الخدمات الحيوية للمواطنين، يحتاج إلى سنوات طويلة لإنجازها.

07.07.2026
زمن القراءة: 4 minutes

باتت موجات الحر المضطربة والتغيرات المناخية الحالية تهدد بشكل مباشر نمط حياة الملايين في غرب أوروبا. وعلى الرغم من الحلول الإسعافية الحالية، إلا أن تعديل البنية التحتية بالكامل وتغيير القوانين المنظمة لتركيب المكيفات وتأمين الخدمات الحيوية للمواطنين، يحتاج إلى سنوات طويلة لإنجازها.

​تنطلق رهام حمادة يومياً في رحلة عمل، وهي اختصاصية علاج طبيعي وفيزيائي في العاصمة الباريسية، مستخدمةً المترو وأحياناً تفضّل المشي. لكن في الأسابيع الأخيرة، تحوّل روتين الحياة اليومية إلى جهد “حارق” بفعل موجة حر قياسية تضرب القارة العجوز.

​انتقلت رهام منذ سنوات من لبنان لإكمال دراستها الجامعية في فرنسا لكي تتناسب شهادتها مع متطلبات سوق العمل هناك. تصف رهام الحياة في ظل التطرف المناخي الحالي بأنها “أكثر قسوة مما شعرتُ به سابقاً في بيروت”.

​المترو الباريسي: رحلة داخل “كتلة لهب”

​ما يُفترض أن يكون يوماً عادياً، تحول إلى معاناة يومية. تروي رهام لـ “درج”: “لا أستطيع المشي تحت أشعة الشمس، والمترو الذي أقصدُه يومياً تغير تماماً؛ أصبح مساره بطيئاً ويحتاج إلى أضعاف الوقت المعتاد للوصول، لأن الشبكة غير مجهزة للتعامل مع الحرارة المرتفعة التي تؤثر مباشرة على السكك الحديد. فضلاً عن ذلك، يفتقر المترو إلى مبردات أو مكيفات هواء، ما يجعل ازدحام الناس داخله سيئاً وخانقاً للغاية”.

خلال شهر حزيران/ يونيو الفائت، ​شهدت فرنسا أعلى درجات حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1947، إذ تجاوزت الـ40 درجة مئوية في مناطق فرنسية عدة. وأفادت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية بأن “درجات حرارة غير مسبوقة، ليلاً ونهاراً، أثرت على أكثر من ثلث البلاد”.

​وقد أدت موجة الحرّ هذه إلى تبعات قاسية على المجتمع الفرنسي، إذ أعلنت هيئة الصحة العامة الفرنسية أن الوفيات ارتفعت بنسبة 29 في المئة خلال الأسبوع الأشدّ حرارة، ما يعني تسجيل ما لا يقل عن ألفي حالة وفاة إضافية مقارنة بالمعدل الطبيعي.

​وأوضحت الهيئة أن 85 في المئة من المتوفّين كانوا من المسنين (65 عاماً فأكثر)، مع تسجيل زيادة في الوفيات في جميع الفئات العمرية، خصوصاً في غرب البلاد ووسطها. ​كما تسببت موجة الحرّ في إغلاق آلاف المدارس، وإلغاء المهرجانات، وتأجيل جدول أعمال مؤسسات كثيرة، وسط ضغط هائل وازدحام شديد في المستشفيات.

​وعلى الرغم من خطورة الوضع، يشير الخبراء إلى أن الحصيلة الحالية لا تزال أقل بكثير من موجة الحر التاريخية التي ضربت فرنسا عام 2003، والتي حصدت أرواح نحو 15 ألف شخص.

​بيوت تحولت إلى “بؤر قاتلة”

​انطلاقاً من عملها اليومي مع المسنين، تنقل رهام جانباً مأساوياً من الأزمة: “يستيقظ المسنون الذين لا يملكون قدرة بدنية قوية ليلاً وهم في حالة من القلق وسط غياب ذويهم أو من يعتني بهم. وعند محاولتهم التنقل داخل المنزل، يسقط الكثير منهم أرضاً، ما يتسبب لهم بإصابات وكسور في العظام، وهو ما ملأ المستشفيات سريعاً، يضاف إليهم المرضى الذين يعانون أصلاً من مشاكل تنفسية ولم يكن لديهم أي استعداد للحر الشديد”.

تكمن المشكلة الأساسية في فرنسا والدول المجاورة لها في أن البنية التحتية والمنازل غير مهيّأة للطقس الحار؛ فهي عمارة صُمّمت لحفظ الدفء لا للتبريد. بُنيت الأبنية السكنية في فرنسا وألمانيا لتكون بمثابة “مخازن للدفء” لمواجهة الشتاء القارس، مع تجاهل شبه تام لفصل الصيف الذي كان تاريخياً قصيراً ومعتدلاً. وفي ظل الموجات الحارة الحالية، تتحول هذه الأبنية، من دون تكييف، إلى بؤر تحتفظ بالحرارة طوال اليوم، خصوصاً أن نهار الصيف في فرنسا طويل جداً (يمتد من الخامسة والنصف صباحاً حتى التاسعة والنصف مساءً)، ما يحول دون تبريد المنازل ليلاً. 

الرغبة في تركيب مكيف هواء في باريس تصطدم بجدار من الإجراءات المعقدة، إذ ترفض البلديات غالباً تركيب المكيفات الخارجية بحجة أنها تشوه الفن المعماري التراثي والواجهات الفخمة للأبنية الباريسية القديمة، ناهيك بسوء العزل في الكثير من هذه الأبنية، ومخالفة الكثير منها القواعد البيئيّة، كما يتطلب التركيب موافقة جماعية من سكان البناية، فضلاً عن قيود المجموعات البيئية (الإيكولوجيين) الذين يرفضون المكيفات نظراً الى استهلاكها العالي للطاقة وتلويثها الهواء.

الفرق بين باريس وعواصم الشرق الأوسط

يعقد المهندس أنتوني خوري (ذو الأصول اللبنانية) والمقيم في فرنسا مقارنة سريعة، قائلاً: “لا توجد ثقافة للتكيّف مع الحر. وحتى في ما يتعلق بالعامل البيئي والإيكولوجيين، يُرفض المكيف لأنه يلوّث الهواء، لذا يلجأ الناس إلى الحلول السهلة كالمراوح، التي باتت تُباع بالحجز المسبق لشدة الطلب”. 

​من جانبه، يتحدث عمار عبد ربه (ذو الأصول السورية) والمتنقل بين دول عدة، عن طبيعة باريس الجغرافية قائلاً: “باريس تقع في قعر سهل منخفض، لا تحيط بها جبال ولا تشهد حركة رياح. عندما تشتد الحرارة، تختفي النسمات تماماً. هذا عكس بيروت التي تلطفها رطوبة البحر ونسماته، وعكس دمشق التي يمتاز حرها بأنه جاف ولا يسبب التعرق، كما تنخفض حرارتها ليلاً لتصبح السهرات الخارجية ممتعة”.

​ويضيف: “الأهم من ذلك، أننا في الشرق الأوسط متأقلمون؛ فالمكيفات موجودة في كل مكان وتجفف الرطوبة، أما في باريس فالمطاعم والبيوت مصممة للشتاء، ونسبة وجود المكيفات المركبة متدنية. مشكلة مدن مثل باريس ولندن أنها مبنية لمواجهة البرد، ويحتاج تعديلها الآن ليواكب الظواهر المناخية الجديدة إلى قرارات دولية وتمويل ضخم جداً”.

​سباق فرنسي نحو التبريد… وحلول حكومية طارئة

​مع اقتراب موجة حرّ أخرى، استُدعيت الشرطة إلى بعض السوبر ماركات في منطقة باريس لفض التدافع والازدحام الشديد، إذ تسابق المواطنون على المتاجر للحصول على مراوح أو وحدات تبريد بأسعار معقولة قبل نفادها.

​لمواجهة هذه الأزمة غير المسبوقة، اتخذت السلطات إجراءات حمائية عدة، وخصصت وزارة الصحة الفرنسية حزمة مالية بقيمة 600 مليون يورو (نحو 648 مليون دولار)  كنفقات طارئة لتزويد المستشفيات بمكيفات الهواء والمراوح والمعدات الطبية اللازمة.

​كما أعلنت شركة الكهرباء الفرنسية (EDF) عن تقديم منح مالية بقيمة 400 يورو لكل مروحة أو مكيف تبريد تشتريه المدارس ورياض الأطفال (بحد أقصى 10 أجهزة للمؤسسة)، بالإضافة إلى تقديم منحة بقيمة 10 آلاف يورو لأربعة آلاف مؤسسة رعاية أطفال أخرى، في خطة تبريد إجمالية تبلغ 40 مليون يورو.

باتت موجات الحر المضطربة والتغيرات المناخية الحالية تهدد بشكل مباشر نمط حياة الملايين في غرب أوروبا. وعلى الرغم من الحلول الإسعافية الحالية، إلا أن تعديل البنية التحتية بالكامل وتغيير القوانين المنظمة لتركيب المكيفات وتأمين الخدمات الحيوية للمواطنين، يحتاج إلى سنوات طويلة لإنجازها.