“لأن قتل الإنسان ليس من حقّ أيّ إنسان”، هو الشعار الذي رفعته أوغاريت يونان، التي حملت قضيّة إلغاء عقوبة الإعدام طوال 30 سنة، وقد تشهد إلغاءها في لبنان بعد 22 عاماً على تنفيذ آخر عقوبة، وانتهاء مرحلة بقي فيها الإعدام حاضراً في النصوص القانونية وغائباً عن التنفيذ.
بدأ المسار الرسمي مع تقديم مشروع قانون أعدّته يونان، قبل أن يناقَش في مجلس الوزراء ولجنة الإدارة والعدل، ولجنة حقوق الإنسان النيابية، والسؤال الآن ليس «مع الإعدام أو ضدّه؟»، بل ما علاقة الإعدام بحقوق الإنسان، وهل فعلاً يشكّل رادعاً فعّالاً للجريمة؟
لم يبدأ مسار إلغاء عقوبة الإعدام مؤخّراً، بل هو ثمرة مسار تشريعي تعود جذوره إلى العام 1997، حينها خاضت الدكتورة يونان إلى جانب المفكّر الراحل وليد صليبي، نضالاً استمرّ قرابة ثلاثة عقود عُرف بـ”الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان»، حملة لم تكسرها الحروب ولا الأزمات المتلاحقة، ولم يوقفها شيء عن مواصلة المطالبة بإلغاء العقوبة.
تقول يونان لـ”درج” إن هذا المسار مترسّخ لأن «لا شيء يوقفنا عن أن نناضل ونقول لا للعنف ولا للظلم. هذا ليس نشاطاً أو برنامجاً، هذا خيار حياة لمواجهة الظلم والعنف بكل أشكاله. لذلك لا أسمح للعنف أن يصيبني باليأس أو أن يدفعني إلى الوقوف جانباً، بل يدفعني إلى مواصلة النضال”.
لا تنظر يونان إلى إلغاء الإعدام بوصفه تعديلاً قانونياً فحسب، بل باعتباره تحوّلاً في فلسفة الدولة ونظرتها إلى العدالة، تقول يونان لـ”درج”: «كلما قلّلنا في لبنان نوعاً من أنواع العنف، يكون ذلك لمصلحة البلد وتقدّمه وإنسانيته وحضارته. هذه نظرة لا تعالج الجريمة بالجريمة، ولا العنف بالعنف. فحكم الإعدام هو حكم مطلق لأنه يلغي الشخص. ما من شيء بعده؛ لا فرصة للمراجعة ولا للتأهيل. وعندما تلغي عقوبة الإعدام، تكون قد سحبت من السلطة صلاحية القتل”.
وتربط يونان بين عقوبة الإعدام وشكل الدولة التي يسعى اللبنانيون إلى بنائها، معتبرة أن المسألة تتجاوز العقوبة، لتطال مفهوم السلطة وصلاحيتها وحدودها، تقول لـ”درج”: «نحن لا نريد فقط دولة، بل السؤال هو “أيّ دولة نريد؟ أنا لا أقبل أن أعيش في دولة مشانق وقتل، لأن قتل الإنسان ليس من حقّ أيّ إنسان”.
حقّ الحياة ودور الدولة
الحقّ في الحياة هو الحقّ التي تقوم عليه بقيّة الحقوق، فهل يجوز للدولة أن تستثني نفسها من احترامه؟ تقوم شرعية الدولة الحديثة على احتكار استخدام القوّة لحماية المجتمع، لا على امتلاك حقّ إنهاء حياة الإنسان، فلا خلاف على أن من يرتكب جريمة يجب أن يُحاسب، لكنّ الخلاف يكمن في طبيعة هذه المحاسبة. فهل هدف العقوبة هو الانتقام من الجاني، أم حماية المجتمع وردع الجرائم وتحقيق العدالة للجميع؟
الحياة لا يمكن استعادتها بعد تنفيذ عقوبة الإعدام، فإن أيّ خطأ في هذه القضايا لا يمكن إصلاحه، بخلاف باقي العقوبات التي يمكن التعويض عنها ولو جزئياً. حتى أشدّ المجرمين يفقدون حرّيتهم وحقوقاً كثيرة نتيجة الجريمة، لكن هل يجب أن يفقدوا أيضاً حقّهم في الحياة؟ هذا هو جوهر الجدل حول الإعدام، خصوصاً أن الكثير من القضايا يكشف أخطاء في التقاضي تصل أحياناً حدّ إعدام أبرياء، كما تكشف الكثير من التقارير الموثّقة عالمياً.
استُخدم الردع كأحد أبرز المبرّرات للإبقاء على قانون عقوبة الإعدام، انطلاقاً من فكرة أن الخوف من الموت سيمنع ارتكاب الجرائم، لكنّ العديد من الدراسات العلمية خلص إلى عكس ذلك، القبض على الجاني وتطبيق القانون بشكل فعّال يشكّل عامل ردع أكبر من قسوة العقوبة نفسها.
هناك عدّة أسباب للجريمة، من اجتماعية وتربوية وسياسية، وربما من واقع معيّن سائد مثل الفقر أو التنشئة الطائفية أو مناخات الحرب أو تفلّت السلاح، فالمسؤولية جزئية على الجاني، وفي فكر القانون تطبيق حكم مطلق على مرتكب يتحمّل مسؤولية جزئية، يُعتبر غير منطقي.
اليوم، يميل العالم إلى التخلّي عن عقوبة الإعدام، وهذا ليس مجرّد خطاب حقوقي، بل واقع تعكسه الأرقام. فقد ألغت 112 دولة العقوبة نهائياً من تشريعاتها، كما أن نحو 60% من الدول الأعضاء في منظّمة التعاون الإسلامي لم تعد تطبّقها أو ألغتها قانوناً، بالإضافة إلى 41 دولة أفريقية.
يعكس هذا التحوّل تغيّراً في نظرة الدول إلى العدالة، إذ لم يعد يُنظر إلى قسوة العقوبة بوصفها معياراً لقوّة الدولة، التركيز الآن على حماية المجتمع مع احترام الحقّ في الحياة وضمان المحاكمة العادلة.
جدل عقوبة الإعدام
لطالما فتحت عقوبة الإعدام جدلاً قضائياً وقانونياً خاصّة ضمن سياقات النظرية السياسية، لكن على المستوى الشعبي، ما زال البعض يرى فيها شكلاً من أشكال العدالة، خصوصاً حين يكون المتّهم من مرتكبي الجرائم التي تثير جدلاً وغضباً اجتماعياً واسعاً، يأتي الإعدام هنا بوصفه أسلوباً لامتصاص الحنق الشعبي، وهنا بالضبط يأتي دور المؤسّسات الحقوقية، فضمان حقّ المتّهم بالمحاكمة العادلة وتحديد دور الدولة كضامن للحياة لا مصادر لها حتى مع الجناة، الشأن الذي ينعكس حتى على الأبرياء، فقد يلبّي الإعدام رغبة آنية برؤية المذنب ميتاً أو خارج حياتنا، لكن في الوقت ذاته، يبيح هذا الأسلوب للدولة أن تصادر الحياة وتنهيها، ما قد يعني تعسّفها وخطأها، ويجعل الأبرياء أيضاً محطّ هذه العقوبة التي لا تراجع عنها.
يمتدّ إلغاء عقوبة الإعدام نحو المؤسّسات العقابية نفسها، ودورها في إعادة التأهيل لا فقط مصادرة الحرّية، كلها أسئلة ما زالت بحاجة إلى سنوات من النضال، خصوصاً أن الشأن يتعلّق بتأمين البنية التحتية الإصلاحية للسجون وإعادة النظر في المفاهيم القانونية وأساليب التقاضي، لكنّ إلغاء عقوبة الإعدام خطوة أولى، نحو إعادة الاعتراف بالحياة ودور السلطة كضامن لها.









