ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أوكرانيا (مجدداً) بين كماشة النووي الروسي وصبيانيّة زيلينسكي وحسابات الغرب

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدو جلياً أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعوّلون على عدم جدية التهديدات النووية الروسية، معتبرين إياها مجرّد ابتزاز وتخويف، تماماً كما يردّد بشكل دائم المتحدث باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف. ومع هذا التصعيد، تتّسع الفجوة أكثر بين روسيا وأوكرانيا، وتنزلق احتمالات التوصل إلى حل سلمي بينهما إلى المربع الأول.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

فصلٌ جديد من فصول الحرب الروسية-الأوكرانية، التي لا تتوقف فيها التحولات الدراماتيكية على جميع الأصعدة. فبعدما مالت الدفة لصالح موسكو في معارك شرق أوكرانيا لفترة أشهر، حيث شهدت الجبهة الشرقية تقدماً روسياً كبيراً على أكثر من محور، من شمالها إلى جنوبها، يبدأ الفصل الجديد بسماح الولايات المتحدة الأميركية وبعض حلفائها الأوروبيين لأوكرانيا باستخدام أنواع جديدة من الأسلحة الهجومية المتطورة والدقيقة لضرب الأهداف الحيوية في العمق الروسي.

تلك الأسلحة، التي تتضمّن صواريخ ATACMS الأميركية وStorm Shadow الأوروبية، والتي تملك أوكرانيا بعضاً منها منذ أكثر من سنة، وكان من المفترض أن تستخدم ATACMS في شبه جزيرة القرم، كما سبق أن استخدمت Storm Shadow ضد أهداف روسية في الأراضي الأوكرانية، أصبحت الآن موجّهة نحو العمق الروسي في خطوة غير مسبوقة.

الذريعة الأميركيّة والمعادلة الجديدة

على الرغم من أن القرار الأميركي، الذي استتبعه قرار أوروبي، أتى رداً على مؤازرة قوات كورية شمالية لروسيا في المعارك، إلا أن تلك القوات، المؤلفة من 11 ألف جندي، وبحسب وزارة الدفاع الأميركية، سجلت وجودها حتى الآن فقط في محافظة كورسك الروسية الحدودية، التي سبق أن احتلتها القوات الأوكرانية في آب/ أغسطس 2024 في هجوم مباغت لإنشاء منطقة عازلة. بالتالي، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعان بدعم كوريا الشمالية للقتال في الأراضي الروسية الخاضعة للاحتلال الأوكراني. في المقابل، فإن أوكرانيا تلقّت الضوء الأخضر (الأشبه حقاً بالأمر) لاستخدام أسلحة حلف الناتو في العمق الروسي.

بناءً على هذا الواقع المستجد، تكون أوكرانيا هي الطرف المبادر للتصعيد الواسع وليس روسيا، وتكون الذريعة الأميركية والأوروبية لدفع أوكرانيا بهذا الاتجاه الانتحاري، رداً على المشاركة الكورية الشمالية في الحرب، غير مقنعة تماماً، رغم أن روسيا هي التي تحتل 18 في المئة من أراضي أوكرانيا، وفقاً لمركز العمل الوقائي التابع لمجلس العلاقات الخارجية (CFR)، وتستمر في سيطرتها على المزيد من الأراضي يوماً بعد يوم.

التحوّل الكبير هو في فرض معادلة جديدة، مفادها أن أوكرانيا أصبحت طرفاً مهاجماً لم يعد يكتفي بإنشاء مناطق عازلة في الشمال رغم خسارته المزيد من الأراضي في الشرق من جهة، كما أنها أصبحت تنفذ مشيئة حلف الناتو مهما كانت منافية للعقل ومن دون اعتراض، على الرغم من استمرار رفض الحلف ضم أوكرانيا. منذ هذه اللحظة، يمكن القول إنه لم يعد تحرير الأراضي الأوكرانية هو الهدف الرئيسي بالنسبة الى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بل أصبح تلبية الرغبات الغربية، حتى لو كان ذلك بخطوات غير محسوبة على حساب الشعب الأوكراني.

رهانٌ خاسر حتماً

الرهان الأميركي-الأوروبي يقوم على عدم تجرؤ موسكو على تنفيذ أي من تهديداتها النووية بحق أوكرانيا، والذي على أساسه يدفع حلف الناتو أوكرانيا إلى التصعيد هجومياً بدل الاكتفاء بالدفاع عن الأرض والتركيز على تنفيذ الهجمات المضادة ضمن أراضيها، إذاً، هو رهانٌ يرتكز على الاحتمالات العشوائية، وليس على توقعات دقيقة، تماماً كما هو الأمر في ألعاب الكازينو.

هذا الرهان يشبه إلى حدٍّ بعيد، رهان محور الممانعة في الشرق الأوسط على صلابة “وحدة الساحات” والقدرة على إخضاع إسرائيل عسكرياً، بعد رفع سقف الخطاب الإيراني المرتكز على “قوة الإيمان” بإزالة إسرائيل من الوجود إلى مستويات غير واقعية، بأسلوب “الرهان الكامل” للاعب البوكر اليائس (أو الـ All In). سقط هذا الرهان في أول اختبارٍ فعلي له، وذلك بعدما نأى النظام السوري بنفسه تماماً رغم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، فيما تحوّلت إيران إلى داعية للسلام وخفض التصعيد والتزمت قاعدة “الرد والرد المضاد” محيّدة نفسها عن الساحات الأخرى ولاهثة خلف مكتسبات نووية واقتصادية على وقع التصعيد في الجبهة اللبنانية.

وظهر أيضاً عقم الفصائل العراقية وقلة حيلتها بحكم الواقع الجغرافي والفروقات التكنولوجية الهائلة، في حين التزمت جماعة الحوثي اليمنية دعم غزة ومن ثم لبنان بما تيسّر لها من قدرات، وكان لها تأثير مهم في البحر الأحمر لكنه لم يكن كافياً لتغيير مجرى الأحداث، قبل أن تتعرّض لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية قاسية تسببت بتراجعها شبه الكلي.

النتيجة الكارثية لفشل هذا الرهان على “وحدة الساحات” كانت في دخول قطاع غزة ومن بعده لبنان في متاهات لا سبيل للخروج منها سوى بتقديم تنازلات مؤلمة تُضاف إلى الدمار والموت الأشد إيلاماً. أما الطامة الكبرى فهي ربطُ إسرائيل بقوة النار والحديد لهذه الساحات التي أصبحت منفصلة عن بعضها بعضاً، سواء على مستوى التفاوض، أو على مستوى التصعيد العسكري، إذ يعيث سلاح الجو الإسرائيلي خراباً ودماراً أينما يشاء في كل أنحاء الشرق الأوسط من دون أي رادعٍ حقيقي، ورغم إرادة أطراف محور الممانعة التي تخلّت عن مفهوم “وحدة الساحات” أو لم تلتزم به بشكل كامل تفادياً للتصعيد.

على هذا الأساس، فإن التصعيد الأوكراني بدفعٍ من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، يُنذر بأنه سيكون وبالاً على أوكرانيا، وستكون التداعيات على المدنيين الأوكرانيين كارثية، ولن يقابلها حجم الضرر نفسه في البنى التحتية والمدنية الروسية في جميع الأحوال.

حتى لو لم تلجأ روسيا إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل، فإنها ستكون قادرة على قصف المدن الأوكرانية الكبرى، ومن ضمنها كييف، بشكل شبه يومي، وإحداث موجةٍ كبرى جديدة من النزوح والتهجير، وتعميق مأساة الشعب الأوكراني الذي يبدو أنه يتحوّل أيضاً إلى رهينة لدى حكومته التي يحرّكها حلف الناتو برعونة، ولم يعد فقط ضحية العدوان والاحتلال الروسيين. وما يجعل هذا الرهان انتحارياً أكثر، هو تمكن روسيا من تطوير التقنيات اللازمة لاعتراض وإسقاط الجزء الأكبر من الصواريخ الأميركية والأوروبية وتدمير القواعد التي تنطلق منها.

عن العقيدة النوويّة الروسيّة

تحوّل القوات الأوكرانية من الدفاع إلى الهجوم لن يمنحها التفوّق (المؤقت) الذي كان متوقعاً في مجالات معينة، بخاصة من حيث القدرة على تكليف روسيا أثماناً باهظة لم تكن في الحسبان بعد مرور أكثر من 1000 يوم على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا من خلال استهداف المنشآت الاستراتيجية والحيوية الروسية. فقد أثبتت منظومة الدفاع الجوي الروسية قدرتها على اعتراض صواريخ MGM-140 (ATACMS) الأميركية الصنع (الوزن 1670 كغ، المدى الأقصى 300 كم) في منطقة بريانسك، وصواريخ الكروز الفرنسية-البريطانية-الإيطالية Storm Shadow/SCALP EG المجهزة برؤوس حربية خارقة للتحصينات (الوزن  1300 كغ، المدى الأقصى 550 كم). هذا على الرغم من تضارب التصريحات الروسية والأميركية حول كمية الصواريخ التي تم اعتراضها. لكن الذي سينتج من هذا التحوّل في الاستراتيجية الأوكرانية هو أنه سيجعل ردة الفعل الروسية أكثر قسوة وحسماً، وسيتيح لروسيا استخدام أسلحةٍ لطالما لوّح مسؤولوها بها، وعلى رأسها الأسلحة النووية التكتيكية.

لكن اللافت أن تهديدات بوتين هذه المرة تجاوزت السلاح النووي التكتيكي، بل حتى تجاوزت قضية أوكرانيا، إذ وجه الكرملين تحذيراً مباشراً لحلف الناتو عبر تحديث العقيدة النووية الروسية، وذلك يوم الثلاثاء في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. ويُعتبر هذا التهديد النووي هو الأول من نوعه منذ الحرب الباردة.

وقد حذرت روسيا حلف الناتو مراراً وتكراراً، منذ أشهر طويلة، أنها ستعمل على تحديث عقيدتها النووية في حال سُمِح لأوكرانيا باستخدام الصواريخ الأميركية والفرنسية والبريطانية لمهاجمة أراضيها. وكان بوتين قد أمر بإعداد ونشر أسلحة نووية تكتيكية على الحدود الروسية مع أوكرانيا كجزء من مناورة عسكرية في السادس من أيار/ مايو 2024 رداً على التهديدات الغربية. كما صرّح في أيلول/ سبتمبر 2024 بأن موافقة الغرب على استخدام كييف الصواريخ بعيدة المدى تعني “التدخل المباشر لدول حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية في الحرب في أوكرانيا”.

اللافت في المسألة أن التهديد النووي الروسي بلغ اليوم مرحلة هي الأخطر، إذ لم يعد استخدام السلاح النووي مرهوناً بتعرض روسيا لتهديد نووي، ولم يعد الكلام محصوراً باستخدام السلاح النووي التكتيكي فقط. فالواقع الحالي يشير إلى أن روسيا تعمل بشكل جاد، بحسب عقيدتها النووية المحدّثة، على خفض معاييرها لاستخدام السلاح النووي الاستراتيجي، حتى تصل إلى درجة الاستجابة التلقائية لأي هجوم تقليدي محتمل داخل أراضيها، بل حتى داخل أراضي حلفائها العسكريين، وذلك يعني مينسك وبيونغ يانغ بالدرجة الأولى. وتقول العقيدة النووية الروسية المحدّثة: “إن أي هجوم من جانب قوة غير نووية مدعومة بقوة نووية سيُعتبر هجوماً مشتركاً، وإن أي هجوم من جانب طرفٍ واحد في تحالف عسكري سيُعتبر هجوماً من جانب التحالف بكامله”.

ردّ الفعل الروسي الأولي

لم يتأخر الوقت كثيراً حتى بدأت روسيا بالرد العنيف، إذ استخدمت للمرة الأولى في الحرب صاروخ RS-26 Rubezh البالستي العابر للقارات (الوزن 36000 كغ) على مدينة دنيبرو! والذي كان قد صمّم خصيصاً لحمل رؤوس نووية بهدف مهاجمة العواصم الأوروبية، وصولاً إلى أوروبا الغربية. ولا تملك الدفاعات الجوية الأوكرانية القدرة على اعتراض هذا النوع من الصواريخ.

كما أعلنت وزارة الخارجية الروسية إضافة قاعدة الدفاع الصاروخي الأميركية الجديدة في بولندا إلى قائمة الأهداف “ذات الأولوية” التي تهدّد روسيا بتدميرها، مشيرة إلى أن تلك القاعدة “تزيد المستوى العام للخطر النووي”.

النوايا الأميركية والأوروبية الحقيقية

لم يكتفِ بايدن باتخاذ قرار إرسال ألغام مضادة للأفراد لأوكرانيا أخيراً لوقف التقدم الروسي البري الذي يعتمد على تمشيط عناصر المشاة تمهيداً لتقدم الآليات الثقيلة والدبابات، بل قرّر أيضاً زرع لغمٍ فردي من نوعٍ خاص في البيت الأبيض لخليفته دونالد ترامب قبل شهرين من انتهاء ولايته. هذه التطورات المرعبة في الصراع الروسي-الأوكراني، والتي يمكن أن تتسبب باندلاع حرب دولية، ستفرض عبئاً ثقيلاً جداً على إدارة ترامب، الذي وعد بإنهاء هذا الصراع في يومٍ واحد بعد توليه منصبه.

وقد تسارع القادة الأوروبيون الى السير على خطى بايدن في هذا الاتجاه، في رسالة أوروبية لترامب حول مستقبل العلاقات الأميركية-الأوروبية. هدف بايدن ليس وضع أوكرانيا في موقع متقدم قبل تسلّم ترامب الرئاسة، بل إبقاء حلف الناتو على قيد الحياة وتوسيعه، بعدما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلف يعاني من “الموت السريري” منذ خمس سنوات. أما هدف القادة الأوروبيين فهو إبقاء الاتحاد الأوروبي متماسكاً، بخاصة بعد الصعود الأخير لقوى اليمين المتطرّف.

ترامب الذي يمتعض من حجم الدعم الأميركي لأوكرانيا، ويعود إلى البيت الأبيض رافعاً شعار “أميركا أولاً”، يغيظه أكثر الترابط العضوي بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين على مستوى حلف الناتو، بل حتى على مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية. بينما يعد ترامب بإقامة السلام بين روسيا وأوكرانيا، يتعارض ذلك مع الاستراتيجية الأميركية-الأوروبية الحالية، التي تركز على تعزيز قوة حلف الناتو وتحثّ على زيادة الإنفاق العسكري في الاقتصادات الغربية.

مستقبل أوكرانيا يبدو مظلماً

هذا الرهان المحسوب على قدرة الغرب في ردع موسكو عن استخدام أسلحتها النووية، التكتيكية أولاً ومن ثم الاستراتيجية، ساقطٌ مسبقاً، وسيرتطم برؤوس الأوكرانيين الأبرياء. والمشكلة الأساسية أن هذا الرهان ينبع من حسابات خاصة لإدارة بايدن الديمقراطية في الشهرين الأخيرين من ولايته، وهدفها تعقيد مهمة إدارة ترامب المقبلة في أوكرانيا. يضع حلف الناتو شعب أوكرانيا في مواجهة أكبر قوة نووية في العالم، لحسابات لا علاقة لأوكرانيا بها.

في شتى الأحوال، هي حسابات كان يجب أن تكون منتهية الصلاحية بالنسبة الى القيادة الأوكرانية، بسبب قرب موعد انتهاء ولاية بايدن بالذات، لكن يبدو أن تلك القيادة بدورها أصبحت متعفّنة. كان بإمكان حكومة زيلينسكي أن تستخدم الصواريخ الهجومية المتطورة والدقيقة في العمق الأوكراني المحتل، لإصابة أهداف عسكرية محدّدة تسمح للقوات الأوكرانية بتنفيذ هجمات مضادة ناجحة، من دون تقديم أي ذريعة مجانية لبوتين للتصعيد أو تحديث العقيدة النووية، لكنها اختارت الانصياع للرغبات الغربية المريضة، ومهاجمة العمق الروسي، على حساب الشعب الأوكراني ومستقبل أوكرانيا الذي صار مهدداً أكثر من أي وقتٍ سابق في ظل تهديدات روسية جدية بالإبادة النووية.

22.11.2024
زمن القراءة: 8 minutes

يبدو جلياً أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعوّلون على عدم جدية التهديدات النووية الروسية، معتبرين إياها مجرّد ابتزاز وتخويف، تماماً كما يردّد بشكل دائم المتحدث باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف. ومع هذا التصعيد، تتّسع الفجوة أكثر بين روسيا وأوكرانيا، وتنزلق احتمالات التوصل إلى حل سلمي بينهما إلى المربع الأول.

فصلٌ جديد من فصول الحرب الروسية-الأوكرانية، التي لا تتوقف فيها التحولات الدراماتيكية على جميع الأصعدة. فبعدما مالت الدفة لصالح موسكو في معارك شرق أوكرانيا لفترة أشهر، حيث شهدت الجبهة الشرقية تقدماً روسياً كبيراً على أكثر من محور، من شمالها إلى جنوبها، يبدأ الفصل الجديد بسماح الولايات المتحدة الأميركية وبعض حلفائها الأوروبيين لأوكرانيا باستخدام أنواع جديدة من الأسلحة الهجومية المتطورة والدقيقة لضرب الأهداف الحيوية في العمق الروسي.

تلك الأسلحة، التي تتضمّن صواريخ ATACMS الأميركية وStorm Shadow الأوروبية، والتي تملك أوكرانيا بعضاً منها منذ أكثر من سنة، وكان من المفترض أن تستخدم ATACMS في شبه جزيرة القرم، كما سبق أن استخدمت Storm Shadow ضد أهداف روسية في الأراضي الأوكرانية، أصبحت الآن موجّهة نحو العمق الروسي في خطوة غير مسبوقة.

الذريعة الأميركيّة والمعادلة الجديدة

على الرغم من أن القرار الأميركي، الذي استتبعه قرار أوروبي، أتى رداً على مؤازرة قوات كورية شمالية لروسيا في المعارك، إلا أن تلك القوات، المؤلفة من 11 ألف جندي، وبحسب وزارة الدفاع الأميركية، سجلت وجودها حتى الآن فقط في محافظة كورسك الروسية الحدودية، التي سبق أن احتلتها القوات الأوكرانية في آب/ أغسطس 2024 في هجوم مباغت لإنشاء منطقة عازلة. بالتالي، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعان بدعم كوريا الشمالية للقتال في الأراضي الروسية الخاضعة للاحتلال الأوكراني. في المقابل، فإن أوكرانيا تلقّت الضوء الأخضر (الأشبه حقاً بالأمر) لاستخدام أسلحة حلف الناتو في العمق الروسي.

بناءً على هذا الواقع المستجد، تكون أوكرانيا هي الطرف المبادر للتصعيد الواسع وليس روسيا، وتكون الذريعة الأميركية والأوروبية لدفع أوكرانيا بهذا الاتجاه الانتحاري، رداً على المشاركة الكورية الشمالية في الحرب، غير مقنعة تماماً، رغم أن روسيا هي التي تحتل 18 في المئة من أراضي أوكرانيا، وفقاً لمركز العمل الوقائي التابع لمجلس العلاقات الخارجية (CFR)، وتستمر في سيطرتها على المزيد من الأراضي يوماً بعد يوم.

التحوّل الكبير هو في فرض معادلة جديدة، مفادها أن أوكرانيا أصبحت طرفاً مهاجماً لم يعد يكتفي بإنشاء مناطق عازلة في الشمال رغم خسارته المزيد من الأراضي في الشرق من جهة، كما أنها أصبحت تنفذ مشيئة حلف الناتو مهما كانت منافية للعقل ومن دون اعتراض، على الرغم من استمرار رفض الحلف ضم أوكرانيا. منذ هذه اللحظة، يمكن القول إنه لم يعد تحرير الأراضي الأوكرانية هو الهدف الرئيسي بالنسبة الى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بل أصبح تلبية الرغبات الغربية، حتى لو كان ذلك بخطوات غير محسوبة على حساب الشعب الأوكراني.

رهانٌ خاسر حتماً

الرهان الأميركي-الأوروبي يقوم على عدم تجرؤ موسكو على تنفيذ أي من تهديداتها النووية بحق أوكرانيا، والذي على أساسه يدفع حلف الناتو أوكرانيا إلى التصعيد هجومياً بدل الاكتفاء بالدفاع عن الأرض والتركيز على تنفيذ الهجمات المضادة ضمن أراضيها، إذاً، هو رهانٌ يرتكز على الاحتمالات العشوائية، وليس على توقعات دقيقة، تماماً كما هو الأمر في ألعاب الكازينو.

هذا الرهان يشبه إلى حدٍّ بعيد، رهان محور الممانعة في الشرق الأوسط على صلابة “وحدة الساحات” والقدرة على إخضاع إسرائيل عسكرياً، بعد رفع سقف الخطاب الإيراني المرتكز على “قوة الإيمان” بإزالة إسرائيل من الوجود إلى مستويات غير واقعية، بأسلوب “الرهان الكامل” للاعب البوكر اليائس (أو الـ All In). سقط هذا الرهان في أول اختبارٍ فعلي له، وذلك بعدما نأى النظام السوري بنفسه تماماً رغم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، فيما تحوّلت إيران إلى داعية للسلام وخفض التصعيد والتزمت قاعدة “الرد والرد المضاد” محيّدة نفسها عن الساحات الأخرى ولاهثة خلف مكتسبات نووية واقتصادية على وقع التصعيد في الجبهة اللبنانية.

وظهر أيضاً عقم الفصائل العراقية وقلة حيلتها بحكم الواقع الجغرافي والفروقات التكنولوجية الهائلة، في حين التزمت جماعة الحوثي اليمنية دعم غزة ومن ثم لبنان بما تيسّر لها من قدرات، وكان لها تأثير مهم في البحر الأحمر لكنه لم يكن كافياً لتغيير مجرى الأحداث، قبل أن تتعرّض لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية قاسية تسببت بتراجعها شبه الكلي.

النتيجة الكارثية لفشل هذا الرهان على “وحدة الساحات” كانت في دخول قطاع غزة ومن بعده لبنان في متاهات لا سبيل للخروج منها سوى بتقديم تنازلات مؤلمة تُضاف إلى الدمار والموت الأشد إيلاماً. أما الطامة الكبرى فهي ربطُ إسرائيل بقوة النار والحديد لهذه الساحات التي أصبحت منفصلة عن بعضها بعضاً، سواء على مستوى التفاوض، أو على مستوى التصعيد العسكري، إذ يعيث سلاح الجو الإسرائيلي خراباً ودماراً أينما يشاء في كل أنحاء الشرق الأوسط من دون أي رادعٍ حقيقي، ورغم إرادة أطراف محور الممانعة التي تخلّت عن مفهوم “وحدة الساحات” أو لم تلتزم به بشكل كامل تفادياً للتصعيد.

على هذا الأساس، فإن التصعيد الأوكراني بدفعٍ من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، يُنذر بأنه سيكون وبالاً على أوكرانيا، وستكون التداعيات على المدنيين الأوكرانيين كارثية، ولن يقابلها حجم الضرر نفسه في البنى التحتية والمدنية الروسية في جميع الأحوال.

حتى لو لم تلجأ روسيا إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل، فإنها ستكون قادرة على قصف المدن الأوكرانية الكبرى، ومن ضمنها كييف، بشكل شبه يومي، وإحداث موجةٍ كبرى جديدة من النزوح والتهجير، وتعميق مأساة الشعب الأوكراني الذي يبدو أنه يتحوّل أيضاً إلى رهينة لدى حكومته التي يحرّكها حلف الناتو برعونة، ولم يعد فقط ضحية العدوان والاحتلال الروسيين. وما يجعل هذا الرهان انتحارياً أكثر، هو تمكن روسيا من تطوير التقنيات اللازمة لاعتراض وإسقاط الجزء الأكبر من الصواريخ الأميركية والأوروبية وتدمير القواعد التي تنطلق منها.

عن العقيدة النوويّة الروسيّة

تحوّل القوات الأوكرانية من الدفاع إلى الهجوم لن يمنحها التفوّق (المؤقت) الذي كان متوقعاً في مجالات معينة، بخاصة من حيث القدرة على تكليف روسيا أثماناً باهظة لم تكن في الحسبان بعد مرور أكثر من 1000 يوم على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا من خلال استهداف المنشآت الاستراتيجية والحيوية الروسية. فقد أثبتت منظومة الدفاع الجوي الروسية قدرتها على اعتراض صواريخ MGM-140 (ATACMS) الأميركية الصنع (الوزن 1670 كغ، المدى الأقصى 300 كم) في منطقة بريانسك، وصواريخ الكروز الفرنسية-البريطانية-الإيطالية Storm Shadow/SCALP EG المجهزة برؤوس حربية خارقة للتحصينات (الوزن  1300 كغ، المدى الأقصى 550 كم). هذا على الرغم من تضارب التصريحات الروسية والأميركية حول كمية الصواريخ التي تم اعتراضها. لكن الذي سينتج من هذا التحوّل في الاستراتيجية الأوكرانية هو أنه سيجعل ردة الفعل الروسية أكثر قسوة وحسماً، وسيتيح لروسيا استخدام أسلحةٍ لطالما لوّح مسؤولوها بها، وعلى رأسها الأسلحة النووية التكتيكية.

لكن اللافت أن تهديدات بوتين هذه المرة تجاوزت السلاح النووي التكتيكي، بل حتى تجاوزت قضية أوكرانيا، إذ وجه الكرملين تحذيراً مباشراً لحلف الناتو عبر تحديث العقيدة النووية الروسية، وذلك يوم الثلاثاء في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. ويُعتبر هذا التهديد النووي هو الأول من نوعه منذ الحرب الباردة.

وقد حذرت روسيا حلف الناتو مراراً وتكراراً، منذ أشهر طويلة، أنها ستعمل على تحديث عقيدتها النووية في حال سُمِح لأوكرانيا باستخدام الصواريخ الأميركية والفرنسية والبريطانية لمهاجمة أراضيها. وكان بوتين قد أمر بإعداد ونشر أسلحة نووية تكتيكية على الحدود الروسية مع أوكرانيا كجزء من مناورة عسكرية في السادس من أيار/ مايو 2024 رداً على التهديدات الغربية. كما صرّح في أيلول/ سبتمبر 2024 بأن موافقة الغرب على استخدام كييف الصواريخ بعيدة المدى تعني “التدخل المباشر لدول حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية في الحرب في أوكرانيا”.

اللافت في المسألة أن التهديد النووي الروسي بلغ اليوم مرحلة هي الأخطر، إذ لم يعد استخدام السلاح النووي مرهوناً بتعرض روسيا لتهديد نووي، ولم يعد الكلام محصوراً باستخدام السلاح النووي التكتيكي فقط. فالواقع الحالي يشير إلى أن روسيا تعمل بشكل جاد، بحسب عقيدتها النووية المحدّثة، على خفض معاييرها لاستخدام السلاح النووي الاستراتيجي، حتى تصل إلى درجة الاستجابة التلقائية لأي هجوم تقليدي محتمل داخل أراضيها، بل حتى داخل أراضي حلفائها العسكريين، وذلك يعني مينسك وبيونغ يانغ بالدرجة الأولى. وتقول العقيدة النووية الروسية المحدّثة: “إن أي هجوم من جانب قوة غير نووية مدعومة بقوة نووية سيُعتبر هجوماً مشتركاً، وإن أي هجوم من جانب طرفٍ واحد في تحالف عسكري سيُعتبر هجوماً من جانب التحالف بكامله”.

ردّ الفعل الروسي الأولي

لم يتأخر الوقت كثيراً حتى بدأت روسيا بالرد العنيف، إذ استخدمت للمرة الأولى في الحرب صاروخ RS-26 Rubezh البالستي العابر للقارات (الوزن 36000 كغ) على مدينة دنيبرو! والذي كان قد صمّم خصيصاً لحمل رؤوس نووية بهدف مهاجمة العواصم الأوروبية، وصولاً إلى أوروبا الغربية. ولا تملك الدفاعات الجوية الأوكرانية القدرة على اعتراض هذا النوع من الصواريخ.

كما أعلنت وزارة الخارجية الروسية إضافة قاعدة الدفاع الصاروخي الأميركية الجديدة في بولندا إلى قائمة الأهداف “ذات الأولوية” التي تهدّد روسيا بتدميرها، مشيرة إلى أن تلك القاعدة “تزيد المستوى العام للخطر النووي”.

النوايا الأميركية والأوروبية الحقيقية

لم يكتفِ بايدن باتخاذ قرار إرسال ألغام مضادة للأفراد لأوكرانيا أخيراً لوقف التقدم الروسي البري الذي يعتمد على تمشيط عناصر المشاة تمهيداً لتقدم الآليات الثقيلة والدبابات، بل قرّر أيضاً زرع لغمٍ فردي من نوعٍ خاص في البيت الأبيض لخليفته دونالد ترامب قبل شهرين من انتهاء ولايته. هذه التطورات المرعبة في الصراع الروسي-الأوكراني، والتي يمكن أن تتسبب باندلاع حرب دولية، ستفرض عبئاً ثقيلاً جداً على إدارة ترامب، الذي وعد بإنهاء هذا الصراع في يومٍ واحد بعد توليه منصبه.

وقد تسارع القادة الأوروبيون الى السير على خطى بايدن في هذا الاتجاه، في رسالة أوروبية لترامب حول مستقبل العلاقات الأميركية-الأوروبية. هدف بايدن ليس وضع أوكرانيا في موقع متقدم قبل تسلّم ترامب الرئاسة، بل إبقاء حلف الناتو على قيد الحياة وتوسيعه، بعدما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلف يعاني من “الموت السريري” منذ خمس سنوات. أما هدف القادة الأوروبيين فهو إبقاء الاتحاد الأوروبي متماسكاً، بخاصة بعد الصعود الأخير لقوى اليمين المتطرّف.

ترامب الذي يمتعض من حجم الدعم الأميركي لأوكرانيا، ويعود إلى البيت الأبيض رافعاً شعار “أميركا أولاً”، يغيظه أكثر الترابط العضوي بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين على مستوى حلف الناتو، بل حتى على مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية. بينما يعد ترامب بإقامة السلام بين روسيا وأوكرانيا، يتعارض ذلك مع الاستراتيجية الأميركية-الأوروبية الحالية، التي تركز على تعزيز قوة حلف الناتو وتحثّ على زيادة الإنفاق العسكري في الاقتصادات الغربية.

مستقبل أوكرانيا يبدو مظلماً

هذا الرهان المحسوب على قدرة الغرب في ردع موسكو عن استخدام أسلحتها النووية، التكتيكية أولاً ومن ثم الاستراتيجية، ساقطٌ مسبقاً، وسيرتطم برؤوس الأوكرانيين الأبرياء. والمشكلة الأساسية أن هذا الرهان ينبع من حسابات خاصة لإدارة بايدن الديمقراطية في الشهرين الأخيرين من ولايته، وهدفها تعقيد مهمة إدارة ترامب المقبلة في أوكرانيا. يضع حلف الناتو شعب أوكرانيا في مواجهة أكبر قوة نووية في العالم، لحسابات لا علاقة لأوكرانيا بها.

في شتى الأحوال، هي حسابات كان يجب أن تكون منتهية الصلاحية بالنسبة الى القيادة الأوكرانية، بسبب قرب موعد انتهاء ولاية بايدن بالذات، لكن يبدو أن تلك القيادة بدورها أصبحت متعفّنة. كان بإمكان حكومة زيلينسكي أن تستخدم الصواريخ الهجومية المتطورة والدقيقة في العمق الأوكراني المحتل، لإصابة أهداف عسكرية محدّدة تسمح للقوات الأوكرانية بتنفيذ هجمات مضادة ناجحة، من دون تقديم أي ذريعة مجانية لبوتين للتصعيد أو تحديث العقيدة النووية، لكنها اختارت الانصياع للرغبات الغربية المريضة، ومهاجمة العمق الروسي، على حساب الشعب الأوكراني ومستقبل أوكرانيا الذي صار مهدداً أكثر من أي وقتٍ سابق في ظل تهديدات روسية جدية بالإبادة النووية.

22.11.2024
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية