لا تزال تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية تثقل حياة الناس في قطاع غزة، بخاصة الأطفال الذين فقدوا أباءهم وباتوا في عداد الأيتام، فيما دفعت المأساة بالأرامل والأقارب إلى أروقة المحاكم لحسم قضايا الوصاية والحضانة والإرث وإثبات الوفاة، في مشهد يكشف الأثر الاجتماعي والقانوني العميق الذي خلفته الإبادة على العائلة الغزية.
داخل خيمة صغيرة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، تجلس سلوى الأسطل (30 عاماً) أمام أوراقٍ ثبوتية مبعثرة تعود الى أبنائها الثلاثة وزوجها الذي قُتل بغارة إسرائيلية في 15 آذار/ مارس 2024.
منذ ذلك التاريخ، انقلبت حياة الأسطل رأساً على عقب، وتحوّلت من مجرد أم ترعى أطفالها إلى سندٍ يُلبي احتياجاتهم كافة.
بكثيرٍ من الأسى، تقول الأسطل لـ”درج”: “بعد فترة من استشهاد زوجي استخرجت شهادة الوفاة، ثم تواصلت مع جدهم من أبيهم، كي أستخرج حجة الوصاية للأطفال، لكنه رفض منحي إياها حتى اللحظة، على رغم أن الأطفال في رعايتي ويقطنون معي داخل الخيمة”.
وعلى رغم حصول الأم على شهادات الحضانة والإعالة لأطفالها، إلاّ أن شهادة الوصاية تقف حجر عثرة أمام حصولها على مستحقات الأطفال من الكفالات أو تقديمهم لبرامج المساعدات الإغاثية والنقدية.
تضيف الأم: “كنت أعيش مرفوعة الرأس في حضور زوجي ولم يكن ينقصنا أي شيء، أما الآن فأنا مكسورة الجناح ومحرومة حتى من تلقي أبسط المساعدات لأنني لا أملك شهادة الوصاية على الأبناء”.
بمرارة بالغة وقلبٍ يقطر أسى، تذكر الأسطل أنها كلما حاولت التسجيل في الروابط الخاصة بتلقي المساعدات وطلبات الكفالة، تصطدم بضرورة إرفاق شهادة الوصاية، تقف للحظات عاجزة عن إكمال عملية التسجيل ثم تنهار باكية لا تعرف متى نهاية المطاف.
وعلى رغم تعدد أشكال المعاناة في خيمة مهترئة، لا تقي هذه الأم المكلومة حرارة الصيف ولا برد الشتاء، إلا أنّ أكثر ما يؤرقها هو خوفها الشديد على مستقبل أطفالها، تضيف: “علاوة على الجوع وألم النزوح، إلا أن مخاوفي تزداد يومياً وأنا أرى مستقبل أطفالي يضيع أمام ناظريّ في ظل وضع مالي معقد وأفق قانوني مسدود”.
تشير الأسطل الى أنها تواصلت مع المستشار القانوني لمخيم الإيواء الخاص بالأيتام في منطقة المواصي، فأخبرها أن القانون الفلسطيني يمنح الوصاية بالأساس لوالد الأب المتوفي، ثم من حقه أن يمنحها للأم، لكن هذا الأمر يتم بالتوافق بينهما، وفي حال رفض تبقى الوصاية معه.
منذ أسابيع افتتحت الأم مشروعها الصغير لبيع الملابس بدعم من صديقاتها، علّها توفر بعضاً من احتياجاتها ومتطلبات أبنائها، لكنها تضيف متسائلة: أين حقهم في كفالة تراعي كرامتهم وتحفظ لهم حقوقهم بعد غياب الأب؟
أزمة ممتدة
كحال الأسطل تماماً، وجدت دلال أبو دقة (37 عاماً) نفسها وصيّة على أبناء أخيها الذي استُشهد خلال الحرب الإسرائيلية، بعدما أصبحت زوجته غير قادرة على رعاية أبنائها، إثر إصابة أقعدتها وجعلتها طريحة الفراش.
تقول أبو دقة لـ”درج”، إنها ترعى الطفلين مريم وأحمد، وتحاول أن تفي بمتطلباتهما قدر المستطاع، لكنها تصطدم برفض أهل الزوجة تسليمها الأوراق الثبوتية الخاصة بالأم والطفلين، والتي تسمح لها بتلقي المساعدات والتقدم للكفالات.
تضيف أبو دقة: “يتطلب التقدم بطلبات الكفالة والمعونات التي تتيحها وزارة التنمية والشؤون الاجتماعية، إرفاق هوية الأم لإثبات وصايتي على الطفلين، لكن ذويها يتحججون كل مرة بحجج واهية ويحرمونني من التقدم بطلبات الكفالة وتلقي الكابونات والمساعدات النقدية المخصصة للأيتام”.
على أطراف الخيمة، تشعل أبو دقة النار لإعداد إبريقٍ من الشاي، بعدما جمعت بعض الأخشاب والنايلون من داخل مخيم الإيواء، الذي تقطن فيه بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوب القطاع.
بكثيرٍ من الحسرة تقول أبو دقة: “ما يؤلمني أننا حُرمنا أيضاً من التسجيل لبرنامج الغاز المنزلي المُخصص لهما، لأن أهل الزوجة يسلبون هذا الحق مني برفضهم منحي الأوراق المطلوبة”.
في خيمةٍ ملاصقة لخيمتها، تعيش مريم، الطالبة الجامعية بالسنة الثانية في قسم التمريض، ومحمد (10 أعوام)، وهو يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية أثّرت بشكل كبير على حياتهما واندماجهما في محيطهما الاجتماعي الجديد.
ويشير واقع الحال في القطاع المثقل بالهموم، الى أنّ الحصول على قارورة غاز الطهي سعة 8 كيلوغرامات بات أمراً صعب المنال، في ظل شح الإمدادات الواردة عبر المعابر وتقليص الكميات بسبب القيود الإسرائيلية المشدّدة.
تضيف أبو دقة، أنها تواصلت مع المحامي الخاص بمركز الإيواء في مخيم البركة للأيتام، ذاكرة لـ”درج” أنه يتواصل بدوره مع المسؤولين في الدوائر الحكومية أملاً بحصولنا على الغاز، لكن من دون جدوى حتى اللحظة.
هذا الواقع البائس الذي يلازم أبو دقة، لا يقتصر على تلقي قارورة الغاز التي باتت كرفاهية في قطاعٍ مُحاصر، بل يشمل جميع المساعدات العينية والنقدية التي تصل باسم الأطفال، “لكنها تحتاج إلى أوراق لا نملكها بسبب تعنّت ذوي الأم”، تؤكد أبو دقة.
إقرأوا أيضاً:
تلخص معاناة الأسطل وأبو دقة مأساة جيلٍ كامل في قطاع غزة؛ لم يفقد فقط منزله أو أحد والديه، بل وجد نفسه فجأة داخل متاهة من الفقد والخوف والإجراءات القانونية المعقدة.
أرقام تحت المجهر
بلغة الأرقام، تكشف معطيات وزارة التنمية الاجتماعية في أبريل/ نيسان المنصرم، ارتفاع عدد الأيتام إلى 64,616 طفلاً، بينهم 55,157 طفلاً فقدوا آباءهم خلال حرب الإبادة الجماعية، في مؤشر صادم إلى تعمّق الأزمة الإنسانية وتحولها إلى واقع طويل الأمد.
وأوضحت الوزارة، في بيانها، أن هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة التي يعيشها الأطفال الأيتام، في ظل تركة الحرب الثقيلة، مشيرة إلى أن ظروفهم المعيشية تتسم بالقسوة الشديدة، في ظل النزوح الواسع، وفقدان المأوى، وتفكك البنية الأسرية، إلى جانب الانهيار المتسارع في الخدمات الأساسية.
وإلى جانب ضرورة تعزيز التكافل الاجتماعي، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للأيتام، شددت الوزارة على أهمية ضمان الحماية القانونية لحقوق الأطفال، توازياً مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، في محاولة للحد من آثار الحرب على جيل يُولد وينشأ في ظل أزمات لا تنتهي.
هذا الواقع الذي ينسحب على آلاف الأطفال الأيتام الذين أشارت إليهم الوزارة في بيانها، تؤكده منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” بقولها إن قطاع غزة يواجه أكبر أزمة أيتام في التاريخ الحديث.
ولعل ما يشير إلى فداحة الكارثة، هو تحوّل القطاع بفعل الحرب إلى مساحة هائلة من الفقد، إذ لم يعد اليُتم مجرد حالة اجتماعية أو إنسانية، بل بات أزمة قانونية وقضائية معقدة، تتشابك فيها قضايا الحضانة والوصاية والإرث وإثبات الوفاة والمفقودين، في ظل تقويض النظام وتدمير المحاكم وتعطّل عمل النظام الإداري.
من جانبه، يؤكد المحامي المتخصص في قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني شحدة شراب، أن الحرب خلقت واقعاً غير مسبوق لدى الأيتام ومن يقوم برعايتهم، قائلاً: “لدينا آلاف الأطفال الذين فقدوا معيلهم الرئيسي، لكن عائلات كثيرة لا تستطيع استكمال الإجراءات القانونية بسبب فقدان الوثائق، وضياع أرشيف المحاكم، وتدميرها، أو استشهاد الشهود، أو نزوح الأسرة من منطقة إلى أخرى”.
ويضيف شراب لـ”درج”، أنّ المحاكم الشرعية واجهت ضغطاً في القضايا المتعلقة بالوصاية للأيتام والحضانة والإعالة وإثبات الوفاة، ونشبت نزاعات تختص بإدارة أموال الأيتام مع اتساع هذا الملف بعد حرب الإبادة.
وأوضح شراب أن القانون الفلسطيني منح الولاية في هذه القضية بالأساس للجد، باعتباره المسؤول عن رعاية أبناء نجله المتوفي، والقائم على أمورهم المالية وإدارة الأملاك الخاصة بهم، لكنها قد تنتقل الى الأخ الأكبر أو العم في حال وفاة الأم أو زواجها.
وفي حال وجود الأم، بيّن شراب أن الجد، بالتوافق معها، يمكن أن يمنحها وكالة بالولاية على الأبناء.
ولفت شراب الى أن النزاعات في هذه المسألة تنشب بعد اعتماد الجمعيات والمؤسسات أسماء الأيتام والقاصرين وبدء تلقي المساعدات، ليتضح النزاع بين الأوصياء في أحقية كل منهما بتلقي المساعدات نيابة عن الأيتام وإدارة أموالهم.
وتطرق المحامي شراب إلى أن بعض الجمعيات والجهات الداعمة للأيتام قد تأخذ بإثبات حضانة الأم مع أطفالها لتلقي المساعدات، لكن غالباً ما يطلب توافر حجة الوصاية لدى الأم لتلقي المعونات الخاصة بأبنائها الأيتام.
تعقُّد هذه المسألة وتشابكها دفعا المجلس الأعلى للقضاء الشرعي برام الله الى إصدار تعميم خلال نسيان/ أبريل الماضي، يفيد بأنه في حال لم يحضر الجد للمحكمة بعد وفاة ابنه، يحق للأم أن تتقدم بطلب الوصاية المؤقتة على الأيتام، وفي حال حضوره ورفض إعطاء حجة الوصاية للأم الحاضنة تنظر المحكمة في الأمر وتدرس الأسباب وتتحقق منها، “وهذا التعميم معمول به في محاكم القطاع” يؤكد شراب.
ويتابع قائلاً: تعامل القضاة في هذا الجانب كان عبر الحل الودي ما بين طرفي الوصاية، فيما كانت وتيرة البت في المعاملات، وما يختص بالشكاوى، وإرجاء رفع القضايا الخاصة بمحاسبة الوصي، مستمرة بعد منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2025 بعد تفعيل عمل المحاكم الشرعية.
لكن شراب يلفت الى أن جميع القضايا منذ ذلك التاريخ تواجه صعوبة للبت فيها بصورة نهائية، ولا يزال القضاة في طور دراستها وإجراء التحقيقات الإدارية، لأنها تستلزم مخاطبة الجمعيات والحصول منها على إيضاحات وكشوفات مالية رسمية ومثبتة تتعلق بنسب الصرف للوصي، مضيفاً: في وضع الحرب واجهت المحاكم صعوبة في التواصل مع الجمعيات والمؤسسات الكافلة للأيتام؛ بسبب تغيُّر عناوينها بفعل النزوح المستمر فضلاً عن انعدام اللوجستيات والشؤون الفنية والإدارية داخل تلك الجمعيات.
حلولٌ مقترحة
يستعرض شراب حلولاً لهذه المعضلات، من بينها ضرورة أن تنظر الجمعيات والجهات الداعمة للأيتام الى حجة الإعالة والحضانة للأم، وفي حال ثبت وجود الأبناء في رعاية الأم، يجب أن تُقدّم لها المساعدة بعيداً عن ولاية الجد.
يقترح شراب أيضاً في حال تعذر وجود رؤى توافقية بين الأوصياء، أن تكون الوصاية مشتركة بين الأم والجد، بحيث تُجمَّع الأموال المخصصة للأيتام في صندوق المحكمة، ثم يتم الصرف لكل يتيم عبر رقم حسابه البنكي، وذلك بالتعاون مع سلطة النقد والبنوك العاملة تحت إطارها.
ومع إشراقة شمس كل صباح في غزة اليتيمة، يفتح الأيتام أعينهم على عالم لم يعد يشبه طفولتهم، وواقع أثقل من أعمارهم الصغيرة، لكنهم على رغم ذلك يتشبثون بخيط رفيع من الأمل قد يعيد إليهم كرامتهم وحقهم المسلوب في الحياة.
إقرأوا أيضاً:












