ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

أين يختفي صوت اليمنيين: حين تحفظ الأرشفة ما تحاول الحرب إسكاته 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

استعادة الصوت اليمني تبدأ من التوثيق. كل أرشيف يحفظ أثر الانتهاك، وكل شهادة تُصان من المحو، هي خطوة في مواجهة الإفلات من العقاب. ولو كان الصوت خافتاً إلا أن على المجتمع الدولي والإقليمي الإنصات جيداً لما يقوله اليمنيين، لمعاناتهم التي تستوجب وقفة جادة لمساءلة المنتهكين جميعهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في اليمن، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً أو طارئاً، بل امتداداً يعقّد الماضي ويبتلع تفاصيل حياة الناس اليومية: البيت، المدرسة، العمل، التنقل، الخدمات الأساسية، الأمان. ومع كل موجة عنف جديدة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: أين يختفي صوت اليمنيين واليمنيات؟ من يحاول طمسه والاستحواذ عليه؟ ومن يساهم، بصمته أو انحيازه، في ذلك؟ 

لسنوات طويلة، اختُزل الصوت اليمني في أصوات القوى المتنازعة والوسطاء الدوليين، وانكمشت البلاد في ملفات الحسابات الإقليمية،. أما المدنيون، وهم من أثقلت الحرب كاهلهم، فيظهرون غالبًا كأرقام في بيانات إخبارية، لا كأصحاب حق في الحياة، لهم ما لكل شعوب العالم من حقّ في تقرير مصيرهم.

في نيسان/ أبريل 2023، برزت آمال بخروج اليمن من دوامة الحرب المفتوحة مع تقدّم محادثات السلام اليمنية – الإقليمية -الأممية، أي ما سُمّي بـ”خارطة الطريق”. على الرغم من الحذر الذي تملّك الكثير من اليمنيين، بدت هذه اللحظة مفصلية في تخيّل مستقبل مغاير. إلّا أن هذه التخيّلات بقيت ضيقة، تتكئ على توازنات لا يملك اليمنيون العاديون قرارها. ثم عادت الطائرات الحربية لتؤكد هشاشة أي مسار سلام لا يضع المدنيين في صميمه. ومع انخراط جماعة أنصار الله (الحوثيين) في المعركة الإقليمية في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ردّاً على الحملة العسكرية الانتقامية الإسرائيلية واسعة النطاق على غزة في أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023، أعادت الضربات الإسرائيلية ـ الأميركية على اليمن فرض البلاد كورقة تفاوض وممر استراتيجي، لا بوصفها مجتمعًا أتعبه التهميش. في حين تصدرت المسيرات الحوثية والأف-35 الأميركية – الإسرائيلية عناوين الأخبار ومنابر الإعلاميين والمؤثرين، غابت أصوات المدنيين ومعاناتهم، ولم يحظوا حتى ببيان اعتراف أو استنكار.  

ما تكشفه تحقيقات الأرشيف اليمني هو أن إهمال حياة المدنيين ليس تفصيلًا عارضاً، بل نمط متكرّر ومتجذّر من الاستهداف. فالأرشفة في هذا السياق ليست مجرد جمع للصور ومقاطع الفيديو أو المنشورات على منصات التواصل؛ إنها محاولة لخلق ذاكرة حقيقية وبديلة، تمنع تشويه الماضي وتحافظ على الذاكرة الجمعية للأذى الذي يتكبده الناس. بهذه المساعي، يستقرئ الأرشيف اليمني: ماذا تعني الحرب حين تُقرأ من روايات الناس، لا من بيانات أطراف النزاع بأطيافها كافة؟

بهذا المعنى، لا يقتصر الهدف من التحقيقات على إثبات أن حادثة ما وقعت في مكان وزمان محددين، بل يتجاوز ذلك إلى كشف ما تسعى لغة الأطراف المتنازعة إلى إخفائه: أن ما يُستهدف ليس “منشأة” فقط، بل حياة كاملة مرتبطة بها. فالميناء ليس مجرد مرفق اقتصادي، بل هو طريق لوصول الغذاء والدواء والوقود؛ ومحطة الكهرباء ليست مبنى عادياً، بل النور في بيت، وقدرة مستشفى على استقبال المرضى. وباستعادة هذا المعنى، يُعاد تموضع اليمني: لا كمحارب، ولا كضحية مجردة، ولا كمنتفع من برامج إغاثة، بل كإنسان له ذاكرة، وأحلام مؤجلة، وحياة عاديّة تنتزع منه عنوةً لا يبحث فيها عن حروب جديدة بل عن السلام الذي يضمن له قوت يومه وحقوقه العادلة.

في هذا السياق، وثّق الأرشيف اليمني 834 غارة أميركية في اليمن، أفادت البيانات المتاحة بأن ما لا يقل عن 123 منها استهدفت أعيانًا مدنية، من 16  آذار/ مارس وحتى 16 أيار/ مايو من عام 2025؛ إضافة إلى 40 ضربة منسوبة إلى الجيش الإسرائيلي بين عامي 2024 و2025. وقد استهدفت هذه الضربات موانئ ومطارات ومحطات كهرباء وبنى تحتية أساسية ومنازل سكنية. وبناءً على هذه البيانات، عمل الأرشيف اليمني على تحقيقات معمّقة، من بينها تحقيق حول الضربات الأميركية على ميناء رأس عيسى النفطي، حيث قُتل ما لا يقل عن 74 شخصًا، وأُصيب ما لا يقل عن 150 آخرين، من بينهم مدنيون وعناصر من فرق الإنقاذ. كما تحقق الأرشيف اليمني من غارات جوية إسرائيلية على ميناء الحديدة، وهو أحد أهم المراكز الحيوية لإيصال المساعدات الإنسانية والسلع الضرورية، بما يجعل أي ضرر يلحق به ضررًا مباشرًا بحق الناس في الغذاء والدواء والاستقرار الاقتصادي.أما الغارات الجوية الأميركية على منازل سكنية في قحزة، فقد كشفت الوجه الأكثر فجاجة لاختفاء المدنيين من حسابات الحرب، إذ أودت الضربات بحياة 13 شخصًا من عائلة واحدة، من بينهم أطفال ونساء، وإصابة ما لا يقل عن ستة آخرين، من بينهم أطفال.

لا تقف دلالة هذه التحقيقات عند حدود الوقائع التي توثقها، بل تمتد إلى ما تكشفه من نمط أوسع: مدنيون يدفعون ثمن قرارات عسكرية وسياسية لا يستطيعون التأثير عليها. اليوم وفي ظل تجدد المخاوف من انزلاق اليمن إلى جولة جديدة من الحرب مع تصاعد التوترات الإقليمية،لا يكمن الخطر فقط في حجم التصعيد، بل أيضًا في غياب أي تفويض شعبي حقيقي لهذا الانخراط. فاليمنيون لم يُستشاروا عبر مجلس نواب فاعل، ولا عبر آليات ديمقراطية، ولا عبر أي مساحة سياسية تسمح لهم بمساءلة القرارات التي تؤثر على حياتهم. من يسأل الناس عن مطالبهم؟ من يسأل العامل الذي يقلقه مصدر رزقه، أو الأم التي تخاف على أولادها، أو النازح الذي يعيش بعيداً عن بيته؟

لذلك، يعود السؤال “أين يختفي صوت اليمنيين” الى النتيجة التي تكشفها هذه التحقيقات. يختفي صوت المدنيين حين يتعامل العالم مع اليمن كملف أمني أو سياسي لا كقضية عدالة. ويختفي حين تُختزل مطالب اليمنيين في وقف إطلاق نار هش، من دون الاعتراف بحقهم في الحقيقة والكرامة والمشاركة في تقرير مستقبلهم. 

وتفتح هذه التحقيقات الباب أمام المساءلة: فهي لا تتعامل مع الانتهاكات كأحداث منفصلة تنحصر على طرف واحد من أطراف النزاع،  بل كجزء من سياق طويل من الإفلات من العقاب. ففي اليمن، تعاقبت أطراف متعددة على انتهاك حقوق المدنيين: الحوثيون، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والتحالف بقيادة السعودية، والحكومة المعترف بها دوليًا، وغيرها من الأطراف الخارجية. ولذلك، فإن التوثيق المستقل لا يخدم سردية طرف ضد آخر، بل يواجه منطق الحرب نفسه، أيًا كان المنتهك.

استعادة الصوت اليمني تبدأ من التوثيق. كل أرشيف يحفظ أثر الانتهاك، وكل شهادة تُصان من المحو، هي خطوة في مواجهة الإفلات من العقاب. ولو كان الصوت خافتاً إلا أن على المجتمع الدولي والإقليمي الإنصات جيداً لما يقوله اليمنيين، لمعاناتهم التي تستوجب وقفة جادة لمساءلة المنتهكين جميعهم.

10.07.2026
زمن القراءة: 4 minutes

استعادة الصوت اليمني تبدأ من التوثيق. كل أرشيف يحفظ أثر الانتهاك، وكل شهادة تُصان من المحو، هي خطوة في مواجهة الإفلات من العقاب. ولو كان الصوت خافتاً إلا أن على المجتمع الدولي والإقليمي الإنصات جيداً لما يقوله اليمنيين، لمعاناتهم التي تستوجب وقفة جادة لمساءلة المنتهكين جميعهم.

في اليمن، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً أو طارئاً، بل امتداداً يعقّد الماضي ويبتلع تفاصيل حياة الناس اليومية: البيت، المدرسة، العمل، التنقل، الخدمات الأساسية، الأمان. ومع كل موجة عنف جديدة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: أين يختفي صوت اليمنيين واليمنيات؟ من يحاول طمسه والاستحواذ عليه؟ ومن يساهم، بصمته أو انحيازه، في ذلك؟ 

لسنوات طويلة، اختُزل الصوت اليمني في أصوات القوى المتنازعة والوسطاء الدوليين، وانكمشت البلاد في ملفات الحسابات الإقليمية،. أما المدنيون، وهم من أثقلت الحرب كاهلهم، فيظهرون غالبًا كأرقام في بيانات إخبارية، لا كأصحاب حق في الحياة، لهم ما لكل شعوب العالم من حقّ في تقرير مصيرهم.

في نيسان/ أبريل 2023، برزت آمال بخروج اليمن من دوامة الحرب المفتوحة مع تقدّم محادثات السلام اليمنية – الإقليمية -الأممية، أي ما سُمّي بـ”خارطة الطريق”. على الرغم من الحذر الذي تملّك الكثير من اليمنيين، بدت هذه اللحظة مفصلية في تخيّل مستقبل مغاير. إلّا أن هذه التخيّلات بقيت ضيقة، تتكئ على توازنات لا يملك اليمنيون العاديون قرارها. ثم عادت الطائرات الحربية لتؤكد هشاشة أي مسار سلام لا يضع المدنيين في صميمه. ومع انخراط جماعة أنصار الله (الحوثيين) في المعركة الإقليمية في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ردّاً على الحملة العسكرية الانتقامية الإسرائيلية واسعة النطاق على غزة في أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023، أعادت الضربات الإسرائيلية ـ الأميركية على اليمن فرض البلاد كورقة تفاوض وممر استراتيجي، لا بوصفها مجتمعًا أتعبه التهميش. في حين تصدرت المسيرات الحوثية والأف-35 الأميركية – الإسرائيلية عناوين الأخبار ومنابر الإعلاميين والمؤثرين، غابت أصوات المدنيين ومعاناتهم، ولم يحظوا حتى ببيان اعتراف أو استنكار.  

ما تكشفه تحقيقات الأرشيف اليمني هو أن إهمال حياة المدنيين ليس تفصيلًا عارضاً، بل نمط متكرّر ومتجذّر من الاستهداف. فالأرشفة في هذا السياق ليست مجرد جمع للصور ومقاطع الفيديو أو المنشورات على منصات التواصل؛ إنها محاولة لخلق ذاكرة حقيقية وبديلة، تمنع تشويه الماضي وتحافظ على الذاكرة الجمعية للأذى الذي يتكبده الناس. بهذه المساعي، يستقرئ الأرشيف اليمني: ماذا تعني الحرب حين تُقرأ من روايات الناس، لا من بيانات أطراف النزاع بأطيافها كافة؟

بهذا المعنى، لا يقتصر الهدف من التحقيقات على إثبات أن حادثة ما وقعت في مكان وزمان محددين، بل يتجاوز ذلك إلى كشف ما تسعى لغة الأطراف المتنازعة إلى إخفائه: أن ما يُستهدف ليس “منشأة” فقط، بل حياة كاملة مرتبطة بها. فالميناء ليس مجرد مرفق اقتصادي، بل هو طريق لوصول الغذاء والدواء والوقود؛ ومحطة الكهرباء ليست مبنى عادياً، بل النور في بيت، وقدرة مستشفى على استقبال المرضى. وباستعادة هذا المعنى، يُعاد تموضع اليمني: لا كمحارب، ولا كضحية مجردة، ولا كمنتفع من برامج إغاثة، بل كإنسان له ذاكرة، وأحلام مؤجلة، وحياة عاديّة تنتزع منه عنوةً لا يبحث فيها عن حروب جديدة بل عن السلام الذي يضمن له قوت يومه وحقوقه العادلة.

في هذا السياق، وثّق الأرشيف اليمني 834 غارة أميركية في اليمن، أفادت البيانات المتاحة بأن ما لا يقل عن 123 منها استهدفت أعيانًا مدنية، من 16  آذار/ مارس وحتى 16 أيار/ مايو من عام 2025؛ إضافة إلى 40 ضربة منسوبة إلى الجيش الإسرائيلي بين عامي 2024 و2025. وقد استهدفت هذه الضربات موانئ ومطارات ومحطات كهرباء وبنى تحتية أساسية ومنازل سكنية. وبناءً على هذه البيانات، عمل الأرشيف اليمني على تحقيقات معمّقة، من بينها تحقيق حول الضربات الأميركية على ميناء رأس عيسى النفطي، حيث قُتل ما لا يقل عن 74 شخصًا، وأُصيب ما لا يقل عن 150 آخرين، من بينهم مدنيون وعناصر من فرق الإنقاذ. كما تحقق الأرشيف اليمني من غارات جوية إسرائيلية على ميناء الحديدة، وهو أحد أهم المراكز الحيوية لإيصال المساعدات الإنسانية والسلع الضرورية، بما يجعل أي ضرر يلحق به ضررًا مباشرًا بحق الناس في الغذاء والدواء والاستقرار الاقتصادي.أما الغارات الجوية الأميركية على منازل سكنية في قحزة، فقد كشفت الوجه الأكثر فجاجة لاختفاء المدنيين من حسابات الحرب، إذ أودت الضربات بحياة 13 شخصًا من عائلة واحدة، من بينهم أطفال ونساء، وإصابة ما لا يقل عن ستة آخرين، من بينهم أطفال.

لا تقف دلالة هذه التحقيقات عند حدود الوقائع التي توثقها، بل تمتد إلى ما تكشفه من نمط أوسع: مدنيون يدفعون ثمن قرارات عسكرية وسياسية لا يستطيعون التأثير عليها. اليوم وفي ظل تجدد المخاوف من انزلاق اليمن إلى جولة جديدة من الحرب مع تصاعد التوترات الإقليمية،لا يكمن الخطر فقط في حجم التصعيد، بل أيضًا في غياب أي تفويض شعبي حقيقي لهذا الانخراط. فاليمنيون لم يُستشاروا عبر مجلس نواب فاعل، ولا عبر آليات ديمقراطية، ولا عبر أي مساحة سياسية تسمح لهم بمساءلة القرارات التي تؤثر على حياتهم. من يسأل الناس عن مطالبهم؟ من يسأل العامل الذي يقلقه مصدر رزقه، أو الأم التي تخاف على أولادها، أو النازح الذي يعيش بعيداً عن بيته؟

لذلك، يعود السؤال “أين يختفي صوت اليمنيين” الى النتيجة التي تكشفها هذه التحقيقات. يختفي صوت المدنيين حين يتعامل العالم مع اليمن كملف أمني أو سياسي لا كقضية عدالة. ويختفي حين تُختزل مطالب اليمنيين في وقف إطلاق نار هش، من دون الاعتراف بحقهم في الحقيقة والكرامة والمشاركة في تقرير مستقبلهم. 

وتفتح هذه التحقيقات الباب أمام المساءلة: فهي لا تتعامل مع الانتهاكات كأحداث منفصلة تنحصر على طرف واحد من أطراف النزاع،  بل كجزء من سياق طويل من الإفلات من العقاب. ففي اليمن، تعاقبت أطراف متعددة على انتهاك حقوق المدنيين: الحوثيون، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والتحالف بقيادة السعودية، والحكومة المعترف بها دوليًا، وغيرها من الأطراف الخارجية. ولذلك، فإن التوثيق المستقل لا يخدم سردية طرف ضد آخر، بل يواجه منطق الحرب نفسه، أيًا كان المنتهك.

استعادة الصوت اليمني تبدأ من التوثيق. كل أرشيف يحفظ أثر الانتهاك، وكل شهادة تُصان من المحو، هي خطوة في مواجهة الإفلات من العقاب. ولو كان الصوت خافتاً إلا أن على المجتمع الدولي والإقليمي الإنصات جيداً لما يقوله اليمنيين، لمعاناتهم التي تستوجب وقفة جادة لمساءلة المنتهكين جميعهم.