في إحدى أمسيات أيلول/ سبتمبر الرمادية، احتشد جمع من السوريين، كثير منهم لاجئون أو مُبعَدون أو مُهجَّرون ذاتيًا، داخل قاعة فندق في مدينة نيويورك ليستمعوا إلى الرجل الذي يحكم اليوم سوريا التي هربنا منها، يومها كان أحمد الشرع، القائد السابق لهيئة تحرير الشام، جاء ليلقي كلمة أمام أبناء “الجالية السورية” في أميركا.
هتف الحضور عند دخوله، وصرخ أحدهم: “أنت المُحرِّر!”، وأضاف آخر: الدعوات لله، واستمر التصفيق طويلًا إلى أن صاح أحدهم في النهاية مطالبًا الحضور بالتوقّف.
على المسرح، بدأ الشرع بأحاديث مألوفة عن الوكلاء الأجانب والحاجة إلى حب سوريا التي تتعافى من ماضيها الطويل المظلم. كان التصفيق يبتلع نهاية الكثير من جمله، وفي لحظة بدا عليه الإحراج، ورفع يده وقال: “رجاءً، يكفي”. لم يكن المشهد أشبه باجتماع سياسي بقدر ما كان أشبه باستعادةٍ لحفل مطربٍ محبوب.
عندما فُتح المجال للأسئلة، توقعتُ أن أسمع الحاضرين يسألون عن مجزرة المدنيين العلويين أو الهجمات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية أو غيرها من الأحداث التي هزّت البلاد منذ إطاحة بشار الأسد، ديكتاتور سوريا. لكن بدلًا من ذلك، طلب أحدهم من الرئيس المؤقت إنشاء خط مباشر مع المستثمرين السوريين الأثرياء في الخارج. وقال آخر إنه يجب عليه إلغاء الانتخابات البرلمانية المقبلة واختيار أعضاء البرلمان بنفسه، لأنه الوحيد الذي يمكن الوثوق به. هزّ كثيرون رؤوسهم وصفقوا!
حظي السوريون أخيرًا بفرصة لإعادة تعريف علاقتهم بالسلطة، لتخيّل رئاسة ليست عرشًا. لكن داخل تلك القاعة، ردود الأفعال بدت مألوفة على الفور. رأيت مثلها تتكرر في سوريا هذا العام أيضًا، تتجلى برغبة عميقة في إعلان الولاء للسلطة، في الاحتفاء بمن يحملها. وجدت نفسي أطرح السؤال ذاته الذي راودني مرارًا خلال الأشهر الماضية: لماذا يستمر السوريون في العودة إلى أنماط الديكتاتورية التي قُتلنا هربًا منها؟
جاء سقوط الأسد قبل عام واحد بعد 54 عامًا من حكم عائلة الأسد. والده، حافظ الأسد، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب، بنى سلالة راسخة، الى درجة أن كثيرين ظنوا أنها ستعيش أطول منا جميعًا — وقد عاشت أطول من كثير منا فعلًا. لأكثر من عقد بعد الانتفاضة الشعبية ضد النظام عام 2011، سحق الأسد محاولات المعارضة بالاعتقال الجماعي، والقصف الجوي، والهجمات الكيماوية، وتدمير مدنٍ بكاملها.
لم يبقَ الأسد في السلطة فحسب، بل بدا أيضًا أنه يقترب من إعادة التأهيل الدولي. لكن حين أعاد حلفاؤه، خصوصًا روسيا، ترتيب أولوياتهم، وحين قامت هيئة تحرير الشام — التي كانت واحدة من آخر الفصائل المسلحة الباقية بعد سنوات من الحرب — بهجومها الكبير في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لم يقف أحد في وجهها.
أمتلك شخصياً، أسباباً كثيرة لأشكّ في ما سيأتي، فأنا أعرف تاريخ هيئة تحرير الشام، وهي فصيل كان سابقًا تابعًا لتنظيم القاعدة، وغطّيتُ صحافيًا مناطق خضعت لسيطرتهم. احتجزت الجماعة مدنيين وعذبتهم وأعدمتهم. وأسكتت أشخاصًا فشل حتى أمن الأسد في إخضاعهم. بالنسبة إلي، كانت الهيئة واحدة من القوى التي سحقت ما تبقى من انتفاضة عام 2011.
لكن في شتاء العام الماضي، وأنا أشاهد مقاطع فيديو لعائلات تتجوّل داخل مكاتب مهجورة بحثًا عن أثر لأبنائها وإخوتها، وأرى الدليل الحي على جرائم الأسد يخرج إلى الضوء مُغمض العينين، وضعت شكوكي جانبًا. من تسبّب في رحيل الأسد — حتى لو كان الشيطان نفسه — يستحق فرصةً، أي شخص عوضاً عن الأسد، سيكون تحسنًا.
لفترة من الزمن، أصبحت سوريا — بالنسبة الى أولئك منا الذين لم يعرفوها إلا كدولة بوليسية — غير قابلة للتعرّف. ردد الأصدقاء أحاديث كانت تُهمس سابقًا، وأصبحت الآن تُقال بصوتٍ عالٍ. حصل الصحافيون والباحثون الأجانب على حريات جديدة وهشة. عادت منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني المنفية لإقامة ورشات عمل، بدأت النقاشات حول المستقبل الذي تطمح إليه.
عاد أشخاص ظنّوا أنهم لن يروا سوريا مجددًا إلا في كوابيسهم، ليجدوا أن الحياة استمرت من دونهم. بكوا عند قبور أمهاتهم؛ تعرفوا على أبناء إخوتهم وبناتهم الذين أصبحوا اليوم بالغين. بدا كل شيء غير مرتبط بالواقع، الى درجة أن الناس أطلقوا على تلك الفترة اسم “أحلام بعد الظهر”.
لكن بعد نشوة البداية، تسللت الحقيقة تدريجيًا. أصبح واضحًا أن مستقبل البلاد لن يعتمد فقط على من يحكم الآن. فإزالة حاكم شيء، أما إزالة عادات عمرها نصف قرن فشيء مختلف تمامًا.
انتشرت مقاطع فيديو على الإنترنت لواجهات محال وزجاج سيارات وبوابات مدارس مغطاة بصور الشرع. أماكن وأناس لم يعرفوا سوى السلطوية لمدة خمسة عقود، كانوا، بشكل انعكاسي، يلتصقون بتجسيد السلطة الجديد.
إقرأوا أيضاً:
ظهر ذلك الانعكاس أيضًا بطريقة مختلفة لدى بعض ممن عانوا تحت حكم الأسد. فخلال شهر من سقوطه، ظهرت مقاطع غير موثّقة يُزعم أنها تُظهر مقاتلين موالين للحكومة الجديدة يُهينون جنودًا من قوات الأسد، الذين كان الشرع قد وعدهم بالعفو. أجبروهم على الركوع والنباح — ليُذلّوهم بالقسوات الصغيرة المتعمدة نفسها، التي ميّزت فروع أمن الأسد.
ثم في أوائل آذار/ مارس، بدأ العنف في الساحل السوري، ذي الغالبية العلوية، بعدما نصب موالون للأسد كمينًا لقوات أمنية تابعة للحكومة المؤقتة. وفي أعقاب ذلك، نفذت القوات الموالية للحكومة الجديدة عقابًا جماعيًا بافتراض الذنب بناءً على الطائفة: اقتحمت منازل، واتهمت رجالًا علويين بالولاء للنظام أو بالتعاون معه، وأعدمت بعضهم على عتبات منازلهم بينما كانت أمهاتهم يتوسلن للمقاتلين. قُتل مئات المدنيين في أعمال عنف طالما ارتبطت بأسوأ مجازر النظام، وقد أعيد تمثيلها الآن على يد من أطاحوه.
ورَدًّا على ذلك، وجدت الكثير من منظمات المجتمع المدني العائدة نفسها تقوم بما كانت تفعله من بعيد لسنوات: توثيق العنف والدفع نحو المساءلة. حتى عندما اعترف الشرع بأن “كثيرًا من الانتهاكات وقعت”، لجأ بعض الصحافيين — ممن بدأوا مسيرتهم بتوثيق فظائع الأسد — إلى سيناريو مألوف آخر: أصروا على أن عمليات القتل مجرد تلفيقات غربية تهدف إلى تشويه صورة الرئيس، مستخدمين عبارات يمكن أن تكون منسوخة من دليل النظام. بدا وكأن أدوات النظام تسللت إلى عقول الذين كانوا سابقًا ضحايا دعايته. ربما كان تكرار خطاب النظام من الداخل يبدو لهم نوعًا من الانتصار.
بعد نحو أسبوع من القتل على الساحل، أحيت الحكومة المؤقتة الذكرى الرابعة عشرة لشرارة انتفاضة 2011 الأولى باحتفالات عامة. شاهدت مقاطع فيديو يتداولها الناس لجماهير تتجمع في الساحات، تغني وترفع الأعلام، وشعرت بانزعاج مألوف لا يُحتمل. كانت العائلات انتهت بالكاد من دفن قتلاها في جنازات صامتة مسرعة عند الفجر، خوفًا من أن يُثير الاعتراف بموت واحد موتًا آخر. ورؤية الحشود تحتفل أعادت إلى الذاكرة مسيرات التأييد للأسد في دمشق بينما كانت مناطق أخرى تعدّ ضحاياها.
لا شك في أن سوريا اليوم في وضع مختلف وأفضل مما كانت عليه قبل عام. الشرع حريص على إعادة تأهيل البلاد على الساحة الدولية. حكومته رحبت بعودة منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان المستقلة، وفتحت الأبواب للصحافيين الأجانب للمرة الأولى منذ سنوات. لكن هذه التحولات المهمة تتعايش مع إخفاقات أخرى. فقد بدأت أوليغارشية جديدة تتجمع حول الرئاسة. وتم تمكين شخصيات عسكرية سابقة، بعضهم خضع لعقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.
فما الذي يتطلبه الأمر حقًا لإعادة إنبات بلدٍ كامل؟ عندما غادرتُ الفعالية في نيويورك في أيلول/ سبتمبر، كنت مثقلة ومشوّشة. ثم حدثت لحظة فهم. من السهل تخيّل أن سقوط ديكتاتور كافٍ ليجلب فجرًا جديدًا. بعد سنوات من الحرب والعنف، يتوق السوريون إلى حياة طبيعية بشدة، الى درجة أن أي بديل عن الأسد يبدو خلاصًا.
لكن هذا التوق هو موضع الوهم. لا يزال أمامنا الكثير من العمل. تستحق سوريا تقييمًا يُبنى على ما يمكن أن تصبح عليه، لا على ما توقفت فقط عن أن تكونه. رحل الأسد، لكن الطاعة والانتهازية، وردود الفعل، والمخاوف، وعبادة القائد الأوحد — أدوات بقاء نظامه — لا تزال متجذّرة في الذاكرة العضلية لجيل كامل.
نُشر هذا النص بالإنكليزية في صحيفة نيويورك تايمز.











