خاضت المصرية أمل عبد الحميد حربًا قانونية ومجتمعية لتنجح في إثبات نسب ابنتها بعد نجاتها من جريمة اغتصاب. فقد قضت محكمة استئناف المنصورة، في أيار/ مايو الماضي، في الحكم رقم 9829 لسنة 75 قضائية أسرة، بإثبات نسب طفلة ناتجة من حادث اغتصاب إلى والدها البيولوجي، وقيد الصغيرة في سجل المواليد بناءً على تحليل البصمة الوراثية.
قبل هذه القضية، كانت أحكام القضاء ترفض نسب أبناء الاغتصاب، استنادًا إلى قاعدة دينية قوامها “الولد للفراش”، المستندة إلى الحديث النبوي: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”، أي أن ابن الزنا لا ينبغي أن يُنسب إلى أبيه.
لكن أهمية هذا الحكم لا ينبغي أن تحجب إشكالية أوسع في المنظومة القانونية والفقهية المتعلقة بالنسب. فقاعدة “الولد للفراش”، حين تُستخدم لمنع الطفل من الانتساب إلى أبيه البيولوجي على رغم إمكانية إثبات الأبوة علميًا، تثير سؤالًا حقوقيًا حول التمييز بين الأطفال بحسب ظروف ولادتهم أو طبيعة العلاقة بين والديهم، وهي ظروف لم يكن للطفل أي دور فيها.
ومن منظور حقوق الطفل، لا يجوز أن يتحمل الطفل تبعات الاغتصاب أو العلاقة خارج الزواج بحرمانه من اسمه أو نسبه أو حقوقه المدنية. كما يجب التمييز بين إثبات النسب وبين حق الطفل في التسجيل والهوية القانونية؛ فالحصول على شهادة ميلاد والقيد في السجلات الرسمية حق قائم بذاته، ولا ينبغي أن يظل معلّقًا على نجاح الأم في دعوى إثبات الأبوة أو على وضعها الزوجي.
من هنا، لا تكمن أهمية الحكم فقط في استثناء أبناء الاغتصاب من تطبيق جامد لقاعدة “الولد للفراش”، بل في إعادة طرح السؤال حول مدى توافق قواعد النسب نفسها مع مبدأ المساواة وعدم التمييز ومصلحة الطفل الفضلى.
كيف بدأت قصة أمل؟
بدأت المأساة عندما تعرضت أمل، التي تعيش في إحدى قرى محافظة الدقهلية، لحادث خطف واغتصاب في عام 2018 في سن الثامنة عشرة على يد شخص رفضت خطبته، فقرر تدمير حياتها، إذ تعمد ملاحقتها وتعقبها بل وتهديدها مرات عدة، ثم خطفها وضربها واعتدى عليها جنسياً. ليتحول مسار حياتها، وتلد طفلة بلا هوية، ولا شهادة ميلاد، ما يهددها بالحرمان من الالتحاق بالمدرسة في ما بعد ومن حقوقها أيضاً.
انتقلت أمل بعد الحادث إلى “عين شمس” في القاهرة، إلى أعمامها، ليتولّوا أمرها. واقترح عليهم أن يتزوّجها المعتدي نفسه، فضربها الأعمام وأجبروها على الزواج من شخص لا تعرفه، من دون علم أبيها وأمها، إلى أن استطاعت أمها تخليص ابنتها منهم عن طريق الشرطة.
عادت الأم والبنت إلى قريتهما الصغيرة في الدقهلية، لتكتشف البنت حملها، نصحهما الطبيب الذي كشف عليها بأن يتوجّها الى الشرطة، وأن يذهبا الى المأمور في مركز أجا لتحكي البنت له ما حدث. وبالفعل، قامت بعمل محضر وعُرضت على النيابة، ثم على الطب الشرعي الذي أثبت الاعتداء، بعدها واجهت القضية سلسلة من الرفض وحُفظت دعوى الاغتصاب ورُفضت دعوى إثبات النسب. وعندما يئست أمل، صوّرت فيديو ونشرته على موقع فيسبوك، واعترفت خلاله بأنها “ولدت بنت عن طريق الاغتصاب”، مناشدة أي شخص يستطيع مساعدتها في إثبات نسب ابنتها وأيضاً عقاب الجاني، إلى أن قرر النائب العام فتح القضية مجدداً بعد ظهور أدلة جديدة.
استند الحكم إلى تحليل البصمة الوراثية، بتطابق الحمض النووي المستخلص من دماء الطفلة مع الحمض النووي المستخلص من دماء الأم والأب، وهو يعد من الوسائل الحديثة القانونية التي يمكن اللجوء إليها في إثبات نسب الطفل.
كذلك، استند الحكم إلى فتوى لهيئة كبار العلماء بالأزهر بأن القاعدة الفقهية “الولد للفراش” لا ينبغي أن تؤخذ ذريعة لرفض نسب طفل ناتج من حادث اغتصاب، فقد جاءت بالأساس لحفظ الأنساب داخل مؤسسة الأسرة.
وعلى رغم جسارة أمل، وتحمّلها هذه المعركة الصعبة في سن صغيرة، بخاصة في بلدة ريفية في دلتا مصر، تبقى عاجزة كيف ستخبر ابنتها الصغيرة عما حدث، وكيف ستعيش حياتها بكل هذا الألم. أما الأب البيولوجي فكان عقابه على تدمير حياة أمل سنة واحدة فقط لكون عمره حينها لم يتجاوز الـ15 عاماً.
تحمل القصة الكثير من أشكال العنف المتداخلة، وقد بدأت بتعقّب وملاحقة من شخص رفضت خطبته، ولم يستطع أحد ردعه أو حمايتها منه، ثم حادث اغتصاب، ثم إجبار أعمامها لها على الزواج من شخص لا تعرفه كي “يداروا على الفضيحة”، واستمرار الجاني وأهله في التواصل معها ومع والدتها لتهديدهما بخطف البنت وقتلها إذا ما استمرّت في طريق التقاضي.
واضطرت أمل إلى حكي قصة اغتصابها مئات المرات على وسائل التواصل الاجتماعي وفي البرامج التلفزيونية، وتحمّل أسئلة سخيفة من الإعلام عن كيف حدث ولماذا حدث: لماذا لم تصرخي حينها؟ لتعود إلى الذكرى الصادمة مرارًا وتكرارًا، على أمل أن تحصل على حق ابنتها في شهادة ميلاد وحق قانوني.
لم تكمن القصة في الحق الطبيعي لأي طفل في الحصول على هوية وشهادة ميلاد بل في سبب تعرّضها للاغتصاب وكيف اضطرت الى تخوض معركة شرسة لإثبات حق بديهي لطفلتها.
أما أمل فتظل بلا حقوق، وهي التي حُرمت من حياة طبيعية حين كانت لا تزال طفلة وتعرّضت للاغتصاب، فتركت تعليمها بعد الحادث لأنها، كما قالت، “بنتها أبدى”، واضطرت إلى مواجهة مستقبل مجهول فرضه عليها الجاني، وساعده فيه مناخ يطبع مع كل أشكال العنف ضد النساء.
في مصر لا توجد إحصاءات رسمية لنسب جرائم الاغتصاب، لكن تشير تقديرات إلى أن بلاغات الاغتصاب سنوياً تصل إلى 20 ألف حالة، وبالتأكيد لا تستطع كل الناجيات من الاغتصاب التبليغ بسبب صعوبته، ومواجهة وصم المجتمع.
إقرأوا أيضاً:
الرضا والإكراه في القانون المصري
يعرّف القانون الجنائي الاغتصاب بأنه مواقعة أنثى من دون رضاها، ويعاقب الجاني بالإعدام أو المؤبد. وجاءت حيثيات حكم نسب الطفلة لتشرح الفرق بين الاغتصاب و”الزنا”، موضحةً أن هناك اختلافًا فقهيًا وشرعيًا بين الاغتصاب والزنا.
وجاء في نص الحكم أن “الغصب هو أخذ الشيء ظلمًا”، وفرّق العلماء في الشريعة الإسلامية بين الاغتصاب والزنا من حيث الموافقة والإكراه؛ فالزنا جريمة تتم بموافقة الطرفين، أما الاغتصاب فهو زنا بالإكراه، أي إنه يتم بغير رضا الأنثى، وتُكره عليه غصبًا تحت تهديد السلاح والقوة. ويجب أن يكون عقاب القاضي للمغتصب أشد من عقوبة الزنا، لأن عقوبة الزنا حق لله، وحقوق الله مبنية على التسامح، بينما الاغتصاب فيه حق لمخلوق، وهو المرأة المغتصبة، ويجب أن يُشدّد فيه.
يبدو الفارق بين الاغتصاب و”الزنا” ملتبساً، وقد احتاج الحكم الى شرحه، لأنه كما قالت والدة أمل في إحدى اللقاءات التلفزيونية: “احنا مبنعرفش نخرج من البيت كل الناس مفكرة إن بنتي عملت كده بمزاجها”. فقد بات على الفتاة الناجية إثبات براءتها أمام أهل القرية وأمام الناس. وجاء الحكم ليبرّئ الطفلة، قائلًا إن ثبوت النسب حق أصيل للأم، لتدفع عن نفسها تهمة الزنا أو أن تُعيّر بولد ليس له أب معروف.
لكن الحاجة إلى هذا التفريق تكشف بدورها مشكلة أعمق في القوانين والمفاهيم التي ما زالت تتعامل مع العنف الجنسي من خلال موروث أخلاقي يضع “الزنا” و”الاغتصاب” داخل الحقل نفسه، بدلًا من الانطلاق من مفاهيم حديثة أساسها الرضا، والاستقلال الجسدي، وحرية النساء في تقرير ما يحدث لأجسادهنّ.
فحين تُبنى القوانين أو تفسيراتها على تصنيفات جامدة موروثة، لا تبقى المسألة نقاشًا فقهيًا مجردًا، بل تتحول إلى قواعد تؤثر مباشرة في حياة النساء وحقوقهنّ وقدرتهنّ على الوصول إلى العدالة. المطلوب حقوقيًا هو أن يكون غياب الرضا والإكراه محور تعريف جرائم العنف الجنسي، لا الحكم الأخلاقي على طبيعة العلاقة الجنسية أو الوضع الاجتماعي للمرأة.
الإجهاض في القانون المصري
ربما ما ينبغي فعله بعد التعرض لجريمة اغتصاب هو إجراء تحليل للأمراض المنقولة جنسياً وتناول حبوب منع الحمل الطارئة على الفور، والبحث عن مساعدة نفسية، أو مؤسسة لمساعدة الناجيات من الاغتصاب. لكن حياة أمل وحياة معظم النساء في مصر ليست بهذه البساطة. لم يكن أمامها خيار الاحتفاظ بالجنين أو التخلّص منه؛ إذ يجرّم قانون العقوبات المصري الإجهاض، ولا يبيحه لأي سبب، حتى في حالات الاغتصاب واغتصاب المحارم. فتتحمّل النساء عذابًا مضاعفًا: حمل طفل من مغتصب سيذكّرها دائمًا بحادث مأساوي.
ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن مصر من أكثر الدول التي تقيد حق الإجهاض، وتعاقب من تلجأالى الإجهاض القصدي تبعاً للمادة 262 من قانون العقوبات، طبقاً لقانون صدر في ثلاثينات القرن الماضي محاكاة للقانون الفرنسي آنذاك. وفي حين تغيرت كل القوانين في العالم تأبى مصر إلا أن تحتفظ بهذا القانون. وترى مؤسسة قضايا المرأة المصرية ضرورة إصدار قانون يبيح الإجهاض في حالات الاغتصاب وزنا المحارم لأن إجبار الناجيات على الاستمرار في حمل ناتج من اغتصاب هو شكل من أشكال التعذيب النفسي والجسدي، ويكرس سيطرة المجتمع على أجساد النساء بدلاً من حمايتهن. فيجب على الأقل أن يُترك لهم الخيار.
حرب قضائية طويلة
حرب أمل هي مسار طويل بدأته نساء مصريات لإثبات نسب أطفالهن بعد تنكّر آبائهم له، بدايةً من قضية المطربة “فاطمة سري”، أول قضية نسب في التاريخ (1925-1926) وزواجها من محمد شعراوي، ابن القيادية النسائية المعروفة هدى شعراوي، الذي تزوج بها سراً وأنكر طفلهما لاحقاً، حتى نجحت في نسب ابنتها لشعراوي بعد خمس سنوات من التقاضي. حرب قانونية ومجتمعية، خاضتها النساء المصريات باختلاف طبقاتهم ومواقعهم وباختلاف اللحظة الزمنية، وتحملن الوصم، والخذلان، والشعور بالعار، وطول مدة التقاضي.
قد يفتح هذا الحكم بابًا أمام أبناء الاغتصاب للحصول على اسم وهوية، لكن ينبغي أن نعرف كيف نحمي النساء من تعقّب المعتدين وملاحقتهم وتهديداتهم، في ظل طوفان العنف الموجّه ضد النساء في مصر، وأن نسأل المؤسسات التنفيذية أن تأخذ شكاوى النساء من العنف بجدية أكبر، قبل أن تتحول الملاحقة إلى اعتداء جنسي أو قتل.











