صور إحراق قبر حافظ الأسد في القرداحة في اللاذقية، تضع المرء أمام معضلة أخلاقية مرتبطة بحرمة الموتى والقبور. ومع أن الغضب السوري الذي أشعل النار بالضريح، المبالغ في حجمه وفخامته، مفهوم ومنطقي، إلا أن الفكرة بذاتها، وعلى رغم تكثيفها الرمزي الكبير، وبسبب ثقل القيم البشرية والدينية المتوارثة المرتبطة بخصوصية الموت وهيبته، تجعل العقل حائراً أمام صور النار وهي تلتهم الضريح انتقاماً من صاحبه المسؤول عن قتل الآلاف وتعذيبهم وقمعهم.
لكن القبور في السياسة مسألة لطالما حملت هذه الإشكالية، خصوصاً عندما تكون قبوراً لزعماء إشكاليين، أو طغاة متجبّرين، أو إرهابيين عالميين. فصدام حسين مثلاً، دُفن في مسقط رأسه بعد إعدامه، وكاد قبره في مراحل من التوتر الطائفي في العراق أن يتحول محجاً للبعثيين والطائفيين المُترحمين على أيامه ومريدي حمايته حتى في موته.
لكن القبر، وبسبب التاريخ الدموي لمن يرقد فيه، تحوّل أيضاً إلى هدف للاعتداء، كنوع من الانتقام من الرخام، بعدما عجز الموت نفسه عن تقديم عدالة للضحايا.
بيد أن الاعتداء الأبرز والأكثر تنظيماً الذي تعرض له ضريح صدام كان في العام 2014 حينما أقدمت ميليشيات طائفية على إحراقه، ما اضطر أبناء عشيرة صدام إلى نبش عظامه وجمع رفاته وإخفائها في مكان سرّي، ليس معروفاً حتى اليوم. ولم تخل خطوة إحراق قبر صدام حينذاك من أجندات لإثارة النعرات، أكثر من كونها مسألة انتقام من الطاغية، الذي حوكم وأُعدم بطريقة مستفزة في صبيحة عيد الأضحى.
ولا مناص من استحضار أمثلة أخرى، لدى الحديث عن قبور السياسيين المكروهين أو المتورطين بقضايا إرهاب وقمع وقتل، لفهم أعمق لرمزية القبور وحساسيتها في هذا المجال.
أدولف هتلر مثلاً ومديرة مكتبه إيفا براون أحرقت جثامينهما بناء على تعليمات هتلر نفسه بعد سقوط الرايخ الثالث، لاحقاً قام السوفييت بأخذ الجثمان لكن هذه الحادثة بالذات بل حتى انتحار هتلر نفسه تحيط به نظريات مؤامرة عديدة، منها فرار هتلر وبراون إلى أمريكا الجنوبية!
كذلك، دمّر عناصر من الاستخبارات الروسية في العام 1970 أي أثر للجثتين في تلك المقبرة. وكان قرار إزالة أي أثر يذكّر بهتلر مدفوعاً بالخوف من تحوّله إلى مزار يعيد إحياء أفكاره النازية التي يفترض أن تكون احترقت ودُفنت ثم أُتلفت معه.
هذا الأمر نفسه اعتمده الأميركيون مع جثة أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، بعد قتله، عبر رميها في البحر، حتى لا يكون له شاهد أو ضريح، وحتى لا يصير لأكثر الارهابيين شهرة في التاريخ الحديث، محجّ لمريديه ومحبيه المتطرفين، وحتى لا يثير وجوده في المقابل حساسية ضده من ضحايا إرهابه حول العالم.
معضلة شبيهة واجهت حزب الله مع قتل أمينه العام حسن نصرالله في أيلول/ سبتمبر الماضي، وامتناع الحزب عن تشييعه حتى اللحظة، وترك جثته مدفونة كوديعة في مكان سرّي إلى حين التشييع لأسباب أمنية أولاً، وأسباب تتعلق باللحظة السياسية التي تمثلها مواراة نصرالله في الثرى، بما تعنيه من دفن لنفوذ إيراني كبير في المنطقة.
ليس شائعاً أن يتعرض قبر لشخص لم يؤذ أحداً ولم يقمع أحداً ولم يقتل أحداً، للاعتداء أو التخريب. هذا الأمر نادر، إلا في حالات الانتقام، كما كان يفعل بعض عناصر جيش الأسد! لكن أيضاً قد تقع قبور لأناس أبرياء ضحية همجية، كما حدث مع مقابر عدة قصفها الجيش الإسرائيلي ونبشها بالصواريخ.
لكن في غالبية الحالات يحفظ البشر للموت هيبته واحترامه، ولا داعي للاعتداء على قبور الجلادين انتقاماً للضحايا. فالضحايا قادرون دائماً على ألا يسمحوا لجلاّديهم بأن يرقدوا بسلام. وفي حالة “الأب القائد” السوري “المقبور”، فإن هتاف “يلعن روحك يا حافظ”، الذي قيل في الشوارع منذ 2011 وفوق قبره، ربما كفيل بأن ينغّص النوم “الأبدي” للديكتاتور البائد إلى… الأبد!
إقرأوا أيضاً:













