مع دخول الحرب بين إسرائيل وإيران يومها الخامس، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطوة مفاجئة؛ كون بلاده غير متورّطة مباشرة في هذه الحرب، إنذاراً بالإخلاء الفوري إلى سكّان العاصمة الإيرانية طهران، مستعيراً مهمّة توجيه الإنذارات وأوامر الإخلاء من ضابط الإعلام الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الذي يعرفه اللبنانيون.
“كلّ شيء يتعلّق بإيران يبدو مختلفاً عما يتعلّق بلبنان، حتى الإنذارات”، هذا ما قالته لي صديقتي الإيرانية ساخرة: “نحن يهدّدنا ترامب نفسه، أما أنتم فيهدّدكم ضابط عادي في الجيش الإسرائيلي”، على رغم أن أدرعي سبق أن أنذر سكّان المنطقة 3 في طهران بالإخلاء قبل يوم من إنذار ترامب.
على رغم الصدمة التي أحدثها إنذار ترامب، لم يصدر عن السلطات الإيرانية أي نوع من التطمينات لتهدئة مواطنيها، كما أنها لم تعلن عن أي خطّة إخلاء أو توجيهات، كلّ ما سمعه المواطنون المذعورون هو المزيد خطابات البطولة الفارغة! حتى إن بعض المسؤولين دعا الناس إلى ملازمة منازلهم، لأن ترامب بنظره لا يتجرّأ على فعل شيء!
لكن من يصدّق الإيرانيون في هذه الحال؟ هم مثلنا يتعاملون مع الإعلام الإسرائيلي بكثير من الجدّية، عند صدور أوّل أمر إخلاء من ضابط إسرائيلي يتحدث الفارسية وكذلك من أدرعي، خلت المنطقة المهدّدة بالكامل من سكّانها، على رغم أن السلطات حينها حاولت إقناع الناس بأن الأمر مجرّد تهويل، حتى أن بعض رجال الأمن حاولوا عرقلة حركة النزوح، كي لا تعكس صورة غير مناسبة عن النظام، “حتى الخوف هنا ممنوع، يريدوننا أن نكون أبطالاً أسطوريين بالقوّة، ونحن لا تجربة سابقة لنا مع الحروب” تضيف صديقتي.
وتتابع: “صحيح أن بلادنا دخلت في حرب 8 سنوات مع العراق، لكنّ الجبهة كانت بعيدة جدّاً عن طهران، وحين اشتعلت حرب المدن كانت الطائرات العراقية تصل منهكة إلى سماء طهران، بالكاد تُفرغ حمولتها عشوائياً ثم تعود، عدا أن الطيارين العراقيين كانوا يحافظون على ارتفاعات شاهقة اتقاء للمضادات الأرضية”.

“هذه الحرب عبارة عن أصوات جهنمية”، يصف شهرام الكاتب والصحافي السياسي، الذي أمضى عشر سنوات من عمره في سجن إوين، أجواء الحرب في طهران، وعن الإخلاء يقول: “أنا باقٍ وأسرتي هنا لم نغادر ولن نغادر”، تعلّق زوجته بسخرية لطيفة: “ليست هناك إمكانية للمغادرة أصلاً، نحن محاصرون، هناك على الأقل 8 ملايين طهراني يُخلون بيوتهم الآن، وأنت تعرفين طهران، هي مدينة مزدحمة من دون حرب”.
على رغم الذعر الذي شكّله إنذار ترامب، هناك عائلات كثيرة قرّرت البقاء في منازلها، مثل عائلة شهرام، أما القسم الأكبر من سكّان طهران ففضّل الإخلاء فوراً، تُظهر الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بعد شيوع خبر الإنذار، أن طهران قد تحوّلت إلى كتلة معدنية ضخمة تتحرّك في الوقت نفسه، كلّ الشوارع والساحات والجسور والأزقّة تغصّ بالسيارات العالقة، والزحمة تغلق جميع مخارجها ومداخلها. لا شبكة الطرقات ولا وسائل النقل المتعدّدة قادرة على استيعاب جموع الهاربين، وهناك عائلات قررت الخروج مشياً على الأقدام…
“هل تتخيّلين الناس يهربون مشياً على الأقدام، أطفال ومرضى ومسنون، في طهران المترامية الأطراف، الواسعة، الوعرة، ليصلوا إلى الأمان؟” تحدّثني ميترا وهي تبكي، وتسألني كيف كنّا في بيروت نتعامل مع إنذارات أدرعي.
منازل طهران الآن أصبحت شبه خالية، لكن الناس عالقون في الشوارع، ويتدفّقون من كلّ الاتجاهات وصوب كلّ الاتجاهات، يخرجون جماعات وأفراداً حاملين ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، منهم من يعود إلى المدينة أو المنطقة التي أتى منها، ومنهم من يخرج إلى القرى المحيطة بطهران، مثل: لواسان وآفتاب وأسد آباد وأفجه ورندان وشكراب وآهار، أو باتجاه مدينة كرج، أو مناطق مازندران في الشمال.
طهران هي المدينة الأكثر اكتظاظاً في إيران، أصبحت العاصمة في عهد القاجار، السلالة الملكية التي حكمت إيران قبل البهلوية، وبحسب آخر الإحصاءات يبلغ عدد سكّانها ليلاً 10 ملايين شخص، ويتدفّق إليها نهاراً ما يفوق نصفهم، وهي أكبر تجمّع للناطقين بالفارسية في العالم وللناطقين بالتركية بعد اسطنبول، وتقسم إدارياً إلى 22 منطقة، وذات طبيعة جغرافية وعرة، في الشمال تقوم على منحدرات جبال ألبرز نزولاً نحو السهل في الجنوب.
وعورتها أتاحت لأهلها ملاذات آمنة للاختباء من الغزاة، وطهران في إحدى ترجماتها تعني “تحت الأرض”، لكنّها حالياً تفتقد معنى الملجأ، لا توجد فيها ملاجئ ليختبئ فيها أهلها من الغزاة الجدد، وهذا ما اعترف به رئيس مجلس شورى المدينة مهدي جمران، الذي دعا الناس في بداية الهجمات إلى الاختباء في أنفاق المترو.

تشتهر طهران بأنها تحوي أطول جادّة في الشرق الأوسط التي يسمّيها الثوريون ولي عصر والملكيون بهلوي والقوميون مصدّق وقصور غولستان وشهريار ونياوران وغيرها، والسفارة الروسية التي عُقد فيها سراً ما عرف لاحقاً بـ”مؤتمر طهران” الذي جمع تشرشل وروزفلت وستالين في 1943، وبرج آزادي أو شهياد الذي صمّمه المهندس المعماري حسين أمانت المقيم في كندا حالياً هرباً من حكم الملالي.
أما أشهر معالمها اليوم فهو سجن إوين، الذي تغيب خلف جدرانه نخبة المفكّرين والمثقّفين المعارضين، كذلك شوارعها التي شهدت أكبر عدد من الثورات في العالم في العصر الحديث، من الثورة الدستورية حتى الثورة النسائية “زن زندكي آزادي” التي اندلعت عقب مقتل الشابّة الكردية مهسا أميني، والتي تشهد منذ خمسة أيّام مجزرة مستمرّة بحقّ المدنيين، تُوجّت بأمر الإخلاء الصادر عن ترامب.
يبقى أمر الإخلاء هذا على رغم ما أثاره من رعب، خبراً غير جديد بالنسبة الى سكّان طهران، ذلك أن الدولة نفسها اقترحت أكثر من مرّة إخلاء العاصمة، لأسباب غير حربية طبعاً.
فطهران تعاني أزمات معقدّة ومستعصية، لم يعد بالإمكان احتوائها، مثل الازدياد السكاني المفرط بسبب موجات النزوح المستمرّة نحوها، والتلوّث الحادّ، والزلزال الذي يشكّل كابوس سكّانها الأول.
فمن المعروف أن طهران معرّضة للكثير من الكوارث الطبيعية على رأسها الزلازال، فهي بحسب المسوحات الجيولوجية الرسمية تقوم فوق الكثير من الصدوع والفوالق الزلزالية، وقد دفع الاستهتار بهذه الحقيقة تجّار البناء إلى تشييد مناطق وأحياء سكنية وشقّ طرقات وبناء جسور فوق صدوع زلزالية معروفة.
ويشكّل احتمال وقوع زالزال مدمّر هاجساً حقيقاً لسكّان طهران، وقد ازداد في العقد الأخير، بعد انتشار معلومات عن حركة زلزالية نشطة، وهناك من يضيف إلى هذا الهاجس قلقاً من أنه سيكون مدمّراً ويتعدّى الـ 8 درجات.
هذا القلق لا ينسحب على مجلس بلدية طهران “الذي لا يجيد إدارة الكوارث”، كما يقول السكّان، وهم يعتقدون أنه في حال شيوع أي نوع من الفوضى في طهران سواء بسبب الزلزال أو غيره، فإن أعداد القتلى بسبب التدافع ستكون أعلى من أعداد القتلى بسبب الكارثة.
الأزمة الأخرى التي تعاني منها طهران، هي مسألة نقل العاصمة الإدارية، فلطالما طرحت الحكومات المتعاقبة هذه الفكرة، لتخفيف مركزية طهران التي أصبحت عبئاً عليها، وحلّ أزماتها الأمنية واختناقاتها المرورية وتلوّثها، وغالباً ما عارضها البرلمان بحجّة أنها تحتاج إلى ميزانية ضخمة غير متوافرة الآن.
وفي العقد الأخير ازداد نموّها أضعافاً، وتوسّعت طهران الكبرى إلى حدّ الانفجار، وساءت بالتالي خدماتها بشكل أكبر، وتحوّلت إلى طهرانين، شمال غني يتمتّع بالخدمات وفيه مساحات خضراء ومناطق ترفيه وسياحة، وجنوب فقير تتركّز فيه أزمات التلوّث وزحمة السير والأمراض.
إنذار ترامب بإخلاء طهران فوراً، وضع ضغطاً إضافياً على النظام الإسلامي، الذي يعاني أصلاً من حالة من القصور في الاستجابة للحرب على الصعيد اللوجستي كما على الصعيد العسكري، وكشف الصورة الزائفة الذي روّج لها عن قوّته وجبروته في الداخل والخارج.
وفي هذا الوقت هناك 10 ملايين إنسان هائمون على وجوههم في الطرقات لا يعرفون إلى أين يلجأون وإلى من يلجأون وما هو مصيرهم.











