برحيل المفكر وعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران Edgar Morin في 29 أيار/ مايو 2026 عن عمر ناهز الـ104 أعوام، فقدت فرنسا وأوروبا والعالم أحد آخر كبار المثقفين الذين لم يكتفوا بمراقبة القرن العشرين من بعيد، بل عاشوا تحوّلاته الكبرى وشاركوا فيها فكرياً وسياسياً وأخلاقياً. فقد كان موران شاهداً على الحرب العالمية الثانية، ومناضلاً في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، ومتابعاً نقدياً للحرب الباردة، وحروب التحرر الوطني، والعولمة، والثورة الرقمية، والأزمات البيئية، وصولاً إلى التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين.
ومع أن موران عُرف رسمياً بوصفه عالم اجتماع، فإن هذا الوصف لا يكفي للإحاطة بمشروعه الفكري. فقد كان من أبرز المفكرين الذين تمرّدوا على الحدود التقليدية بين التخصصات، وسعوا إلى بناء رؤية معرفية شاملة تربط بين الفلسفة والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا وعلم النفس والسياسة والتاريخ. ومن هنا اكتسب مكانته بوصفه أحد أهم منظّري “الفكر المركّب” أو “فكر التعقيد” في العصر الحديث.
من المقاومة إلى الفكر
وُلد موران في باريس عام 1921 لعائلة يهودية من أصول متوسطية. وقد تركت وفاة والدته المبكرة أثراً عميقاً في تكوينه النفسي والفكري، وهو ما عاد إليه مراراً في كتاباته المتأخرة، ولا سيما في كتابه “الذكريات تأتي للقائي” الصادر عام 2019، والذي قدّم فيه تأملاً ذاتياً في مسيرة امتدت قرناً تقريباً من الزمن.
خلال الحرب العالمية الثانية، انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية، واتخذ اسم “موران” الحركي الذي أصبح لاحقاً اسمه الأدبي والفكري. وقد شكّلت تجربة الحرب والمقاومة إحدى الركائز الأساسية في رؤيته للعالم؛ إذ جعلته أكثر حساسية تجاه مخاطر الشمولية والتعصب والعنف، وأكثر اقتناعاً بأن فهم الظواهر الإنسانية يتطلب الجمع بين الأبعاد السياسية والثقافية والنفسية والتاريخية في آن.
ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول لاحقاً إلى أحد أبرز النقاد للأفكار الاختزالية التي تحاول تفسير المجتمعات من خلال عامل واحد أو سبب وحيد.
مشروع “المنهج” والفكر المركّب
يرتبط اسم موران أساساً بعمله الموسوعي الضخم المنهج (La Méthode)، الذي صدر في ستة أجزاء على مدى عقود، ويُعدّ ذروة مشروعه الفكري. ففي هذا العمل حاول أن يقدّم نظرية عامة للمعرفة تقوم على نقد التجزئة المفرطة للعلوم الحديثة.
كان يرى أن المعرفة المعاصرة تعاني من مفارقة كبرى: فكلما ازداد التخصص العلمي تقدماً، ازدادت صعوبة فهم الكل الذي تنتمي إليه الأجزاء. وقد لخّص هذه المشكلة بقوله الشهير: “لا معرفة من دون معرفة للمعرفة”، أي أن فهم العالم يتطلب في الوقت نفسه فهماً للطريقة التي نبني بها معرفتنا عنه.
ومن هنا نشأت موضوعة الفكر المركّب (Complexus)، وهي ليست نظرية مغلقة بقدر ما هي منهج في التفكير يقوم على الربط بين العناصر المتباعدة، وفهم العلاقات المتبادلة بين الظواهر المختلفة، والاعتراف بأن الواقع لا يتكون من عناصر منفصلة بل من شبكات متداخلة من التأثيرات المتبادلة.
فالعولمة مثلاً، في نظر موران، ليست ظاهرة اقتصادية فقط، بل هي في الوقت نفسه سياسية وثقافية وديموغرافية ونفسية ودينية. والأزمة البيئية ليست مجرد قضية علمية، بل ترتبط بأنماط الاستهلاك والتنمية والسياسة والثقافة. ولذلك كان يرفض المقاربات التي تضع معارف الخبراء جنباً إلى جنب من دون بناء رؤية جامعة تربط بينها.
علم الأزمات: المجتمع بوصفه نظاماً حيّاً
من بين مساهمات موران الفكرية اللافتة تطويره لما أسماه “علم الأزمات” (Crisologie)، وهو مفهوم بدأ في طرحه منذ سبعينات القرن الماضي.
ينطلق هذا التصور من اعتبار المجتمع نظاماً حياً قادراً على التنظيم الذاتي، لكنه يظل معرّضاً بصورة دائمة للاختلالات والأزمات. وكان يرفض النظر إلى الأزمات باعتبارها حوادث استثنائية أو انحرافات عابرة، ويرى أنها جزء بنيوي من تطور المجتمعات نفسها.
فكل مجتمع، بحسب موران، يحمل في داخله تناقضات كامنة بين قوى الاستقرار وقوى التغيير. وفي الظروف العادية تبقى هذه التناقضات مضبوطة داخل النظام، لكن الأزمات تجعلها ظاهرة ومؤثرة. ومن ثم، فإن الأزمة ليست مجرد لحظة انهيار، بل قد تكون أيضاً لحظة إعادة تركيب وتحول تاريخي.
ولعل أحد أفكاره المركزية تتمثل في أن التاريخ لا يتقدم بطريقة خطية ومنسجمة، بل عبر تفاعل مستمر بين النظام والفوضى، وبين الاستقرار والتغيير، وبين التكامل والتناقض. ولهذا كان يرى أن الأزمات، على الرغم مما تحمله من أخطار، قد تفتح أيضاً إمكانات جديدة للتجديد والتحول.
المثقف في مواجهة التوحيد الفكري
احتلّ دور المثقف مكانة مركزية في تفكير موران. فقد كان يرى أن وظيفة المثقف لا تقتصر على الإنتاج الأكاديمي المتخصص، بل تتجاوز ذلك إلى مخاطبة الرأي العام والانخراط في القضايا الكبرى المرتبطة بالمصير الإنساني والعدالة والحرية.
وفي مواجهة ما كان يسميه “توحيد معايير الفكر”، دافع عن استقلالية المثقف وحقه في مساءلة السائد وكشف التبسيطات المضللة. وكان يعتقد أن العالم المعاصر، على الرغم من وفرة المعلومات، يعاني فقراً متزايداً في القدرة على الربط والفهم النقدي.
ولذلك ظل يدعو طوال حياته إلى إصلاح التعليم وإصلاح المعرفة معاً، بحيث يصبح الهدف ليس مجرد تراكم المعلومات، بل تعلم كيفية التفكير في العلاقات المعقدة التي تربط الظواهر ببعضها البعض.
موران والعالم العربي
اكتسبت مواقف موران من العالم العربي أهمية خاصة خلال أحداث الانتفاضات العربية عام 2011. ففي حوار أجراه خلال زيارته الى المغرب آنذاك، انتقد التصورات السائدة في أوروبا التي كانت تفترض أن المجتمعات العربية محصورة بين خيارين لا ثالث لهما: الديكتاتورية العسكرية أو الحكم الثيوقراطي الديني.
ورأى في الحركات الشعبية التي شهدتها تونس ومصر دليلاً على خطأ هذه الرؤية الاختزالية. فقد اعتبر أن ما حدث عبّر عن تطلع إنساني عالمي إلى الحرية والكرامة والعدالة، مؤكداً أن العرب ليسوا استثناءً حضارياً، بل يشتركون مع بقية البشر في الطموحات الأساسية نفسها.
إقرأوا أيضاً:
ومن عباراته اللافتة في هذا السياق قوله: “نحن مثل العرب، والعرب مثلنا”، في محاولة لتفكيك الصور النمطية المتبادلة بين الغرب والعالم العربي، والتأكيد على وحدة التجربة الإنسانية على الرغم من الاختلافات الثقافية.
كما رفض بقوة فكرة فرض الديمقراطية من الخارج بالقوة العسكرية، معتبراً أن التجربة العراقية أظهرت حدود هذا المنطق، وأن التحولات الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تنجح إلا إذا نبعت من داخل المجتمعات نفسها.
موران وفلسطين: نقد العنف والدفاع عن الكرامة الإنسانية
في سياق مواقفه من قضايا العالم العربي، عبّر إدغار موران في أكثر من مناسبة عن قلقه العميق من دوامة العنف المستمرة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وخصوصاً في ظل التصعيد الحاد والحروب المتكررة على غزة. وقد اتسم موقفه، كما في بقية قضاياه، بنظرة إنسانية نقدية ترفض اختزال الصراع في سرديات أحادية، وتُدين في الوقت نفسه منطق القوة المفرطة واستهداف المدنيين.
لم يكن موران منخرطاً في الخطابات الإيديولوجية التقليدية، بل كان يرى أن استمرار العنف في فلسطين يعكس فشل النظام الدولي في إنتاج عدالة مستدامة، وفي الاعتراف المتبادل بالحقوق الإنسانية الأساسية للطرفين، مع إقراره الواضح بعدم تكافؤ ميزان القوة وبخطورة تحول المدنيين إلى ضحايا الحروب الرئيسيين.
وفي قراءته الأوسع للعنف المعاصر، كان يعتبر أن ما يحدث في مناطق النزاع، ومنها فلسطين، يكشف أزمة أعمق في الحضارة المعاصرة، حيث تتراجع القيم الكونية لحقوق الإنسان أمام منطق الردع العسكري والهيمنة السياسية. ومن هذا المنظور، فإن المأساة الفلسطينية ليست حدثاً منفصلاً، بل جزء من أزمة عالمية في إدارة الصراعات وفي عجز المجتمع الدولي عن فرض قواعد عادلة وفعّالة لحماية الإنسان، أياً كانت هويته أو موقعه.
التكنولوجيا والإنترنت: بين التحرير والهيمنة
لم ينظر موران إلى التكنولوجيا نظرة تبجيلية أو عدائية. فقد رأى أن الإنترنت، شأنها شأن اللغة نفسها، أداة متعددة الاستخدامات يمكن أن تُسخّر للتحرر أو للسيطرة.
لكنه كان ميالاً إلى إبراز إمكاناتها التحريرية، خصوصاً في مجال نشر المعرفة وتوسيع الوصول إلى الثقافة وتمكين المواطنين من التواصل والتنظيم. وقد رأى في الدور الذي لعبته الشبكات الرقمية في إيران والصين والعالم العربي دليلاً على قدرتها على دعم الحركات الاجتماعية والديمقراطية.
وفي الوقت نفسه نبّه إلى مخاطر هيمنة القوى الاقتصادية والسياسية على تدفق المعلومات، معتبراً أن الصراع حول المعرفة أصبح أحد أهم معارك العصر الحديث.
إنسانية موران وإرثه الفكري
ما يميز موران عن مفكرين معاصرين كثر ليس فقط اتساع معارفه، بل أيضاً الطابع الإنساني العميق لمشروعه الفكري. فقد ظل طوال حياته منشغلاً بأسئلة أساسية تتجاوز التخصصات والحقول المعرفية: ما الإنسان؟ ما الحياة؟ ما المعرفة؟ وما المستقبل الممكن للبشرية؟
وفي كتابه الأخير تقريباً، الذكريات تأتي للقائي، لخّص هذا الانشغال بقوله إن حياته كلها كانت محاولة متواصلة للإجابة عن الأسئلة التي صاغها Immanuel Kant: ماذا أستطيع أن أعرف؟ بماذا أستطيع أن أؤمن؟ ماذا يمكنني أن آمل؟
لقد نظر موران إلى نفسه بوصفه نتاجاً لكل الأشخاص والأفكار والتجارب التي التقاها في حياته. وكان يرى أن الهوية الإنسانية ليست جوهراً ثابتاً، بل عملية مستمرة من التفاعل والتعلم والتغير.
برحيل إدغار موران يُطوى فصل مهم من تاريخ الفكر الأوروبي المعاصر، لكن أفكاره تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. ففي عالم تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والبيئية والسياسية والتكنولوجية، وتتزايد فيه النزعات الاختزالية والاستقطابات الحادة، تكتسب دعوته إلى “الفكر المركّب” أهمية متجددة.
لقد كان موران من القلائل الذين أدركوا أن فهم العالم لا يمر عبر تبسيطه، بل عبر الاعتراف بتعقيده. ومن هنا تكمن قيمة إرثه الفكري: ليس في تقديم إجابات نهائية، بل في تعليمنا كيف نفكر في عالم لا يكف عن مفاجأتنا، وكيف نربط بين ما تفرقه التخصصات، ونرى الوحدة داخل التنوع، والنظام داخل الفوضى، وإمكانات التجدد الكامنة حتى في قلب الأزمات.
إقرأوا أيضاً:












