تحقيق : مودة حمد – نفيسة وادي – حفيظة موسى
لم تنتهِ الحرب بالنسبة إلى سودانيات نجون من جبهات القتال ولجأن إلى أوغندا، فالعنف الذي عبرن الحدود هرباً منه، لحق ببعضهن إلى المخيّمات وأماكن العمل وداخل البيوت.
يكشف هذا التحقيق كيف يُعيد مسلّحون سابقون إنتاج إرث الحرب في حياة اللاجئات، وسط الخوف والصمت وضعف الحماية والمساءلة.
قابل فريق العمل 19 ضحيّة وناجية من اعتداءات نفّذها مسلّحون سودانيون في أوغندا، بحسب الشهادات، قامت 5 من الناجيات فقط بالتبليغ عن الاعتداءات، بينما لاذت الباقيات بالصمت.
قصّة سكينة
هربت سكينة، وهي مغنّية شعبية في الـ٣٥ من عمرها، مع أولادها الستّة من جحيم الحرب في السودان في كانون الثاني/ ديسمبر 2024، تاركة زوجها في السودان حيث يُقاتل في الصفوف الأمامية التابعة للقوّات المسلّحة السودانية.
بعد سيطرة الجيش على الخرطوم، زارها زوجها في كمبالا، عاصمة أوغندا، لكنّه كان مختلفاً عمّا عهدته، تقول: “كان يصرخ عليّ وعلى الأولاد، وأحياناً يهدّدني بالقتل، كما أنه هدّد بناتي بالقتل عدّة مرّات ومنعني من الغناء”.
بحسب رواية سكينة فقد بدا زوجها أكثر عنفاً وقسوة وحاول أن يطبّق عليهم القواعد العسكرية الصارمة، وأن يتحكّم في حياتها وحياة بناتها: “غالبا ما تبدأ المشكلة عندما تتأخّر إحدى بناتي في العودة من معهدها”.
وبحسب رواية إحدى بناتها، وهي شابّة في مطلع العشرينات، فإن زوج أمّها العسكري السابق كان يهدّدها وشقيقاتها أحياناً بالضرب، وأحياناً أخرى بالقتل، وأنه كان يراقب تصرّفاتهن بدّقة، معتبراً خروجهن “انتهاكاً للعادات والتقاليد السودانية”، بحسب قولها.
دفعت هذه الضغوط الفتاة إلى تقديم بلاغ ضد زوج أمّها، إلا أن الجيران تدخّلوا وأجبروها على شطبه، وبعد أسبوعين من مقابلتنا سكينة وعائلتها، عرفنا من الجيران أنها هربت مع أولادها إلى مكان مجهول.
قصّة سليمة وكريمة
حكاية مماثلة ترويها الأختان سليمة وكريمة اللتان أُجبرتا على تغيير مكان إقامتهما في مخيّم كرياندنغو، بعد التبليغ عن حالة اعتداء نفّذها جارهما كما تقولان، الذي كان عنصراً في “قوّات الدعم السريع” عليهما.
تقول كريمة: “اتّهمنا جارنا بإقامة علاقات مع رجال، فقام بالاعتداء على أختي، وعندما أتيت بعدما سمعت استغاثتها، قام بالاعتداء عليّ والتسبّب بجرح غائر في رأسي”.
بلّغت الأختان الشرطة لكنّ أصدقاء الجار قاموا بمهاجمتهما. تقول سليمة: “قمنا بالاتّصال بالشرطة مجدّداً، فألقت القبض عليهم وأُودعوا في السجن، لكن أُخلي سبيلهم لاحقاً، بعدما تمّ القبض على الجاني (الجار)”، مُستدركة “لكنّهم استمرّوا بمهاجمتنا كل ليلة. طلبنا الحماية من الشرطة حيث تمّ تحويلنا الى مقرّ “الرسيبشن” وهو مكان لاستقبال اللاجئين الجدد”.
في مخيّم كرياندنغو التقينا بثلاث عشرة امرأة سودانية، تعرّضن لأنواع مختلفة من العنف من رجال كانوا مقاتلين ضمن صفوف فصائل مُتعدّدة في السودان، ثلاثة منهن احتمين بشرطة المخيّم ومقرّ منظّمة الأمم المتّحدة.
وصنّفت وزارة النوع والعمل والتنمية الاجتماعية الأوغندية مؤشّر العنف الجندري في مقاطعة كرياندنغو، بأنه يقع في المرتبة الأولى وطنياً في أوغندا في إحصائيتها الأخيرة للعام 2025 – 2026، مشيرة إلى تسجيل ما يقارب من 3000 حالة عنف جندري خلال عام واحد فقط في المقاطعة، فيما أكّدت شرطة المخيّم أنها تسجّل ما بين 3 إلى 4 حالات عنف يومياً.
وتشير تقارير مختلفة لمفوضيّة اللاجئين (UNHCR) للعام 2025، إلى أن حالات العنف النفسي والعاطفي تمثّل نحو 37% من الحالات المبلّغ عنها في المخيّم، والاعتداء الجسدي 22%، فيما يمثّل الاغتصاب والاعتداء الجنسي 21%، مشيرة الى أن عدداً من هذه الحالات وقع أثناء الفرار من السودان أو داخل مخيّم كرياندنغو، وأن الأعداد غير المبلّغ عنها تفوق ذلك العدد.
انتهاكات المسلّحين تلاحق اللاجئات
تتجاوز الانتهاكات التي يرتكبها مسلّحون سابقون العنف الأسري والجيرة وحدود المخيّم لتصل إلى كل اللاجئات، إذ تروي شابّة سودانية تُدير مقهى بالقرب من أحد الفنادق الصغيرة الشهيرة في كمبالا (فضّلت عدم ذكر اسمها): “كثيراً ما تواجه العاملات معي في المحلّ؛ وهن سودانيات وأوغنديات، عنفاً لفظياً عند تأخّر الطلبات، من قِبل مسلّحين سودانيين سابقين، ونحن نعرفهم”، وتشير المديرة إلى أنها تعرّضت أكثر من مرّة لتهديدات مباشرة من ثلاثة مسلّحين، لأن “العاملات في المقهى لا يقمن بخدمتهم بشكل أفضل”، بحسب قولها.
وفي المقهى ذاته تروي سيرين، وهي مغنّية سودانية معروفة، أنها تعرّضت لتحرّش جنسي لفظي، وتقول: “أتيت إلى كمبالا للغناء وسط السودانيين العام الماضي، لكن لم أستطع، فعملت في مطعم وكافيه معظم زبائنه من اللاجئين السودانيين، ولاحظت تردّد زبائن يقولون إنهم مجنّدون سابقون، وكانوا يتشاجرون بشكل دائم ويتلفّظون بألفاظ سيّئة”، مضيفة: “في أحيان كثيرة يقومون بتعنيفي ووصفي بألفاظ سيّئة، مثل كلمة “شرموطة”، ويتعاملون معي كخادمة، وآخرون يتوقّعون مني أن أذهب معهم إلى أي مكان مقابل النقود”.
لم تستطع سيرين تحمّل هذا التعنيف اليومي، فتركت مكان العمل قبل ستّة أشهر، كما تقول.
من جهة ثانية تدير أماني (25 عاماً)، عملها الخاصّ لكنّها مُضطّرة لتحمّل تعنيف زوجها بالمقابل.
تعيش أماني مع زوجها وهو ضابط في “الدعم السريع” في شقّة غالية داخل أحد أحياء كمبالا الفاخرة، وهو يذهب إلى السودان ويعود بين فترة وأخرى.
تروي أماني: “قام بفتح محل كافيه وصالون تصفيف للشعر باسمي لأعمل فيهما، لكنّه في كل مرّة يعود إلى كمبالا يقوم بضربي بسبب غيرته المفرطة، في آخر مرّة قام بكسر هاتفي لأن أحد الزبائن اتّصل بي، لكن ليس لديّ خيار غير الاستمرار معه”.
وتقول: “إن انفصلت عنه لا أستطيع العيش في بلد مثل أوغندا، خاصّة وأنني أصرف على أسرتي في سنار بالسودان، وهو أيضا يرسل إليهم النقود هناك”.
يُجرّم قانون الحماية من العنف الأسري الأوغندي للعام 2010 جميع أشكال العنف، ويحقّ للضحيّة الحصول على أمر حماية مؤقّت أو دائم لإبعاد الجاني عن المنزل المشترك، أو تقييد تواصله واقترابه منها، وتصل عقوبة العنف الأسري إلى السجن لمدّة عامين، أو دفع غرامة مالية أو كليهما.
المسلّحون كلاجئين
بموجب قانون قوّات الدفاع الأوغندي يحاكم العسكريون أمام المحاكم العسكرية، بينما يحاكم المدنيون أمام المحاكم المدنية، ويُعتبر السودانيون المسلّحون سابقاً مدنيون لاجئون وتتمّ محاكمهتم كمدنيين، فعلى الرغم من أن إجراءات تسجيل اللاجئين مفتوحة للجميع، تستثني القوانين الأوغندية والدولية المقاتلين من صفة اللاجئ، حيث يتمّ إجراء فحص أمني في مراكز الاستقبال للتحقّق من أية خلفيات عسكرية، وفي حال ثبت وجود مسلّحين سابقين يتمّ التعامل معهم عبر برامج متخصّصة، مثل لجان العفو أو مراكز التأهيل، بعيداً عن مخيّمات اللاجئين المدنية لضمان أمن المستوطنات.
لكنّ وجود مقرّات لجنة العفو يقتصر على المدن مثل كمبالا وقولو وأروا، وهي غير موجودة داخل مخيّم كرياندنغو مثلاً، وبحسب موقع المفوضية السامية لحقوق الإنسان فإنه إذا تمّ الكشف عن خلفية مسلّح أثناء “المقابلة الأمنية” في مراكز التسجيل، يجب أن يتمّ فصله عن المدنيين وتحويله إلى هذه المسارات لضمان تجريده من السلاح قبل منحه أيّ وضع قانوني، وذلك لأن صفة “لاجئ” لا تُمنح دولياً لمن يستمرّ في حمل السلاح أو النشاط العسكري.
ولم يتمكّن الفريق من الوصول إلى إحصائية حقيقية لأعداد اللاجئات السودانيات اللائي يواجهن عنفاً من مسلّحين هربوا من ميادين الاقتتال في السودان إلى أوغندا، أو أعداد اللاجئين ذوي الخلفيات العسكرية.
تقول آمنة الدومة ليدر وهي مديرة كلستر (A)، وهو المخيّم الذي تُقيم فيه أعداد كبيرة من اللاجئين العسكريين بحسب تأكيدها لنا، إنهم لا يستطيعون تحديد عدد المسلّحين السابقين في المخيّم، وتضيف “الكثير من اللاجئين ينكرون صفتهم السابقة كمقاتلين أثناء مقابلة التسجيل في مركز استقبال اللاجئين، فيتمّ تسجيلهم كمدنيين فقط، ممّا يصعّب على الأمم المتّحدة وقيادة مجتمع اللاجئين في المخيّم تحديد صفاتهم السابقة”.
العنف الصامت
ورغم صرامة القانون الأوغندي في تجريم كافّة أشكال العنف، وبشكل خاصّ العنف الجندري، بحسب المحامي عبد المطلب الختيم، تظلّ البلاغات حول عنف اللاجئين في المحاكم الأوغندية قليلة جداً، ويشير حاتم إلياس، وهو أحد المحامين السودانيين القلّة المزاولين للمهنة في أوغندا، إلى أن ضعف معرفة اللاجئين بالقوانين الأوغندية يسهم في استمرار الانتهاكات ضد النساء.
هذا ما حصل مع إستر (28 عاماً) التي كانت حاملاً وتعيش مع أهلها في الخرطوم بعد سفر زوجها. حاول عناصر من “قوّات الدعم السريع” إجبار أهلها على تسليمها لهم لأنها اشتهرت بمظهرها وجمالها، وبعد عمليّة تهريب معقّدة أعقبت ولادتها وبمساعدة طبيب ووصولها إلى أوغندا لا تزال تعيش قلقاً.
تروي شقيقتها زهراء: “نجت إستر من الوقوع في أيدي العسكريين، لكنّها أصيبت بشلل جزئي. لم يتوقّف العنف، ففي الشهور الأولى لنا في أوغندا كنا نتلقّى رسائل تهديدات من أشخاص يقولون إنهم في كمبالا، وإنهم ينتمون إلى “قوّات الدعم السريع”، وقد علموا بأن أختي تعيش في كمبالا”، مضيفةً “اضطرّت العائلة لتغيير مقرّ سكنها عدّة مرّات إلى أن سافرت إستر إلى دولة أخرى”.
كذلك أميرة، وهي امرأة ثلاثينية وأمّ لخمسة أطفال تعمل في بيع “القوقو” (ملابس مستعملة)، كان زوجها مع الجيش السوداني وتعيش الآن في المخيّم وتتعرّض للتعنيف منه، ولم تشتكِ ولا تعرف إن كانت الحكومة قادرة على حمايتها وتقديم الرعاية اللازمة لها ولعائلتها.
تؤكّد تقارير ميدانية قامت بها شبكة “عاين” أن النساء هناك يواجهن صعوبات بالغة، مثل نقص الرعاية الصحّية وانتشار حالات سوء التغذية وسط الأمّهات والحوامل، إضافة إلى رصد حالات اعتداء وانتهاكات بسبب ضعف الحماية الأمنية داخل المعسكر.
ويرى المحامي حاتم إلياس أن الكثير من النساء اللاجئات “يجهلن حقوقهن القانونية، ويصلن وهنّ يحملن إرثاً اجتماعياً وثقافياً من بيئات تقليدية— كما في الحالة السودانية— حيث تُكرَّس أدوار تبعية للمرأة، ويُنظر إلى العنف الأسري باعتباره شأناً خاصاً لا يستدعي التدخّل القانوني”.
إقرأوا أيضاً:
من زاوية أخرى، يرى الخبير في العدالة الانتقالية الكاشف حسين عبّاس أن “ذاكرة العنف والظروف النفسية المصاحبة للنزوح، إلى جانب الفقر، والاعتماد الاقتصادي، والبعد عن الأسرة، والعيش في بيئة جديدة وغير مألوفة، كلها عوامل تعزّز الصمت وتمنع التبليغ”.
ويقول عبّاس: “إن العنف الجندري المرتبط بالنزاعات المسلّحة، لا يتوقّف عند انتهاء المعارك أو مغادرة الضحايا مناطق النزاع، بل يمتدّ في كثير من الأحيان إلى المجتمعات والأسر المتأثّرة بالحرب”، ويشير إلى أن “النزاعات تخلّف أنماطاً من العنف والسلوك القسري قد يعاد إنتاجها في بيئات النزوح واللجوء، خاصّة في ظلّ الصدمات النفسية والتفكّك الاجتماعي وفقدان الحماية”، كما يلفت إلى أن “الصمت المجتمعي، والوصمة المرتبطة بالعنف الجنسي، والضغوط القبلية التي تحدّ من الإبلاغ عن الانتهاكات، تسهم في إخفاء حجم المشكلة وتكرارها”، ويؤكّد أن “التعتيم على الجرائم والإفلات من العقاب لا يؤدّيان فقط إلى غياب العدالة للضحايا، بل يسهمان في انتقال آثار الحرب إلى الحياة اليومية داخل الأسر”، وبرأيه أن “معالجة هذه الظاهرة تتطلّب كسر الصمت، وتعزيز آليات الحماية والمساءلة، وتمكين الضحايا والشهود من الإدلاء بشهاداتهم في بيئة آمنة، بما يمنع استمرار إرث الحرب وتحوّله إلى تهديد دائم في حياة النساء والفتيات”.
ويؤكّد تقرير لمنظّمة (UNFPA) ما ذهب إليه المحامي إلياس في مقارنته بين العادات والتقاليد الأوغندية والسودانية، حيث يُحاط العنف القائم على النوع الاجتماعي بـ”ثقافة صمت”، ويُعامل العديد من الممارسات مثل العنف المنزلي الزواج القسري وتقييد حركة النساء باعتباره واقعاً وليس تعنيفاً ضد الفتيات والنساء، ودائما ما تُحال المشاكل بين الزوجين أو الجيران إلى الرجال الكبار في العائلات أو زعماء القبيلة، بحسب ما يشير التقرير.
فيما تربط ناهد جبر الله مديرة مركز “سيما” (SEEMA Center) بين تصاعد الانتهاكات وغياب العدالة، وتقول: “غياب الردع والمحاسبة في الجرائم السابقة كان من أسباب تكرارها اليوم”، مشيرة إلى أن “الناجيات يواجهن تحدّيات مركّبة، أبرزها: الوصمة الاجتماعية والخوف والترهيب وغياب الأمان”.
وتنوّه جبر الله إلى أن حجم الانتهاكات الفعلي يبقى أكبر بكثير من الحالات الموثّقة، “لأن العنف الجنسي من أكثر الجرائم التي يتمّ التكتّم عليها، خاصّة في المجتمعات المحافظة وبيئات النزوح، حيث تواجه الناجيات الخوف والوصمة وضعف الوصول إلى العدالة والخدمات النفسية والصحّية”، بحسب قولها.
المُعنّفات وحيدات…
وتؤثّر ثقافة الصمت هذه على عمل قيادة مجتمع اللاجئين السودانيين في معسكر كرياندنغو التي تتولّى البتّ في قضايا العنف، ويشير حسين اسماعيل مسؤول الحماية إلى أن عملهم في قسم الحماية يتمثّل في حماية الفئات الضعيفة من العنف داخل المعسكر مثل الأطفال والنساء “لكنّ العادات والتقاليد السودانية والدين، يساعدان على زيادة العنف ضد اللاجئات، فحتى مع وجود صناديق شكاوى في حال لم تستطع المعنّفة الكشف عن هويّتها، لا تصلنا أغلب قضايا العنف”، بحسب قوله.
وتقوم هذه اللجنة بحلّ المشاكل عبر “الجودية”، وهو تقليد سوداني يقوم فيه القيادات أو كبار القبائل بحلّ القضيّة مع أصحاب المشكلة، وما يعجزون عن حلّه يحوّلونه إلى شرطة الـ (opm).
من جهتها، ترى الدكتورة النفسية مروى محمّد إبراهيم علي أن “النساء اللواتي يتعرّضن للعنف الجنسي أو الجسدي في سياقات النزاع والنزوح – خاصّة على يد أفراد تأثّروا بالحرب أو ارتبطوا ببيئات عسكرية- يعانين من صدمات نفسية واجتماعية معقّدة تمتدّ آثارها إلى ما بعد لحظة الانتهاك نفسها”.
وتوضح “المجتمعات المتأثّرة بالنزاعات كثيراً ما تتعامل مع المرأة المعنّفة وكأنها مطالبة بتبرير ما حدث لها، بدلاً من الاعتراف بأنها ضحيّة لانتهاك مرتبط بالعنف والصراع، ويؤدّي غياب الدعم النفسي والاجتماعي إلى آثار أكثر تعقيداً على النساء اللاجئات السودانيات في كمبالا، لأن كثيرات منهن يعشن أصلاً تحت ضغوط متراكمة فرضها النزوح والحرب وفقدان الأمان”.
وترى الدكتورة علي أن “التدخّل النفسي المبكر يمثّل ضرورة عاجلة في مثل هذه الحالات”، موضحة أن “العلاج الفردي وحده لا يكفي دائماً، خاصّة في المجتمعات التي شهدت مستويات مرتفعة من العنف ضد النساء”، وتؤكّد أن “برامج الدعم النفسي والاجتماعي الجماعي تساعد الناجيات على استعادة الشعور بالأمان والانتماء، وتمنع تحوّل الصدمات إلى أزمات مزمنة تؤثّر على الأسرة والمجتمع بأكمله”.
وتعمل في مخيّم كرياندنغو عدّة جهات لتقديم خدمات الاستجابة، منها المراكز الصحّية التابعة لمنظّمة (IRC) التي تقدّم الرعاية الطبّية الطارئة وخدمات الصحّة الإنجابية، ومكتب رئيس الوزراء (OPM) للتبليغ القانوني والحماية الأمنية، والجمعية اللوثرية العالمية (LWF) التي تقدّم الدعم النفسي والاجتماعي وإدارة الحالات.
كما يقدّم العديد من المنظّمات المحلّية والدولية داخل المخيّم برامج للدعم النفسي والاجتماعي للاجئين الرجال، لمساعدتهم على تجاوز صدمات الحرب والنزوح وإعادة الاندماج في المجتمع، أبرزها منظّمة “تي بي أو” أوغندا (TPO Uganda)) ، مبادرة “ويتيكر” للسلام والتنمية (WPDI)، مشروع قانون اللاجئين (Refugee Law Project – RLP)، الجمعية اللوثرية العالمية (LWF)، منظّمة ) AVSI)، مشروع SMILES)، والصليب الأحمر الأوغندي.
لكنّ آمنة الدومة تشير إلى أن “هذه المنظّمات يقتصر عملها على تنظيم جلسات نفسية مع اللاجئين في شكل مجموعات ولا تنظّم جلسات فردية معهم”، وتلفت إلى أن توقّف الدعم الأميركي حدّ من نشاط عدد منها.
تكشف شهادات النساء التسع عشرة اللواتي قابلهن فريق التحقيق، فجوة واسعة بين حجم العنف الواقع عليهن وبين عدد الحالات التي تصل إلى مؤسّسات الحماية. فمن بين جميع من تحدّثن إلى الفريق، لم تُبلّغ سوى خمس نساء، بينما منعت أخريات الوصمة والخوف والاعتماد الاقتصادي والضغوط العائلية والمجتمعية من طلب الحماية.
ولا يبدو عبور الحدود بالنسبة إلى هؤلاء النساء، نهايةً للعنف الذي خلّفته الحرب، إذ تنتقل علاقات القوّة والسلوكيات القسرية من جبهات القتال إلى المخيّمات وأماكن العمل وداخل البيوت، وبين ثغرات التسجيل والحماية، وضعف المعرفة بالقانون، وسيادة الحلول العشائرية، وقصور خدمات الدعم النفسي، تبقى كثيرات في مواجهة المعتدين بمفردهن.
فالنجاة من ساحة القتال لا تعني بالضرورة النجاة من منطقها، وحين لا ترافق اللجوء حماية قانونية ونفسية فعّالة، ولا تُكسر دوائر الصمت والإفلات من العقاب، تظلّ الحرب قادرة على عبور الحدود والاستقرار داخل البيوت، وإعادة إنتاج نفسها في حياة النساء والفتيات.













