لم يعد العنف ضد النساء في مصر، خصوصاً في الفضاءات العامة، صادماً كما كان، بعدما بلغ ذروته مع مقتل نيرة أشرف أمام جامعتها في المنصورة، في وضح النهار.
نورا، التي لا تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، طالبة في كلية العلاج الطبيعي من مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، هي أحدث هذه الوقائع. تعرّضت نورا للاعتداء بالضرب في مكانٍ عام على يد أقاربها، على خلفية خلافات تتعلق بالميراث، بحسب ما ورد في البيانات الرسمية، قبل أن تعلن السلطات الأمنية القبض على أربعة من أقاربها بتهمة التعدي عليها وعلى خالها.
تكشف حادثة الاعتداء على نورا واقعاً أعمق يتمثل في نزاعات الميراث، وعدم توريث النساء في مصر، والعنف الموجّه ضدهن لإجبارهن على التنازل عن حقوقهن أو حرمانهن منها بالكامل. فقبل أيام فقط، أقدم شاب على اختطاف شقيقته وتقييدها وتصويرها في أوضاع وُصفت بـ”المخلة”، لإجبارها على التنازل عن ميراثها. وهي جريمة ليست استثناءً، إذ تتكرر جرائم مماثلة ضد النساء، وقد تصل في كثير من الأحيان إلى القتل.
تمنع الأعراف المجتمعية كثيرات من النساء في مصر، بخاصة في الصعيد ووجه بحري، من المطالبة بإرثهن أو اللجوء إلى المحاكم. ويعود ذلك إلى اعتقاد شائع بأن “المحاكم حبالها طويلة”، في إشارة إلى طول أمد التقاضي في مثل هذه القضايا، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية، إذ تُلام النساء اللواتي يلجأن إلى القضاء بحجة أنهن «يفضحن ستر العائلة». يُضاف إلى ذلك انتشار المجالس العرفية في القرى والصعيد، التي تفصل في النزاعات وفق أهواء القائمين عليها، لا وفقاً للقانون.
تأتي هذه الحوادث على الرغم من صدور قانون المواريث المعدّل، الذي يجرّم حجب الميراث، والصادر بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي تحت رقم 219 لسنة 2017، بتعديل بعض أحكام القانون رقم 77 لسنة 1943 بشأن المواريث. وقد تضمّن القانون إضافة مادة جديدة للباب التاسع الخاص بـ”العقوبات”، حملت رقم 49، ونصّت على أنه: “مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر، يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تتجاوز المائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من امتنع عمداً عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث، رضاً أو قضاءً نهائياً. ويُعاقب بالعقوبة ذاتها كل من حجب سنداً يؤكد نصيباً للوارث، أو امتنع عن تسليم ذلك السند حال طلبه من أيٍّ من الورثة الشرعيين”.
رانيا رشوان، إحدى الفتيات اللواتي عانين من حجب ميراث أمها، وميراثها بالتبعية، تحكي لـ”درج” قصتها. تقول إن الحكاية بدأت بزواج جدتها من جدها وإنجاب والدتها “جميلة”. وكانت الجدة تنتمي إلى عائلة ثرية، ولديها أبناء من زواج سابق. وبحسب رانيا، استغل الجد زوجته، واستولى على ممتلكاتها، وكوّن إمبراطورية اقتصادية ضمت أطياناً زراعية وعقارات ومصانع.
توفي الجد أولاً، ولم يُشهر الأبناء إعلام وراثة، واتفقوا شفهياً على أن يزرع الابن نصيبه من الأرض الزراعية، ويعطي من ريعها لأخته، باعتبار أن “البنات لا يرثن الأراضي الزراعية”. لكن خال رانيا، بحسب قولها، استولى على نصيب أخته، ولم يمنحها سوى الفتات.
إقرأوا أيضاً:
رفضت والدة رانيا سلوك المسار القضائي للحصول على حقها في الأرض، مبررة ذلك برغبتها في تربية أبنائها الثمانية، وتجنب الدخول في نزاعات طويلة. وعندما توفيت جدة رانيا، حاولت والدتها الحصول على نصيبها من ميراث أمها، لتكتشف أن أخوالها أجبروا والدتهم على التوقيع على أوراق للتنازل عن حقها في الميراث. وهكذا، لم تحصل الأم على أي شيء من إرثها.
ذهبت رانيا لاستخراج قيد عائلي، لتفاجأ بتزوير شهادة ميلاد والدتها. وتقول إنها أدركت حينها السبب الحقيقي وراء إحجام أمها عن اللجوء إلى المحاكم، وهو التزوير في أوراق الميلاد، إذ تم “تسنين” الجدة التي تزوجت في عمر تسع سنوات، ليُكتب في شهادة الزواج أنها كانت في الرابعة عشرة.
عانت رانيا وإخوتها من ظروف مادية صعبة، على الرغم من أن نصيبهم من الميراث يُقدَّر بالملايين، وكان من الممكن أن يضمن لهم حياة أفضل. تمثل قصة رانيا نموذجاً مكثفاً لتعقيدات حجب ميراث النساء في الريف، بدءاً من عدم توريث البنات الأراضي الزراعية، مروراً بعدم إشهار إعلامات الوراثة، وغياب المستندات الرسمية المسجلة للعقارات والأراضي، وصولاً إلى الإحجام عن سلوك المسار القضائي بسبب تكلفته المادية، وطول أمد التقاضي، أو الرغبة في تجنب المشكلات العائلية.
التملّك للرجال فقط
تواجه النساء في مصر تعنتاً واسعاً في ما يتعلق بحجب الميراث أو حجب المستندات التي تثبت الحق فيه. وتبيّن دراسة ميدانية بعنوان «ميراث المرأة بين الشريعة والتطبيق»، أُجريت على قرية قريبة من محافظة بنها، أن الاستيلاء على الميراث يتم عبر طرق ملتوية، مثل البيع الصوري، أو تغييب النساء عند حصر التركة، أو الاستعاضة عن الميراث بمبلغ مالي يُعرف بـ”الرضوة”، أي منح المرأة جزءاً من نصيبها نقداً لإرضائها ودفعها إلى التنازل عن حقها في الأرض الزراعية أو العقار.
تعكس نسبة تملك النساء للأراضي الزراعية في مصر هذه المأساة، إذ لا تتجاوز الـ5 في المئة فقط.
رصدت مبادرات نسوية شهادات لفتيات ونساء حُرمن من حقهن في الميراث، لأسباب متكررة مثل: “الست متورثش”، أو “عشان البيت ما يطلعش بره العيلة”، أو “الستات كفاية عليها تاخد خير الأرض كل سنة”.
تقول آية منير، مؤسسة مبادرة “سوبر وومن”، لـ”درج”، إنها رصدت خلال حملات مشتركة مع مبادرات نسوية أخرى، قصصاً عدة توثّق حرمان النساء من الأراضي الزراعية والعقارات، مقابل منحهن ما يُعرف بالرضوة، حتى لا تخرج الأصول خارج العائلة. وتتركز هذه الحالات بشكل أساسي في صعيد مصر.
وتضيف منير أن بعض النساء يلجأن إلى القضاء للحصول على ميراثهن، لكن هذا المسار مكلف مادياً واجتماعياً، إذ يُلقى اللوم على الفتاة التي “تشتكي على أهلها”، باعتبار أنها “جرجرتهم في المحاكم”. وترى منير أن هناك حاجة إلى قانون يراعي السياق الذي تُظلَم فيه النساء، ويأخذ في الاعتبار الضغوط التي تدفعهن إلى القبول بالمساومة أو التنازل القسري عن حقوقهن.
الحرب على العادات المجتمعيّة
في قريتي التي وُلدت وعشت فيها، أتذكر جيداً خطب الجمعة التي كانت تُخصَّص للحديث عن حجاب النساء وملابسهن وسلوكهن، وما يجب اتباعه وما لا يجب. وأتذكر كذلك خطب الشيخ الشعراوي عن حكمة توريث الرجل ضعف نصيب الأنثى. لكنني لا أتذكر خطبة واحدة عن حكم “أكل ميراث النساء”، المنتشر في قريتنا، كما في كثير من قرى الدلتا، حيث تسود فكرة “بيت العيلة” الذي يصعب تقسيمه، وينتهي في الغالب إلى ملكية رجال العائلة وأحفادهم الذكور.
وبينما يرى بعض رجال الدين حلاً لهذه النزاعات في أن يكتب الأب ثروته لبناته في حياته، لتجنيبهن الخلافات بعد وفاته، يعارض آخرون هذه الفكرة باعتبارها تحرم الأعمام من الميراث، وهو ما يضع قاعدة التعصيب موضع تساؤل. فهذه القاعدة، التي تقضي بمشاركة الأعمام الفتيات في الميراث، يجادلها بالفعل بعض الشيوخ والباحثين الدينيين، الذين لا يرون دليلاً قرآنياً صريحاً عليها، ويعتبرونها قراءة ضيقة للنص، خصوصاً في ظل النزاعات التي تتسبب بها، والتي غالباً ما تنتهي بتنازل النساء عن ميراثهن أو مساومتهن عليه.
من منظور حقوقي، لا يمكن التعامل مع حرمان النساء من الميراث بوصفه مسألة دينية أو عرفية فحسب، بل باعتباره شكلاً من أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعي، المحظور بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي التزمت بها مصر. فالدستور المصري ينص صراحة على مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات، ويحظر التمييز لأي سبب، كما يقر التزام الدولة بحماية النساء من جميع أشكال العنف.
وعلى المستوى الدولي، تُعد مصر طرفاً في اتفاقيات أساسية تُلزمها باتخاذ تدابير فعّالة لضمان المساواة في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومن بينها الحق في الملكية والميراث وعدم التعرض للإكراه أو العنف. غير أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق، إذ يُترك حرمان النساء من الميراث عملياً لسطوة العرف والضغوط العائلية، من دون توفير آليات حماية فعالة تضمن وصول النساء إلى العدالة. ويُفاقم هذا الوضع غياب سياسات إنفاذ تراعي السياق القسري الذي تُجبر فيه كثيرات من النساء على التنازل عن حقوقهن، ما يحوّل الميراث من حق قانوني إلى أداة ضبط اجتماعي واقتصادي تُستخدم لإعادة إنتاج التمييز والتبعية.
حجب ميراث النساء، ومنعهن من الحصول على حقوقهن في الأراضي الزراعية أو العقارات، يُعدان أحد الأسباب الأساسية لتأنيث الفقر، أي ارتفاع معدلات الفقر بين النساء مقارنة بالرجال. ويترتب على ذلك أن تظل المرأة تابعة، لا تملك، ولا تتحكم في قرارات الأسرة، وغير مستقلة اقتصادياً، وأكثر عرضةً للعنف وقبولاً له، في ظل غياب البدائل، وخصوصاً في واقع اقتصادي صعب ومخيف.












