تنسق عمليات خروج غزيين من القطاع بشكل يومي، إذ تترك عشرات العائلات القطاع متّجهة إلى أوروبا ودول أخرى، مستفيدة من تسهيلات غير مسبوقة من قبل السلطات الإسرائيلية، التي تُتيح لهم السفر عبر مطار رامون في النقب جنوب إسرائيل، بعد حصولهم على لمّ شمل مع أقاربهم من الدرجة الأولى في دول أوروبية.
رحلة الخروج تحت النار
وفقاً لمصادر خاصة لـ”درج”، فإن هذه العائلات، التي كانت تواجه سنوات من الرفض والمماطلة، حصلت فجأة على موافقات لمغادرة غزة، في خطوة أثارت العديد من التساؤلات حول توقيت هذه التسهيلات الإسرائيلية وأهدافها.
تواصل “درج” مع إحدى العائلات التي وصلت مؤخراً إلى هولندا، حيث تحدّثت السيدة آمال (اسم مستعار) عن تفاصيل رحلتها، قائلة: “زوجي يُقيم في هولندا منذ العام 2019، وكان يسعى دائماً لإخراجنا من غزة، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل بسبب الإجراءات المعقدة، إلى أن تفاجأنا باتصال من اللجنة الدولية للصليب الأحمر يبلّغنا بضرورة الاستعداد للمغادرة”.
وأضافت أن رحلتهم بدأت فجراً من مدينة خان يونس، وتمّ نقلهم بسيارات الصليب الأحمر إلى معبر كرم أبو سالم، حيث مرّت الإجراءات بسهولة، ثم انتقلوا إلى مطار رامون، ومنه إلى الأردن، وبعد ذلك إلى هولندا.
الصليب الأحمر يُوضح دوره
من جانبه، أكّد هشام مهنّا المتحدّث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن دور اللجنة يقتصر على مرافقة العائلات من غزة إلى معبر كرم أبو سالم، مشيراً إلى أن التدخل “جاء في إطار لمّ شمل العائلات التي تضمّ مواطنين من دول أوروبية”.
وأوضح مهنّا في حديثه لـ”درج”، أن “اللجنة تعمل كوسيط محايد، وليس لها علاقة بأي محاولات لتشجيع الهجرة الطوعية”، لكن ذلك لم يمنع من طرح تساؤلات حول تنسيق محتمل بين السلطات الإسرائيلية، وجهات أخرى لتنفيذ عمليات التهجير.
جهد إسرائيلي منظّم
تزامن خروج بعض العائلات الغزية مع تحرّكات إسرائيلية مكثّفة لتهجير سكان القطاع، إذ أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 24 آذار/ مارس 2025، إنشاء إدارة خاصة داخل وزارته، تُعنى بتنظيم ما وصفه بـ”الخروج الطوعي” لسكان غزة إلى دول ثالثة.
وفقاً لبيان صادر عن الوزارة، ستضمّ هذه الهيئة ممثلين من وزارات حكومية وأجهزة أمنية، وستُشرف على تنفيذ مخطّط يُتيح لكل فلسطيني يرغب في المغادرة، الحصول على “رزمة” تشمل ترتيبات سفر عبر البحر، الجو، أو الطرق البرية.
وأكُد التقرير الإسرائيلي أن هذه الخطة تعتمد على التعاون مع دول أجنبية، مثل إندونيسيا، التي غادر إليها بالفعل 100 فلسطيني من القطاع، كجزء من “تجربة أوّلية”، تحت إشراف منسّق أعمال الحكومة الإسرائيلية الجنرال غسان عليان.
وفي هذا الإطار، أفادت القناة الـ12 الإسرائيلية، بأن “مائة من سكان غزة غادروا أرض القطاع الثلاثاء 25 آذار/ مارس الجاري، للعمل في إندونيسيا في مجال البناء على الأرجح.
وأشارت القناة إلى أن الحديث يدور عن تجربة أوّلية تحت رعاية منسّق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة اللواء غسان عليان، ضمن الخّطة، لتشجيع الهجرة الطوعية.
وأكّد التقرير أن أي شخص يُغادر قطاع غزة للعمل في الخارج، له الحقّ في العودة حسب القانون الدولي، ومع ذلك، فإن الهدف الأساسي من المشروع هو تشجيع الهجرة والاستقرار طويل الأمد في الخارج، وهو أمر يعتمد على سياسات الحكومة الإندونيسية.
وحسب التقرير، فإن إطلاق المشروع التجريبي سبقته مشاورات مع الحكومة الإندونيسية، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين إسرائيل وإندونيسيا، مما استلزم إنشاء قناة اتصال بين الجانبين، وإذا ما نجح المشروع، فستتولّى إدارة الهجرة، التي أسّسها وزير الدفاع الإسرائيلي مسؤولية الإشراف عليه مستقبلاً.
مشروع طويل الأمد
لم يكن هذا المشروع الإسرائيلي مبادرة معزولة، بل يأتي ضمن خطّة أوسع أعلن عنها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي أكّد أن الحكومة بقيادة بنيامين نتانياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، تعمل على إنشاء إدارة خاصة لتنفيذ برامج تهجير الفلسطينيين من غزة.
وخلال اجتماع للكنيست، صرّح سموتريتش أن “الميزانية لن تكون عائقاً أمام تنفيذ هذا المشروع، رغم تعقيداته اللوجستية، لأنه ضروري لضمان أمن إسرائيل”.
كما أيّدت وزيرة المستوطنات والمشاريع الوطنية أوريت ستروك الخطّة، معتبرة أنها “إجراء ضروري للقضاء على التهديد الأمني القادم من غزة”.
كما كشفت تقارير إعلامية عن اتصالات بين إسرائيل والإدارة الأميركية لمناقشة تنفيذ خطّة لترحيل سكان غزة، وهي فكرة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أكّد خلال لقاء سابق مع نتانياهو أن “الحلّ الوحيد لغزة هو ترحيل سكانها بالكامل إلى دول أخرى”.
وفقاً لمصادر إسرائيلية، فإن الهدف من هذا المخطّط هو تهجير ما لا يقل عن 1.1 مليون فلسطيني خلال العامين المقبلين، في محاولة لإحداث تغيير ديموغرافي جذري في القطاع.
تهجير أم إجبار على الرحيل؟
تأتي هذه التحرّكات الإسرائيلية وسط أوضاع إنسانية كارثية يعيشها سكان غزة، بفعل الحرب المستمرّة والحصار المشدّد، ما يجعل الهجرة خياراً اضطرارياً للكثيرين. وتُشير تقارير إلى أن عدد الغزيين الراغبين في مغادرة القطاع، قد يتزايد مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي.
وبينما تصف إسرائيل هذه الهجرة بـ”الطوعية”، يرى مراقبون أن الظروف القاسية المفروضة على غزة، تجعل منها تهجيراً قسرياً بغطاء إنساني، في إطار سياسة ممنهجة لتفريغ القطاع من سكانه وإعادة تشكيل خريطته الديموغرافية.









