تعيش إسرائيل اليوم واحدة من أكثر لحظات انكشافها الأخلاقي والسياسي حرجاً منذ عقود. ففضيحة النيابة العسكرية التي تفجّرت إثر الكشف عن تعذيب أسير فلسطيني في قاعدة سديه تيمان العسكرية، التي ارتُكبت فيها جرائم حرب ضد المعتقلين الفلسطينيين، ليست مجرد حادثة تسريب أو خلل إداري، بل شهادة دامغة على ثقافة مؤسساتية قائمة على الكذب والتستّر وتبرير الجرائم.
في إسرائيل، حين يُكشف عن جريمة حرب، نادراً ما يكون السؤال عن الجريمة نفسها، بل عمّن سرّبها وما إذا كانت قد تسببت بضرر إعلامي أو دولي. الجلاد لا يُحاسَب، بينما يُلاحَق من أخرج الحقيقة إلى العلن. هذه المفارقة تختصر بدقة المنظومة الأخلاقية والسياسية التي تحكم إسرائيل منذ عام 1948، والمبنية على تطبيع الجريمة وإنكار الضحية.
وحين يُعاد فتح الأرشيف الإسرائيلي بين الحين والآخر، تتكرر القصة نفسها: جريمة، فكذب، فتستّر، ثم فضيحة، فصمت. ففي عام 1984، حين قُتل أسيران فلسطينيان بعد اعتقالهما في ما عُرف بـ “قضية الخط 300” على طريق صلاح الدين في دير البلح، لم تهتز إسرائيل لأن جنودها قتلوا أسيرين أعزلين، بل لأن جهاز “الشاباك” كذب أمام المحكمة والإعلام. واليوم، في سديه تيمان، لا يدور الجدل حول الأسير الفلسطيني الذي عُذّب بوحشية، بل حول المدّعية العسكرية يفعات تومر يروشالمي التي حاولت إخفاء الحقيقة.
الاستمرارية هنا ليست مصادفة؛ إنها نظام حكم قائم على الكذب كأداة إدارة. فمنذ أن أصبحت الأكاذيب جزءاً من البنية القانونية لدولة الاحتلال، تحولت إسرائيل إلى دولة إفلات من العقاب، يتخذ فيها التزوير شكل سياسة رسمية لحماية صورة “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”.
من الخطأ النظر إلى القضاء الإسرائيلي كسلطة مستقلة أو كجهاز رقابة على الجيش. فالقضاء الإسرائيلي ذراع للاحتلال، والمحاكم الإسرائيلية، من العليا إلى العسكرية وما بينهما، هي أدوات للسيطرة والشرعنة، تُستخدم لتغطية الجرائم لا لمحاسبة مرتكبيها.
وعلى مدى عقود، لعبت هذه المحاكم دوراً مركزياً في تبييض سياسات الإبادة والتهجير والحصار والتعذيب التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين. فهي تمنح الغطاء القانوني لعمليات القتل والتدمير في غزة، وتصادق على مصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وتضفي شرعية على التعذيب والاعتقال الإداري والعقاب الجماعي.
بل إن إسرائيل لا تكتفي بتسخير نظامها القضائي الداخلي، بل تحاول استخدام القضاء الدولي نفسه، بما في ذلك محكمة العدل الدولية، كأداة دعائية لتجميل صورتها. وبينما تُتهم بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، تتذرع بحق “الدفاع عن النفس”، وتحول ساحات القانون الدولي إلى منصات سياسية لتبرير حرب الإبادة المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.
وفي قلب حرب الإبادة على غزة، حيث تتقاطع مشاهد القتل الجماعي مع التجويع والحصار والتعذيب وتدمير البنية المدنية بالكامل، يواصل النظام القضائي الإسرائيلي دوره القديم – الجديد: توفير الغطاء القانوني لجرائم الحرب. فقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية التي تصادق على القصف وتجويع المدنيين ليست سوى الوجه القانوني لسياسة الأرض المحروقة. إنها “عدالة” تُصاغ بمفردات قانونية، لكنها تُنفّذ بمدافع ودبابات.
إقرأوا أيضاً:
أما داخل السجون الإسرائيلية، فيُمارس التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين بشكل خطير ومنهجي، في ظل صمت قانوني مطبق، بل وبتبرير رسمي من النيابة العسكرية التي تُبرّئ الجلاد وتُدين الضحية. هذا هو جوهر القانون الإسرائيلي: حماية الجريمة باسم الأمن، وتبرير القمع باسم العدالة.
كذلك، الأوساط الإسرائيلية التي تقدّم نفسها كـ”ليبرالية” أو “ديمقراطية” تمارس نفاقاً موازياً. فهي تُدين التعذيب أحياناً، لكنها ترفض الاعتراف بأن الاحتلال نفسه هو الجريمة الكبرى، وأن كل ما يندرج تحته من قتل وتعذيب ليس انحرافاً عن القانون، بل تطبيق فعلي له.
وعندما تتفجّر فضائح التستّر في النيابة العسكرية، يصاب هذا التيار بالارتباك، لأنه يرى فيها تهديداً لمؤسسات يؤمن بأنها أساس “الديمقراطية الإسرائيلية”، بينما هي في الحقيقة غطاء قانوني للعنف الاستعماري.
تكشف قضية سجن سديه تيمان أن إسرائيل لم تعد فقط دولة ترتكب جرائم حرب، بل أيضاً دولة تكذب بشأن ارتكابها الجرائم، ثم تكذب بشأن الكذب نفسه. هذه ليست أزمة قانونية عابرة، بل انهيار أخلاقي عميق يجعل من المستحيل الفصل بين الاحتلال وبين المؤسسة التي تديره.
وحين يتواطأ القانون مع الجريمة، وتصبح النيابة العسكرية والمحكمة العليا أدوات قمع لا مساءلة، تفقد إسرائيل آخر أوراقها في ادعاء الديمقراطية. أما الفلسطينيون، فهم يدركون منذ زمن بعيد أن العدالة في إسرائيل، سواء كانت داخلية أو دولية، ليست سوى اسم مستعار لشرعنة الإبادة والعقاب الجماعي المستمر.














