في منزله بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، ادخر محمد نصر معلبات غذائية ومياه تكفيه لعشرين يومًا، بعدما قرر عدم النزوح من الحي الذي يتعرض لتدمير إسرائيلي متواصل منذ نحو شهر.
يدرك نصر تبعات قراره، وهو مستعد لكل السيناريوهات القادمة، سواء تعرضه للقتل أو الإصابة مع عائلته المكوّنة من ستة أفراد، في حال اقترب الجيش الإسرائيلي أكثر من منزله القائم على الأطراف الشرقية للحي.
يرفض نصر الخروج من منزله لأنه يعرف تمامًا ما ينتظره في خيمة النزوح، بعدما عاش تلك التجربة خلال نزوحه الأول من حي الزيتون في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، مع بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
يقول نصر لـ”درج”، عبر اتصال هاتفي: “أنا موجود في قلب منزلي بحي الزيتون، والقصف لا يتوقف في الخارج، والمنزل يهتز كل ثانية وكأن زلزالًا وقع، وعلى رغم ذلك لا خروج ولا نزوح”.
لم يبقَ الكثير من جيران نصر، إذ نزح معظمهم إلى جنوب القطاع، حيث الدمار الآخر الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي وحشر مئات الآلاف في منطقة المواصي، التي لا تشكّل أكثر من 3 في المئة من مساحة غزة.
إلى جانب نصر، يصرّ خالد ياسين هو الآخر على البقاء في الحي على رغم الهجوم العنيف بالمدفعية وسلاح الجو، رافضًا فكرة النزوح مجددًا. فقد فضّل ياسين الموت على حياة النزوح القاسية وغير الآدمية، خصوصًا في ظل غياب مكان ملائم لعائلته، وارتفاع تكلفة نقل الأثاث والفراش والأغطية، إلى جانب عدم توافر خيمة أصلًا للعيش فيها.
بدأ الجيش الإسرائيلي عمليته العسكرية للسيطرة على مدينة غزة شمال القطاع بالكامل، وتدمير ما تبقّى من منازل وعمارات وأبراج وبنى تحتية، من دون أن يعلن رسميًا عن بدء العملية. وتتركز الآن عند حي الزيتون، البوابة الجنوبية للمدينة وآخر حدودها مع المنطقة الوسطى وجنوب القطاع.
إقرأوا أيضاً:
مدينة غزة، وهي واحدة من محافظات القطاع الخمس، دمّر الجيش الإسرائيلي ثلاثًا منها بشكل شبه كامل، واحتل رابعة هي رفح بالكامل بعد تهجير جميع سكانها.
ومع العملية العسكرية، شهد حي الزيتون حركة نزوح كثيفة نحو غرب المدينة بدلًا من الجنوب، الذي يطالب الجيش الإسرائيلي السكان بالتوجه إليه، على رغم كونه مكانًا مدمرًا ومكتظًا بالنازحين ويتعرض بدوره لهجوم مستمر منذ أيار/ مايو الماضي.
وكما جرت العادة في المناطق التي يهاجمها الجيش الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يبدأ القصف باستهداف المباني العالية جوًا، بالتزامن مع نيران المدفعية الثقيلة. وفي حي الزيتون تحديدًا، ارتكب الجيش مجازر بحق المدنيين الذين بقوا في منازلهم، إما لعجزهم المالي عن النزوح، أو لغياب مناطق بديلة يلجأون إليها.
لا يُبدي الجيش الإسرائيلي أي اعتبار للمساعي الدبلوماسية الرامية للتوصل إلى اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار، ويمضي في خططه العسكرية ضد مدينة غزة. ومع استمرار القصف، صادق على إصدار أوامر استدعاء جديدة لجنود الاحتياط. ووفق بيان عسكري، أُصدر نحو 60 ألف أمر استدعاء جديد، إضافة إلى تمديد خدمة 20 ألفًا سبق استدعاؤهم.
تهديدات إسرائيلية
خلال العملية غير المعلنة، أجرى ضابط إسرائيلي اتصالًا بمسؤول صحي في غزة، طالبه فيه بإخراج المعدات الطبية من مستشفيات المدينة إلى جنوب القطاع لعلاج الجرحى. وردّت وزارة الصحة الفلسطينية بإعلان رفضها هذه المطالب، معتبرة أنها تقوّض ما تبقّى من النظام الصحي بعد التدمير الممنهج الذي تعرّض له، وتحرم أكثر من مليون إنسان من حقهم في العلاج وتعرّض حياة المرضى للخطر.
تحذير أممي
المفوض العام لـ”الأونروا”، فيليب لازاريني، حذّر من الخطة الإسرائيلية لاحتلال مدينة غزة، وأعرب عن مخاوفه من موت أطفال يعانون سوء التغذية في حال لم تصل المساعدات العاجلة فورًا. وأشار إلى أن بيانات الوكالة أظهرت زيادة عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية في غزة بمعدل ستة أضعاف منذ آذار/ مارس الماضي.
حديث الشارع
في الشوارع، تسود حالة من الخوف واليأس. يتساءل السكان عمّا ينتظرهم جنوبًا في حال اشتد القصف وتقدّم الجيش إلى عمق المدينة، أو إذا قضوا تحت أنقاض منازلهم. كل ما يريده الناس هو هدنة، ولو ليوم واحد فقط، يلتقطون فيها أنفاسهم بعيدًا عن القصف وصوت الطائرات.
بعض السكان مصرّون على البقاء، فيما آخرون يتهيّأون للنزوح إلى الوجهة التي سيحددها الجيش الإسرائيلي.
الصحافي إسلام الكومي كان أحد هؤلاء الذين أجبرتهم ظروفهم على البقاء في منازلهم القريبة من حي الزيتون، بسبب عدم امتلاكه أجرة النقل. وقد تعرّض منزله للقصف فقُتل مع عدد من أفراد أسرته وأصيب آخرون. وقبل مقتله، كتب عبر “فيسبوك”: “عدم نزوحنا ليس خيارًا… بل لأننا لا نملك المال”.
المياه، شريان الحياة، بدأت بالانقطاع من أحياء الزيتون والصبرة والدرج والتفاح، ما يدفع من تبقى من السكان إلى النزوح بحثًا عن مناطق لا تزال تتوافر فيها المياه.
موقف حماس
من جهتها، سارعت حركة “حماس” إلى قبول مقترح مصري – قطري لوقف إطلاق النار في محاولة لوقف الهجوم على غزة، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو رد بشكل غامض ولم يقدم إجابة واضحة.
ويتوقع كاتب المقال أن يواصل الجيش الإسرائيلي هدم آلاف المباني السكنية وتدمير البنى التحتية في غزة، قبل أن ينتقل إلى مخيمات وسط القطاع، ما يعني تدمير المحافظات الخمس جميعها.












