ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إسرائيل تفتك بصور والنبطية والجنوب… ونصف الحكومة اللبنانية في إجازة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تتداول مجالس سياسية أن 13 وزيراً لبنانياً غادر لبنان في إجازة عيد الأضحى، فهل هذا خبر طبيعي في سياق حرب طاحنة فيما آلاف اللبنانيين لا يجدون من يخاطبهم؟ هل يعقل أن تأخذ الدولة اللبنانية إجازة من الحرب؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تذكر سجلّات متحف الحرب الإمبراطوري في لندن أن مجلس حرب تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، اجتمع في غرف الحرب الحكومية تحت مقرّ الحكومة المعروف بـ “وايتهول” 115 مرّة، خصوصاً خلال قصف لندن وهجمات الصواريخ الألمانية اللاحقة. 

هناك، في الأقبية القريبة من مقرّ رئاسة الحكومة والبرلمان، عمل الوزراء والقادة العسكريون والمخطّطون، وتحوّلت الخرائط والمعلومات والاجتماعات إلى قلب إدارة الحرب. بقي جهاز الحكم يعمل تحت القصف على مدار الساعات حتى نهاية الحرب.

قد تبدو المقاربة ظالمة إذا ما حاولنا التفكير بحالنا اليوم في لبنان الذي يتعرّض لحرب إسرائيلية شرسة. لا أحد يطلب من الحكومة اللبنانية أن تكون بريطانيا، ولا من وزرائها أن يديروا حرباً عالمية من أقبية محصنة، فنحن نعرف حجم البلد، ونعرف هشاشة مؤسّساته، ونعرف اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، ونعرف أن “حزب الله” صادر قرار الحرب والسلم لعقود وجرّ لبنان إلى معادلة قاتلة. 

لكن ما لا يمكن فهمه أو تبريره هو أن تبدو الدولة غائبة عن لحظة انهيار الجنوب. ما لا يمكن قبوله هو أن يتصرّف مسؤولون كأن الحرب شأن يمكن متابعته من خارج لبنان، أو كأن عطلة العيد أولوية طبيعية فيما صور التاريخية تُقصف، والنبطية تقترب من الترميد والقرى تُمحى، والناس يبحثون عن دولة تخاطبهم فلا يجدون إلا الصمت أو التغريدات المرتبكة.

تتداول مجالس سياسية أن 13 وزيراً لبنانياً غادر لبنان في إجازة عيد الأضحى، فهل هذا خبر طبيعي في سياق حرب طاحنة فيما آلاف اللبنانيين لا يجدون من يخاطبهم؟ هل يعقل أن تأخذ الدولة اللبنانية إجازة من الحرب؟

قد يخرج من ينفي الرقم أو يخفّفه أو يشرحه أو يقول إن بعضهم في سفر عمل أو إن الاتّصالات مستمرّة أو إن الهواتف مفتوحة، لكنّ الفضيحة لا تقف عند الرقم وحده. الفضيحة تكمن أوّلاً في الإحساس السياسي والأخلاقي الذي يسمح لوزراء في حكومة بلد يتعرّض جزء منه للتدمير والاحتلال والتهجير بأن يشعروا أن السفر أمر عادي، وكأن الجنوب ليس تحت النار. كأن صور ليست مدينة لبنانية، كأن النبطية ليست في دائرة الخطر، وكأن الناس الذين يقتلون في بيوتهم ليسوا مواطنين يفترض أن تحميهم هذه الحكومة.

لا أحد يطلب بطولة استعراضية، ولا أحد يطلب من الحكومة اللبنانية أن تمتلك، فجأة، قدرة عسكرية أو سياسية لا تملكها، لكنّ هناك حدّاً أدنى اسمه الحضور، حدّاً أدنى اسمه المسؤولية، حدّاً أدنى اسمه مخاطبة الناس، وأن يشعر الجنوبيون، واللبنانيون عموماً، أن هناك دولة تعرف أنهم موجودون ويتألّمون، دولة لا تكتفي ببيانات باردة وتصريحات تُكتب على عجل، دولة لا تختبئ خلف عجزها، ولا تحوّل العجز إلى سياسة رسمية.

كثيرون منّا يقولون عن قناعة إنه لا حلّ خارج الدولة وإن سلاح “حزب الله” أوصل لبنان إلى نكبة وجودية قاتلة، وإن استمرار الحزب في استخدام المسيّرات والهجمات، غير آبه بتقدّم إسرائيل وبالكلفة الهائلة على الناس والأرض، هو جزء من الكارثة، وإن من يصرّ على القتال من خارج الدولة، ومن خارج أيّ تفويض وطني جامع، وباختلال عسكري هائل، فهو يجرّ بلداً كاملاً إلى فم الوحش. 

كثيرون منّا يقولون إن الدبلوماسية والتفاوض هما الطريق الوحيد لوقف الانهيار، وإن الدولة هي الإطار الوحيد الممكن لأيّ نجاة.

لكن كيف نقنع الناس بالعودة إلى الدولة حين تبدو الدولة نفسها غائبة عنهم؟ كيف نقول لأهالي الجنوب اتركوا “حزب الله” وعودوا إلى الدولة، فيما الدولة لا تجد أن هناك ضرورة لأن تخاطبهم يومياً، ولا لأن تعلن استنفاراً سياسياً وإدارياً، ولا لأن تعقد جلسات حكومية ونيابية وأمنية مفتوحة؟ كيف نطلب من الناس أن يثقوا بمؤسّسة لا تبادر حتى إلى منحهم شعوراً بأنها معهم؟

كان يفترض بالحكومة أن تكون في حال انعقاد دائم، كان يفترض بمجلس النوّاب أن يكون في جلسات مفتوحة، كان يفترض بالرؤساء الثلاثة، جوزاف عون ونبيه برّي ونوّاف سلام، أن يظهروا أمام اللبنانيين بخطاب يومي واضح. ليس خطاباً إنشائياً ولا تكراراً لعبارات “التمسّك بالسيادة” و”رفض العدوان” و”متابعة الاتّصالات”، بل خطاب يشرح للناس ماذا تفعل الدولة؟ ماذا تعرف؟ ماذا تطلب من المجتمع الدولي؟ كيف ستجعل بيروت منزوعة السلاح كخطوة أولى في مسار استعادة حصرية القرار العسكري؟ كيف تحمي النازحين؟ كيف توثّق الجرائم؟ كيف تتواصل مع البلديات؟ كيف تدير الإغاثة؟ كيف تواكب المدن المهدّدة؟ كيف تضع العالم أمام مسؤولياته؟

في لحظات كهذه، لا تكون السياسة فقط قرارات كبرى، السياسة تصبح أيضاً صوتاً، جملة يومية تقول للناس إنهم ليسوا متروكين. كان يفترض أن نرى وزراء الصحّة والشؤون والداخلية والدفاع والخارجية والإعلام في حالة عمل دائم، لا في حالة انتظار. كان يفترض أن يكون هناك مركز إعلامي رسمي، مؤتمر يومي، خرائط واضحة، أرقام دقيقة، خطّة نزوح، آليّة طوارئ، تواصل مع الصحافيين، تواصل مع البلديات، وتوثيق منهجي لكل استهداف وكل ضحيّة وكل عمليّة تهجير. كان يفترض أن تتحوّل الحكومة إلى غرفة عمليّات سياسية وإنسانية لا إلى طاقم يوزّع بيانات ويترك اللبنانيين يتلقّون أخبار مصيرهم من الشاشات ومن بيانات الجيش الإسرائيلي ومن “انتصارات” الحزب التي تكاد تصل الى حيفا.

نبيه برّي، وهو في الموقع الأكثر حساسية في هذه اللحظة، يلوذ بالصمت أو “الحرد”. الرجل الذي ظلّ لعقود أحد أبرز مهندسي التوازنات اللبنانية، وأحد أعمدة النظام الذي أتاح لـ”حزب الله” أن يتمدّد داخل الدولة وخارجها، يتصرّف الآن وكأن الصمت موقف. لكنّ الصمت في لحظة كهذه ليس حكمة. الصمت تخلٍّ ورسالة إلى الجنوبيين بأنهم وحدهم في مواجهة النار، ووحدهم أيضاً في مواجهة الحسابات السياسية التي صنعت هذا المصير.

رئيس الحكومة نوّاف سلام يبدو مقتصداً في الظهور والكلام وأقلّ بكثير ممّا تتطلّبه اللحظة. تغريدات وتعليقات مقتضبة، كأنها تكتب تحت ضغط الواجب لا تحت ضغط الكارثة. لا يكفي أن يكون الموقف صحيحاً في المبدأ. لا يكفي أن نقول إن الحكومة تتعرّض لهجوم من “حزب الله” وتخوين من جمهوره وابتزاز من حلفائه، هذا صحيح، لكنّه لا يعفيها من الحدّ الأدنى. في السياسة، خصوصاً في زمن الحرب، الشكل جزء من الجوهر، وطريقة الكلام جزء من الفعل. 

أما رئيس الجمهورية جوزاف عون، فحضوره لا يزال دون مستوى اللحظة. في بلد يواجه احتمال توسّع الاحتلال، لا يكفي أن يكون الرئيس رمزاً عامّاً أو ضامناً صامتاً أو متابعاً من خلف الجدران. المطلوب أن يخاطب اللبنانيين، لا بصفته خطيباً، بل بصفته رأس الدولة. أن يقول بوضوح ما هي حدود الممكن وما هي خطوط الخطر وما الذي تقوم به الدولة. الناس لا تطلب معجزات، لكنّها تطلب أن ترى من يدّعي تمثيل الدولة وهو يتصرّف كأن الدولة موجودة فعلاً.

المأزق اللبناني اليوم مزدوج وقاسٍ. من جهة، “حزب الله” يواصل معركة يدفع ثمنها الجنوبيون واللبنانيون، كأنه يقيس معنى “الصمود” بعدد البيوت التي تسقط وعدد القرى التي تفرغ وعدد الجثامين التي تخرج من تحت الركام. ومن جهة أخرى، الدولة التي يفترض أن تكون البديل تبدو كأنها تنتظر نتيجة المعركة لتقرّر كيف ستتصرّف، كأنها تراقب من بعيد لترى من سيربح، لا لتسأل كيف تنقذ من تبقّى.

هنا تكمن الفضيحة الأعمق. منذ نهاية الحرب اللبنانية، ساهمت الطبقة السياسية في تكريس سطوة “حزب الله”. فعلت ذلك بالمحاصصة الانتخابية، بالتعيينات، بالفساد، بالمصالح، وبالتسويات التي باعت فكرة الدولة قطعة قطعة. من كان يحتاج إلى أصوات الحزب سكت، ومن كان يحتاج إلى سلاحه ضمنياً ساوم، ومن كان يحتاج إلى تحالفه غضّ النظر، ومن كان يعارضه علناً كان غالباً يلتقي معه في مكان آخر من نظام المصالح. هكذا تُرك الشيعة، وتُرك الجنوب، داخل معادلة قوامها أن هناك حزباً مسلّحاً يختصر تمثيلهم، ودولة تتذكّرهم فقط حين تريد منهم أن يعودوا إليها.

إذا أردنا فعلاً أن نقول للناس إن الدولة هي الملجأ، فعلى الدولة أن تتصرّف كملجأ وعلى الحكومة أن تقدّم نموذجاً آخر غير العجز. إذا أردنا أن نقول إن الدبلوماسية هي الحلّ، فعلى الدبلوماسية أن تبدو عملاً يومياً لا شعاراً بارداً. إذا أردنا أن نقول إن لبنان ليس مجرّد ساحات لطهران أو تل أبيب، فعلى السلطة اللبنانية أن تظهر كأنها سلطة بلد لا كأنها إدارة انتظار.

المطلوب الآن ليس خطابات بطولية، المطلوب أقلّ بكثير، وأصعب بكثير: ألّا يشعر الناس أنهم وحدهم. ألّا يشعر الجنوبي أن موته خبر عابر في يوم عطلة. ألّا تشعر صور أن تاريخها ينهار فيما وزراء البلد في الخارج. ألّا تشعر النبطية أن الخطر يقترب منها بينما السلطة تراقب من بعيد. 

قد لا تأخذ إسرائيل إجازة من الحرب، لكنّ الأخطر أن تبدو الدولة اللبنانية وكأنها أخذت إجازة من مسؤوليتها. وفي بلد يحترق جنوبه، هذه ليست زلّة بروتوكولية ولا سوء تقدير سياسي، هذه فضيحة وطنية. لأن الدولة التي تغيب في لحظة الخطر، لا تستطيع لاحقاً أن تطلب من الناس أن يثقوا بها. والدولة التي لا تحضر حين يموت مواطنوها، لا يحقّ لها أن تتفاجأ حين يبحث هؤلاء المواطنون، مهما أخطأوا أو ضلّوا أو دُفعوا، عن قوّة أخرى تقول لهم إنها تراهم.

بين حرب إسرائيل التي لا ترحم، وسلاح “حزب الله” الذي لا يسأل الناس عن كلفة قراراته، تقف الدولة اللبنانية اليوم أمام امتحانها الأكثر بديهية، وهو ببساطة امتحان أن تكون موجودة. حتى الآن، الرسالة التي تصل إلى الجنوب ليست رسالة دولة، إنها رسالة فراغ. وربما، قبل أن نطالب الجنوبيين بأن يعودوا إلى الدولة، علينا أن ننتظر عودة الوزراء من الإجازة!

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

تتداول مجالس سياسية أن 13 وزيراً لبنانياً غادر لبنان في إجازة عيد الأضحى، فهل هذا خبر طبيعي في سياق حرب طاحنة فيما آلاف اللبنانيين لا يجدون من يخاطبهم؟ هل يعقل أن تأخذ الدولة اللبنانية إجازة من الحرب؟

تذكر سجلّات متحف الحرب الإمبراطوري في لندن أن مجلس حرب تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، اجتمع في غرف الحرب الحكومية تحت مقرّ الحكومة المعروف بـ “وايتهول” 115 مرّة، خصوصاً خلال قصف لندن وهجمات الصواريخ الألمانية اللاحقة. 

هناك، في الأقبية القريبة من مقرّ رئاسة الحكومة والبرلمان، عمل الوزراء والقادة العسكريون والمخطّطون، وتحوّلت الخرائط والمعلومات والاجتماعات إلى قلب إدارة الحرب. بقي جهاز الحكم يعمل تحت القصف على مدار الساعات حتى نهاية الحرب.

قد تبدو المقاربة ظالمة إذا ما حاولنا التفكير بحالنا اليوم في لبنان الذي يتعرّض لحرب إسرائيلية شرسة. لا أحد يطلب من الحكومة اللبنانية أن تكون بريطانيا، ولا من وزرائها أن يديروا حرباً عالمية من أقبية محصنة، فنحن نعرف حجم البلد، ونعرف هشاشة مؤسّساته، ونعرف اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، ونعرف أن “حزب الله” صادر قرار الحرب والسلم لعقود وجرّ لبنان إلى معادلة قاتلة. 

لكن ما لا يمكن فهمه أو تبريره هو أن تبدو الدولة غائبة عن لحظة انهيار الجنوب. ما لا يمكن قبوله هو أن يتصرّف مسؤولون كأن الحرب شأن يمكن متابعته من خارج لبنان، أو كأن عطلة العيد أولوية طبيعية فيما صور التاريخية تُقصف، والنبطية تقترب من الترميد والقرى تُمحى، والناس يبحثون عن دولة تخاطبهم فلا يجدون إلا الصمت أو التغريدات المرتبكة.

تتداول مجالس سياسية أن 13 وزيراً لبنانياً غادر لبنان في إجازة عيد الأضحى، فهل هذا خبر طبيعي في سياق حرب طاحنة فيما آلاف اللبنانيين لا يجدون من يخاطبهم؟ هل يعقل أن تأخذ الدولة اللبنانية إجازة من الحرب؟

قد يخرج من ينفي الرقم أو يخفّفه أو يشرحه أو يقول إن بعضهم في سفر عمل أو إن الاتّصالات مستمرّة أو إن الهواتف مفتوحة، لكنّ الفضيحة لا تقف عند الرقم وحده. الفضيحة تكمن أوّلاً في الإحساس السياسي والأخلاقي الذي يسمح لوزراء في حكومة بلد يتعرّض جزء منه للتدمير والاحتلال والتهجير بأن يشعروا أن السفر أمر عادي، وكأن الجنوب ليس تحت النار. كأن صور ليست مدينة لبنانية، كأن النبطية ليست في دائرة الخطر، وكأن الناس الذين يقتلون في بيوتهم ليسوا مواطنين يفترض أن تحميهم هذه الحكومة.

لا أحد يطلب بطولة استعراضية، ولا أحد يطلب من الحكومة اللبنانية أن تمتلك، فجأة، قدرة عسكرية أو سياسية لا تملكها، لكنّ هناك حدّاً أدنى اسمه الحضور، حدّاً أدنى اسمه المسؤولية، حدّاً أدنى اسمه مخاطبة الناس، وأن يشعر الجنوبيون، واللبنانيون عموماً، أن هناك دولة تعرف أنهم موجودون ويتألّمون، دولة لا تكتفي ببيانات باردة وتصريحات تُكتب على عجل، دولة لا تختبئ خلف عجزها، ولا تحوّل العجز إلى سياسة رسمية.

كثيرون منّا يقولون عن قناعة إنه لا حلّ خارج الدولة وإن سلاح “حزب الله” أوصل لبنان إلى نكبة وجودية قاتلة، وإن استمرار الحزب في استخدام المسيّرات والهجمات، غير آبه بتقدّم إسرائيل وبالكلفة الهائلة على الناس والأرض، هو جزء من الكارثة، وإن من يصرّ على القتال من خارج الدولة، ومن خارج أيّ تفويض وطني جامع، وباختلال عسكري هائل، فهو يجرّ بلداً كاملاً إلى فم الوحش. 

كثيرون منّا يقولون إن الدبلوماسية والتفاوض هما الطريق الوحيد لوقف الانهيار، وإن الدولة هي الإطار الوحيد الممكن لأيّ نجاة.

لكن كيف نقنع الناس بالعودة إلى الدولة حين تبدو الدولة نفسها غائبة عنهم؟ كيف نقول لأهالي الجنوب اتركوا “حزب الله” وعودوا إلى الدولة، فيما الدولة لا تجد أن هناك ضرورة لأن تخاطبهم يومياً، ولا لأن تعلن استنفاراً سياسياً وإدارياً، ولا لأن تعقد جلسات حكومية ونيابية وأمنية مفتوحة؟ كيف نطلب من الناس أن يثقوا بمؤسّسة لا تبادر حتى إلى منحهم شعوراً بأنها معهم؟

كان يفترض بالحكومة أن تكون في حال انعقاد دائم، كان يفترض بمجلس النوّاب أن يكون في جلسات مفتوحة، كان يفترض بالرؤساء الثلاثة، جوزاف عون ونبيه برّي ونوّاف سلام، أن يظهروا أمام اللبنانيين بخطاب يومي واضح. ليس خطاباً إنشائياً ولا تكراراً لعبارات “التمسّك بالسيادة” و”رفض العدوان” و”متابعة الاتّصالات”، بل خطاب يشرح للناس ماذا تفعل الدولة؟ ماذا تعرف؟ ماذا تطلب من المجتمع الدولي؟ كيف ستجعل بيروت منزوعة السلاح كخطوة أولى في مسار استعادة حصرية القرار العسكري؟ كيف تحمي النازحين؟ كيف توثّق الجرائم؟ كيف تتواصل مع البلديات؟ كيف تدير الإغاثة؟ كيف تواكب المدن المهدّدة؟ كيف تضع العالم أمام مسؤولياته؟

في لحظات كهذه، لا تكون السياسة فقط قرارات كبرى، السياسة تصبح أيضاً صوتاً، جملة يومية تقول للناس إنهم ليسوا متروكين. كان يفترض أن نرى وزراء الصحّة والشؤون والداخلية والدفاع والخارجية والإعلام في حالة عمل دائم، لا في حالة انتظار. كان يفترض أن يكون هناك مركز إعلامي رسمي، مؤتمر يومي، خرائط واضحة، أرقام دقيقة، خطّة نزوح، آليّة طوارئ، تواصل مع الصحافيين، تواصل مع البلديات، وتوثيق منهجي لكل استهداف وكل ضحيّة وكل عمليّة تهجير. كان يفترض أن تتحوّل الحكومة إلى غرفة عمليّات سياسية وإنسانية لا إلى طاقم يوزّع بيانات ويترك اللبنانيين يتلقّون أخبار مصيرهم من الشاشات ومن بيانات الجيش الإسرائيلي ومن “انتصارات” الحزب التي تكاد تصل الى حيفا.

نبيه برّي، وهو في الموقع الأكثر حساسية في هذه اللحظة، يلوذ بالصمت أو “الحرد”. الرجل الذي ظلّ لعقود أحد أبرز مهندسي التوازنات اللبنانية، وأحد أعمدة النظام الذي أتاح لـ”حزب الله” أن يتمدّد داخل الدولة وخارجها، يتصرّف الآن وكأن الصمت موقف. لكنّ الصمت في لحظة كهذه ليس حكمة. الصمت تخلٍّ ورسالة إلى الجنوبيين بأنهم وحدهم في مواجهة النار، ووحدهم أيضاً في مواجهة الحسابات السياسية التي صنعت هذا المصير.

رئيس الحكومة نوّاف سلام يبدو مقتصداً في الظهور والكلام وأقلّ بكثير ممّا تتطلّبه اللحظة. تغريدات وتعليقات مقتضبة، كأنها تكتب تحت ضغط الواجب لا تحت ضغط الكارثة. لا يكفي أن يكون الموقف صحيحاً في المبدأ. لا يكفي أن نقول إن الحكومة تتعرّض لهجوم من “حزب الله” وتخوين من جمهوره وابتزاز من حلفائه، هذا صحيح، لكنّه لا يعفيها من الحدّ الأدنى. في السياسة، خصوصاً في زمن الحرب، الشكل جزء من الجوهر، وطريقة الكلام جزء من الفعل. 

أما رئيس الجمهورية جوزاف عون، فحضوره لا يزال دون مستوى اللحظة. في بلد يواجه احتمال توسّع الاحتلال، لا يكفي أن يكون الرئيس رمزاً عامّاً أو ضامناً صامتاً أو متابعاً من خلف الجدران. المطلوب أن يخاطب اللبنانيين، لا بصفته خطيباً، بل بصفته رأس الدولة. أن يقول بوضوح ما هي حدود الممكن وما هي خطوط الخطر وما الذي تقوم به الدولة. الناس لا تطلب معجزات، لكنّها تطلب أن ترى من يدّعي تمثيل الدولة وهو يتصرّف كأن الدولة موجودة فعلاً.

المأزق اللبناني اليوم مزدوج وقاسٍ. من جهة، “حزب الله” يواصل معركة يدفع ثمنها الجنوبيون واللبنانيون، كأنه يقيس معنى “الصمود” بعدد البيوت التي تسقط وعدد القرى التي تفرغ وعدد الجثامين التي تخرج من تحت الركام. ومن جهة أخرى، الدولة التي يفترض أن تكون البديل تبدو كأنها تنتظر نتيجة المعركة لتقرّر كيف ستتصرّف، كأنها تراقب من بعيد لترى من سيربح، لا لتسأل كيف تنقذ من تبقّى.

هنا تكمن الفضيحة الأعمق. منذ نهاية الحرب اللبنانية، ساهمت الطبقة السياسية في تكريس سطوة “حزب الله”. فعلت ذلك بالمحاصصة الانتخابية، بالتعيينات، بالفساد، بالمصالح، وبالتسويات التي باعت فكرة الدولة قطعة قطعة. من كان يحتاج إلى أصوات الحزب سكت، ومن كان يحتاج إلى سلاحه ضمنياً ساوم، ومن كان يحتاج إلى تحالفه غضّ النظر، ومن كان يعارضه علناً كان غالباً يلتقي معه في مكان آخر من نظام المصالح. هكذا تُرك الشيعة، وتُرك الجنوب، داخل معادلة قوامها أن هناك حزباً مسلّحاً يختصر تمثيلهم، ودولة تتذكّرهم فقط حين تريد منهم أن يعودوا إليها.

إذا أردنا فعلاً أن نقول للناس إن الدولة هي الملجأ، فعلى الدولة أن تتصرّف كملجأ وعلى الحكومة أن تقدّم نموذجاً آخر غير العجز. إذا أردنا أن نقول إن الدبلوماسية هي الحلّ، فعلى الدبلوماسية أن تبدو عملاً يومياً لا شعاراً بارداً. إذا أردنا أن نقول إن لبنان ليس مجرّد ساحات لطهران أو تل أبيب، فعلى السلطة اللبنانية أن تظهر كأنها سلطة بلد لا كأنها إدارة انتظار.

المطلوب الآن ليس خطابات بطولية، المطلوب أقلّ بكثير، وأصعب بكثير: ألّا يشعر الناس أنهم وحدهم. ألّا يشعر الجنوبي أن موته خبر عابر في يوم عطلة. ألّا تشعر صور أن تاريخها ينهار فيما وزراء البلد في الخارج. ألّا تشعر النبطية أن الخطر يقترب منها بينما السلطة تراقب من بعيد. 

قد لا تأخذ إسرائيل إجازة من الحرب، لكنّ الأخطر أن تبدو الدولة اللبنانية وكأنها أخذت إجازة من مسؤوليتها. وفي بلد يحترق جنوبه، هذه ليست زلّة بروتوكولية ولا سوء تقدير سياسي، هذه فضيحة وطنية. لأن الدولة التي تغيب في لحظة الخطر، لا تستطيع لاحقاً أن تطلب من الناس أن يثقوا بها. والدولة التي لا تحضر حين يموت مواطنوها، لا يحقّ لها أن تتفاجأ حين يبحث هؤلاء المواطنون، مهما أخطأوا أو ضلّوا أو دُفعوا، عن قوّة أخرى تقول لهم إنها تراهم.

بين حرب إسرائيل التي لا ترحم، وسلاح “حزب الله” الذي لا يسأل الناس عن كلفة قراراته، تقف الدولة اللبنانية اليوم أمام امتحانها الأكثر بديهية، وهو ببساطة امتحان أن تكون موجودة. حتى الآن، الرسالة التي تصل إلى الجنوب ليست رسالة دولة، إنها رسالة فراغ. وربما، قبل أن نطالب الجنوبيين بأن يعودوا إلى الدولة، علينا أن ننتظر عودة الوزراء من الإجازة!