منذ سنوات، لم يكن ملف “الحشد الشعبي” مجرد قضية أمنية داخلية في العراق، بل تحوّل تدريجياً إلى عقدة إقليمية تتشابك فيها مصالح واشنطن وطهران والخليج، وتُختبر عبرها قدرة بغداد على البقاء في منطقة رمادية بين الحليف الأميركي والشريك الإيراني. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المنطقة الرمادية بدأت تضيق بسرعة، وأن حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تقف أمام أخطر اختبار سياسي وأمني منذ تشكيلها.
المشهد هذه المرة لا يتعلق بضربة محدودة أو أزمة عابرة، بل بخطة أميركية متكاملة، بحسب مسؤولين عراقيين، لإعادة صياغة البنية المسلحة في العراق، تبدأ بنزع السلاح الثقيل من الفصائل، وعزل قيادات نافذة، وإعادة هيكلة “هيئة الحشد الشعبي” عبر ضباط محترفين يتولون إدارة المفاصل الحساسة والبنى التحتية التابعة لها.
هذه المعطيات تزامنت مع عودة اسم الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس إلى بغداد، بعد غياب يقارب العقدين، في زيارة استمرت خمسة أيام، حملت طابعاً غير رسمي في الشكل، لكنها بدت شديدة الحساسية في المضمون. فالرجل الذي ارتبط اسمه بمرحلة “الصحوات” والحرب الطائفية بعد 2003، عاد هذه المرة بصفة “خبير مستقل” يعمل على “ورقة تنفيذية”، تتعلق بمستقبل السلاح خارج الدولة.
مصادر سياسية أكدت أن بترايوس عقد لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، وكان ملف “الحشد الشعبي”، في قلب المحادثات. لكن المفارقة أن بغداد نفسها هي من استعانت به، عبر علاقة قديمة تربطه بعلي الزيدي منذ سنوات الحرب الطائفية، أملاً بلعب دور “صندوق بريد”، بين الحكومة العراقية والإدارة الأميركية لتخفيف حدة الاصطدام المتوقع مع الفصائل المسلحة.
وفيما كانت واشنطن تشدد شروطها السياسية والأمنية، كانت بغداد تحاول شراء الوقت. فقد كشفت مصادر شيعية عن مقترح عراقي عاجل نُقل إلى الأميركيين، يقضي بوضع الفصائل المسلحة تحت “مراقبة صارمة”، لمدة ثلاثة أشهر قبل اتخاذ أي قرار نهائي بحلها أو تفكيكها.
العرض العراقي تضمّن تعهداً واضحاً، إذا أقدمت أي فصائل على استهداف أربيل أو السفارات الأجنبية أو المنشآت الحيوية، فإن الحكومة ستلغي التفاهمات فوراً وتتحرك ضد تلك الجماعات. وهي رسالة حاولت بغداد من خلالها إقناع واشنطن بأن المواجهة الفورية قد تفجر النظام السياسي بالكامل.
السبب وراء هذا القلق لا يتعلق فقط بالسلاح، بل بالتركيبة السياسية نفسها. فالفصائل المسلحة ليست مجرد تشكيلات قتالية، بل تمتلك أذرعاً سياسية داخل البرلمان تتجاوز، وفق التقديرات، حاجز الـ100 نائب. وهذا الرقم يعني عملياً أن أي محاولة لاستبعادها بشكل كامل قد تؤدي إلى شلل سياسي واسع، وربما انهيار التحالفات التي أنتجت الحكومة الحالية.
ولهذا حاولت بغداد تسويق “تخريجات قانونية”، تسمح بإعادة تدوير بعض القوى المقربة من الفصائل داخل المشهد الحكومي، خصوصاً الجماعات الخاضعة للفيتو الأميركي مثل “عصائب أهل الحق”، و”كتائب سيد الشهداء”، بزعامة أبو آلاء الولائي.
لكن واشنطن لا تنظر إلى الملف من زاوية عراقية داخلية فقط. التحول الحقيقي جاء بعد الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت الطاقة والتحلية في السعودية والإمارات. بالنسبة الى الأميركيين، لم تعد الفصائل العراقية تمثل مشكلة محلية مرتبطة بالعراق وحده، بل تحولت إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة الخليجي، وبالتالي إلى خطر استراتيجي على الاقتصاد العالمي.
هذا التحول في النظرة الأميركية غيّر قواعد اللعبة بالكامل. فالإدارة الأميركية التي كانت تتعامل سابقاً مع الفصائل بمنطق “الاحتواء”، باتت تميل الآن إلى منطق “إعادة الهيكلة القسرية”، خصوصاً مع تزايد القناعة بأن بعض الجماعات المسلحة قادرة على تعطيل الاستقرار الإقليمي بضربات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
وتشير المصادر إلى أن بغداد نفسها تعتقد أن بعض الهجمات الأخيرة انطلقت من الأراضي العراقية بهدف “إحراج” حكومة الزيدي بعد أيام فقط من تسلمه السلطة. في المقابل، تنفي أوساط مقربة من الفصائل هذه الاتهامات، وتقول إن الجماعات منشغلة حالياً بترتيب وضعها السياسي والحكومي وليست معنية بفتح جبهة مع الخليج.
وسط هذا الاشتباك، ظهر عامل داخلي جديد قلب الحسابات، وهو موقف زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، الذي منح ضوءاً أخضر مشروطاً للحكومة للتحرك في ملف السلاح، مشترطاً إنهاء ما سماه “خلطة العطار”، في إشارة إلى التدخل الإيراني، مع الدعوة الى تحويل عناصر الفصائل إلى وظائف مدنية أو دينية كحلّ يمنع انهيار “الإطار التنسيقي”، تحت ضغط العقوبات الأميركية المحتملة.
اللافت أن الصدر منح الحكومة مهلة 90 يوماً للتقييم، وهي مدة تتقاطع تقريباً مع “فترة الاختبار”، التي تحاول بغداد انتزاعها من واشنطن عبر وساطة بترايوس.
لكن خلف الكواليس، لا تبدو إيران مستعدة للتخلي بسهولة عن أهم أوراق نفوذها في العراق. فبحسب أوساط سياسية شيعية، تعمل طهران حالياً على ما يوصف بـ”التغلغل الهادئ”، وهي خطة تهدف إلى الحفاظ على النفوذ الفصائلي عبر إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة بدلاً من المواجهة المباشرة مع المشروع الأميركي.
ضمن هذا السيناريو، قد يحصل تسليم شكلي لبعض الأسلحة الخفيفة إلى هيئة الحشد، مقابل الاحتفاظ بالبنية التنظيمية والقدرات الحقيقية بعيداً عن الأضواء.
إقرأوا أيضاً:
تبدو بعض الفصائل أكثر تشدداً، فقد أعلنت “كتائب حزب الله”، و”حركة النجباء”، رفضهما القاطع لأي مشروع لنزع السلاح، واعتبر نائب رئيس المجلس التنفيذي للنجباء حسين السعيدي أن دمج الحشد “مخطط أميركي”، وأن “المساومة على السلاح مرفوضة”.
لكن الانقسام داخل المعسكر المسلح نفسه بدأ يطفو إلى السطح. فقد خرجت “العصائب”، بموقف مختلف نسبياً، حين أعلن سعد السعدي انفكاك حركة “الصادقون”، رسمياً عن الحشد، تمهيداً لقرار “وطني”، بنزع السلاح بعد العيد، في خطوة فُسرت بأنها محاولة لضمان حصة في “الوجبة الوزارية الثانية”.
وهنا تتضح طبيعة الأزمة الحقيقية، السلاح في العراق لم يعد مجرد أداة عسكرية، بل تحول إلى بوابة للنفوذ السياسي والاقتصادي والإداري. ولذلك فإن أي عملية تفكيك لن تكون أمنية فقط، بل ستعيد رسم الخريطة السياسية بكاملها.
ضمن محاولات البحث عن مخارج، طرح القيادي في منظمة بدر محمود الحياني مشروعاً يقضي بإنشاء “وزارة الأمن الاتحادي”، تضم الحشد الشعبي والرد السريع والشرطة الاتحادية وأمن الحدود وربما البيشمركة أيضاً. الفكرة تبدو أقرب إلى محاولة لإضفاء شرعية مؤسساتية على الحشد بدل حله، مع ضمان استمرار التمويل والامتيازات لعشرات آلاف المنتسبين.
وبحسب الحياني، فإن بترايوس أبدى موافقة مبدئية على الفكرة، على رغم عدم وجود أي موقف أميركي رسمي معلن حتى الآن.
غير أن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بالشكل الإداري، بل بجوهر القرار السياسي المرتبط برفض واشنطن بقاء قوة عقائدية مرتبطة بإيران داخل بنية الدولة العراقية، حتى لو تم تغيير اسمها وهيكلها.
ولا يقتصر هذا التحول على البنية العسكرية للفصائل، بل يمتد إلى شبكة النفوذ الإداري والسياسي المرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة.
نحو 3 آلاف موظف، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى، قد تطاولهم التغييرات المرتقبة، في مؤشر يكشف حجم التغلغل الفصائلي داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية، خصوصاً بعد الحرب على “داعش”، حين تمددت الجماعات المسلحة من المجال الأمني إلى البيروقراطية العراقية ومراكز القرار الاقتصادي والإداري.
وبينما تحاول القوى الشيعية احتواء “التراشق الإعلامي”، بين أطراف “الإطار التنسيقي”، يبدو هذا الهدوء مؤقتاً، وقد ينفجر مجدداً فور وصول الرد الأميركي، خصوصاً مع تعقّد المشهد وتداخل الملفات الأمنية والسياسية والحكومية.
وتنتظر بغداد الرد الأميركي بعد انتهاء عطلة العيد، لكن مصادر سياسية ترجّح أن يمتد التأخير إلى ما بعد ذلك، في ظل عدم وجود تسوية نهائية حتى الآن.
ولا يتوقف الأمر عند الوزارات فقط، إذ تؤكد تلك المصادر أن الضغوط الأميركية ستشمل أيضاً “الدرجات الخاصة” والمناصب الحساسة داخل الدولة.
وتبين مصادر سياسية إن بترايوس لم يحمل صفة رسمية، لكنه نقل رسائل متبادلة بين بغداد وواشنطن تتعلق بتهدئة التصعيد ومنح الحكومة مهلة إضافية، بالتوازي مع طرح أفكار تخص إعادة هيكلة الحشد الشعبي أو دمجه ضمن تشكيلات أخرى داخل وزارة أمنية جديدة.
لكن هذه الوساطة تصطدم أيضاً بذاكرة دامية، إذ تستبعد مصادر أن يخاطر بترايوس بالدخول في تسوية تُفسر على أنها حماية لجماعات تتهمها واشنطن بالتورط في قتل جنود أميركيين وبريطانيين خلال سنوات الحرب.
عقدة “الوجبة الوزارية الثانية” لا تزال تعقّد المشهد أكثر. فالحكومة التزمت في المرحلة الأولى بعدم منح أي حقيبة لشخصيات تنتمي إلى فصائل مدرجة على القوائم السوداء الأميركية، غير أن الأزمة انفجرت مجدداً مع محاولة تمرير بقية الوزارات.
وقول الباحث في الشأن السياسي أبو ميثاق المساري إن هناك كتلة تمثل أكثر من 100 نائب لا يمكن حرمانها من المناصب الوزارية، معتبراً أن بعض المواقف الأميركية يتم تضخيمها سياسياً.
وفي موازاة ذلك، بدا “الإطار التنسيقي” أكثر قدرة على تطويق الخلافات الإعلامية الأخيرة، خصوصاً بين جناحي نوري المالكي ومحمد السوداني، بعد تبادل اتهامات حادة خلال الأيام الماضية.
كما تراجع الحديث مؤقتاً عما يسمى بـ”تحالف الأقوياء”، الذي كان يُعتقد أن المالكي يسعى إلى تشكيله لعزل السوداني، بمشاركة شخصيات شيعية أخرى بينها هادي العامري.
وفي محاولة لنفي الانقسامات، قال رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي خلال منتدى حواري في بغداد، إن “الإطار موحد ويزداد قوة”، مؤكداً رفض أي تحالفات داخلية أو خارجية تؤثر على قراراته.
لكن هذا الهدوء يبدو هشاً للغاية، وقد يتبدد سريعاً إذا ما رفضت واشنطن تمرير بعض الفصائل داخل الحكومة، خصوصاً مع استمرار شغور 9 وزارات أساسية بينها الداخلية والدفاع والتعليم العالي والتخطيط.
في هذا السياق، هاجم سعد السعدي من “العصائب” ائتلاف دولة القانون، معتبراً أن حجم المالكي الانتخابي لا يؤهله للحصول على وزارتين، وأن محاولاته لفرض مرشحيه تمثل “كسراً لإرادة الإطار التنسيقي” وتهدد “الحاكمية الشيعية”.
هذا النوع من الخطاب يكشف أن الصراع لم يعد فقط بين واشنطن والفصائل، بل أصبح أيضاً صراعاً داخلياً شيعياً على النفوذ والتمثيل والنجاة السياسية.
ويرى الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي أن استكمال الحكومة قد يتأخر شهراً أو شهرين بعد العيد، بسبب عاملين متداخلين، الموقف الأميركي أولاً، والخلافات الداخلية داخل “الإطار التنسيقي” ثانياً.
ويشير الدعمي إلى وجود تقاطعات حادة بين قوى شيعية وسنية بشأن وزارات حساسة مثل الداخلية والتعليم، إضافة إلى الخلافات المرتبطة باستحقاقات بعض الكتل السياسية.
وكان البرلمان قد منح الثقة منتصف أيار/ مايو لـ14 وزيراً فقط من أصل 23، فيما بقيت 9 وزارات معلقة بسبب استمرار الخلافات السياسية.
التحرك الأميركي يبدو هذه المرة أوسع من مجرد ملف السلاح، إذ يتجه نحو إعادة رسم العلاقة بين الدولة العراقية ومراكز القوة المسلحة التي تمددت داخلها بعد الحرب على “داعش”. وفي المقابل، ترى إيران أن خسارة الحشد تعني خسارة أهم خط دفاع استراتيجي لها غرب حدودها.
أما حكومة الزيدي، فتبدو عالقة بين مشروعين متناقضين؛ مشروع أميركي يريد دولة مركزية تحتكر السلاح، ومشروع إيراني يقوم على تعدد مراكز القوة لضمان النفوذ طويل الأمد.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، فإذا نجحت وساطة بترايوس وحصلت بغداد على مهلة، فقد تتجه الأزمة إلى إعادة هيكلة تدريجية أقل صداماً. أما إذا رفضت واشنطن المناورة، فقد يدخل العراق أخطر مواجهة داخلية منذ سنوات، لأن تفكيك الفصائل لن يكون مجرد قرار إداري، بل صداماً مع شبكة مصالح عسكرية واقتصادية وعقائدية مترسخة في عمق النظام السياسي.












